تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (١٤)

غطا يغطو، وغطى يغطي بمعنىً. والغنثر: ماء. والمتالي: جمع متلية وهي التي يتلوها ولدها. والعشار: الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر والواحدة عشراء.

يقول: لما وصل سيف الدولة إلى هذا الماء أخذ أموال بني كعب لما هربوا، وغطى بها البيداء وملأها، حتى عجز الجيش عن سوقها، فكان أصحابه يختارون نفائسها وكرائمها وهي المتالي والعشار.

وقيل: إن فاعل غطا هو ضمير الدثر. والمعنى: أن المال غطى بكثرته البيداء على هذا الماء، حتى أخذ كرائمه.

ومرّوا بالجباة يضمّ فيهاكلا الجيشين من نقعٍ إزار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الجباة: ماء، أو موضع. والنقع: الغبار.

يقول: انهزموا من سلمية، ومروا بالجباة، وخيل سيف الدولة خلفهم فأحاط الغبار بهم جميعاً، فكان العسكران كأنهما في إزار واحد، وصار الغبار كالإزار المحيط بهم. ومثله للخنساء تصف عيراً يطرد أتاناً:

يتعاوران من الغبار ملاءةًبيضاء ساطعةً هما نسجاها
وجاءوا الصّحصحان بلا سروجٍوقد سقط العمامة والخمار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصحصحان: صحراء هناك. وأراد بالعمامة: العمائم. وبالخمار: الخمر.

يقول: انهزموا من الجباة وجاءوا الصحصحان، وقد ألقوا سروجهم لتخف دوابهم، وسقطت عمائمهم عن رءوسهم وخمر نسائهم.

وأرهقت العذارى مردفاتٍوأوطئت الأصيبية الصّغار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

أرهقت: أي كلفت أمراً صعباً. والأصيبية: تصغير صبية، وهي جمع الصبي في القلة.

يقول: أردفوا العذارى خلفهم وأتعبوهن من شدة الركض، وأوطئوا إبلهم وخيلهم صبيانهم الصغار؛ لشدة هربهم.

وقد نزح العوير فلا عويرٌونهيا والبييضة والجفار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذه كلها أسماء مياه.

يقول: نزحوا هذه المياه لما أصابهم من شدة العطش حين مروا بها.

وليس بغير تدمر مستغاثٌوتدمر كاسمها لهم دمار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

تدمر: مدينة على طرف السماوة. والمستغاث: الموضع الذي يلتجأ إليه. والدمار: الهلاك.

يقول: لما لم يجدوا في هذه المواضع ماء اجتمعوا في تدمر ليدبروا رأياً، ولم يكن لهم موضع سواها يلتجئون إليه، فلما نزلوا بها قصدهم سيف الدولة، فدمر عاليهم فيها، فصار اسمها موافقاً لهلاكهم ودمارهم.

أرادوا أن يديروا الرّأي فيهافصبّحهم برأيٍ لا يدار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: اجتمعوا في تدمر؛ ليدبروا رأيهم، فصبحهم سيف الدولة برأي لا يتوقف فيه، لأنه لا يرى إلا ما يكون صواباً في أول وهلة، وقيل: أراد أنه يستبد برأيه، ولا يرجع فيه إلى أحد، ولا يعرض له ما يعوقه عنه.

وجيشٍ كلّما حاروا بأرضٍوأقبل أقبلت فيه تحار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

حار يحار حيرة: إذا تحير. والضمير في حاروا قيل: يعود إلى بني كعب. وفي فيه إلى الجيش.

يقول: صبحهم برأي وجيش عظيم يغطي الأرض كثرةً، فمتى تحير القوم المنهزمون بأرض تحيرت الأرض في هذا الجيش، لكثرته.

وقيل: حاروا للجيش وفيه لسيف الدولة، والمعنى: صبحهم بجيش كلما تحير هذا الجيش بأرض: إما لأنها تضيق بهم لكثرتهم، وإما لسعتها فلا يهتدون فيها، وإما لخشونتها، ثم إذا أقبل سيف الدولة وجاء إلى الجيش أقبلت الأرض تتحير في سيف الدولة؛ لعظم هيبته.

وقيل: حاروا فعل الجيش على المعنى. قيل: وفيه يعود إلى لفظ الجيش. يعني: أن الجيش إذا تحيروا في هذه الأرض أقبلت الأرض تتحير في هذا الجيش لكثرته وزيادته عليها.

يحفّ أغرّ لا قودٌ عليهولا ديةٌ تساق ولا اعتذار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: إن هذا الجيش يحف أغر: أي يحيط به من جميع جهاته، وإذا قتل إنساناً لا يقتل به قوداً؛ لعزته ومنعته، أو لأنه لا يقتله إلا بحق، ولا يطالب أيضاً بديته، ولا يعتذر عما فعله؛ للوجهين اللذين ذكرناهما. وهو من قوله تعالى: " لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ".

تريق سيوفه مهج الأعاديوكلّ دمٍ أراقته جبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

المهجة: دم القلب، وهي النفس أيضاً. والدم الجبار: الباطل.

يقول: كل دم تريق سيوفه من دم الأعادي، ذهب هدراً لا يدرك له ثأر.

فكانوا الأسد ليس لها مصالٌعلى طيرٍ وليس لها مطار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

المصال: مصدر صال، والمطار: من طار.

يقول: إنهم كانوا أسوداً في أنفسهم بشجاعتهم وإقدامهم، وكانت خيلهم كالطيور سرعة، ولكن لما رأوك تحيروا وتحيرت أفراسهم هيبةً لك، فلم يكن لهم مصال مع كونهم أسود، ولا لخيلهم مطار مع كونها في السرعة كالطير.

وقيل: المعنى أنهم كانوا قبل ذلك مثل الأسود، والآن لما غضبت عليهم ليس لهم مصال على طير لضعفهم وقلتهم، وليس لهم أيضا مطار؛ لأنك قد أهلكتهم بالقتل والأسر. وأراد بالمصال على طيران الأفراس: كالطير لخفتها، فكأنه قال: ليس لها مصال على غيرهم من الفرسان لضعفهم، فشبه خيل المخالفين لهم بالطير.

إذا فاتوا الرّماح تناولتهمبأرماحٍ من العطش القفار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: إن فاتوا رماحك ودخلوا البر هلكوا من العطش، وكأن العطش رماح القفار، قتلتهم بها.

يرون الموت قدّاماً وخلفاًفيختارون، والموت اضطرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: قد أحاط بهم الموت من قدامهم وخلفهم فقدامهم العطش، ووراهم الرماح، فكانوا بين موتين، فيختارون أحدهما، وإن هذا الموت ليس باختيار، بل هو اضطرار.

وقيل: معناه يختارون أحد الموتين، فأما الموت فهو نازل بهم لا محالة ولا محيص لهم عنه، وإنما يختارون أحد الموتين.

إذا سلك السّماوة غير هادٍفقتلاهم لعينيه منار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهادي: الدليل، وقيل: هو العارف بالطريق، وهو في معنى المهتدي. والمنار: العلامات التي تبنى على الطريق، ليهتدي بها، والواحدة: منارة.

يقول: إنهم دخلوا السماوة فراراً من سيف الدولة، وتبعهم فقتلهم في كل مكان، وبقيت جثثهم مطروحة على الطرق حتى لو سلك السماوة من لا يهتدي فيها، لكانت جثثهم تدله على الطريق، وتقوم له مقام المنار.

وقيل: أراد أنهم ماتوا عطشاً هناك وبقيت جثثهم دالة للمار بها.

ولو لم يبق لم تعش البقاياوفي الماضي لمن بقي اعتبار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو لم يعف عنهم سيف الدولة لهلكوا عن آخرهم، ولم يعش الباقي منهم، ومن بقي منهم يعتبر حاله بحال من مضى.

والماضي: هو المقتول، والباقي: الذي بقي بعدهم.

إذا لم يرع سيّدهم عليهمفمن يرعى عليهم أو يغار؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

أرعى فلان على فلان: إذا كف عنه ورق له.

يقول: إذا لم يرحمهم سيدهم فمن الذي يرحمهم ويغضب لهم؟!

تفرّقهم وإيّاه السّجاياويجمعهم وإيّاه النّجار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

هولاء من أصل واحد، لأنهم جميعاً من نزار، وسجاياهم متفرقة. والنجار. الأصل.

يقول: خليقة سيف الدولة وخلائقهم مختلفة؛ لأن خليقة سيف الدولة الكرم والعفو، وخلائقهم العصيان والنزق، فبينهما فرق من هذه الجهة.

ومال بها على أركٍ وعرضٍوأهل الرّقّتين لها مزار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهاء في بها للخيل. وأرك وعرض: موضعان. والرقتان: مدينتان من ديار بكر.

يقول: لما فرغ من بني كعب، عطف بخيله على أهل أرك وعرض، وقرب من أهل الرقتين، حتى لو شاء أن يزورهما بخيله، لم يبعد عليه.

وقيل: مال بالخيل على أرك وعرض، لطلب بني كعب.

وقيل: معناه عدل بجيشه على أهل أرك وعرض، مع بعدهما عن مقصده؛ لأنه كان قد توجه إلى الرقتين وأرك وعرض بعيدان عن الرقتين.

وأجفل بالفرات بنو نميرٍوزأرهم الّذي زأروا خوار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

أجفل: أسرع هارباً مذعوراً. والزأر والزئير: صوت الأسد. والخوار: صوت الثور.

يعني: أن بني نمير فروا من الفرات، خوفاً منه، وكانوا قبل ذلك يزأرون كالأسود، ويرعدون بالحرب، فلما رأوه ذلوا وصار زئيرهم خواراً: أي بعد أن كانوا أسوداً في الشدة صاروا مثل البقر في الذلة.

فهم حزقٌ على الخابور صرعىبهم من شرب غيرهم خمار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الحزق: جمع حزقة، وهي الجماعة، والخابور: موضع بقرب الموصل.

يقول: إن بني نمير فروا من الفرات، ونزلوا الخابور صرعى من الخوف والكلال، فصاروا كالموتى خوفاً من أن يسري إليهم سيف الدولة، وهم صرعى كأنهم مخمورون، ورماحك كانت الشاربة، فكيف أصابهم الخمار دونها؟! وقيل: معناه أنهم بقوا هناك خائفين صرعى خوفاً من الممدوح، فيهم خمار: وهو الخوف والتقطع من الكلال من شرب غيرهم، وهو ما فعل ببني كعب من القتل، فخافوا أن يشربوا كأس الموت مثل ما شرب بنو كعب.

فلم يسرح لهم بالصّبح مالٌولم توقد لهم بالليل نار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هولاء كمنوا في الخابور وحبسوا مالهم، فلا يجسرون على تسريح مواشيهم بالنهار، خوفاً من الإغارة، ولا على إيقاد النار بالليل، خوفا من الدلالة وقيل: معناه ذهب مالهم، فلا مال يسرح لهم في الصبح، وتقوضت خيامهم فلا نار لهم توقد بالليل.

حذار فتىً إذا لم يرض عنهمفليس بنافعٍ لهم الحذار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

حذار: نصب لأنه مفعول له.

يقول: فعلوا ذلك خوفاً من فتى، إن لم يرض عنهم لم ينفعهم الحذار.

تبيت وفودهم تسري إليهوجدواه الّذي سألوا اغتفار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: وفود هولاء يأتون سيف الدولة، ولا يسألون من العطايا شيئاً إلا العفو عنهم والصفح عن إساءتهم.

فخلّفهم بردّ البيض عنهموهامهم له معهم معار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

معار: من العارية وهو مفعول عار.

يقول: لما رد سيوفه عنهم، ترك رءوسهم عارية عندهم؛ لأنها له متى شاء أخذها منهم، فكأنه لما عفى عنهم أعارهم رءوسهم.

هم ممّن أذمّ لهم عليهكريم العرق والحسب النّضار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أذم لهم: أي صيرهم في ذمامه والحسب: الشرف. والنضار: الخالص.

يقول: صيرهم في ذمامه كرم الأصل وصحة الحسب.

وأضحى بالعواصم مستقرّاًوليس لبحر نائله قرار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي عاد إلى دار مملكته واستقر بها، ونائله لا يستقر بل يسير في الآفاق. وينتشر في البلاد.

وأضحى ذكره في كلّ أرضٍتدار على الغناء به العقار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: سار ذكره في الآفاق، يتحدث في كل مجلس بفضائله، ومتى أراد قوم شرب الخمر يغني لهم المغني بفضائله.

وقيل: معناه نظمت الأشعار بمدحه، فإذا أراد الناس شرب العقار غنى لهم المعني بهذه الأشعار.

تخرّ له القبائل ساجداتٍوتحمده الأسنّة والشّفار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: غنه ملك رقاب العرب، وتسجد له قبائلها، وإن الرماح وشفار السيوف تحمده؛ لأنه أعلى قيمتها بكثرة الاستعمال، ولأنها تكون باعثة على حمده؛ لأن من رأى طعنه وضربه بها حمده.

وقيل: عنى أصحاب السيوف والرماح.

كأنّ شعاع عين الشّمس فيهففي أبصارنا عنه انكسار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في فيه لسيف الدولة، وفي عنه للشعاع، ويجوز أن يكون له أيضاً.

يقول: له من الهيبة والنور ما لا يمكننا أن ننظر معه إليه، كما لا نقدر أن ننظر إلى عين الشمس ومثله قوله عنترة:

إذا أبصرتني أعرضت عنيكأنّ الشّمس من قبلي تدور
للشاعر عنترة الطائي، اقرأ القصيدة
فمن طلب الطّعان فذا عليٌّوخيل الله والأسل الحرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الحرار: العطاش، واحدها: حرى: كغضبي وغضاب.

يقول: من أراد الحرب، ولا يجد محارباً فهذا علي فليأته، فقد رأيتموه وجربتموه، وهذه خيل الله؛ لأنه مجاهد بخيله، وهذه الرماح العطاش إلى الدماء.

يراه النّاس حيث رأته كعبٌبأرضٍ ما لنازلها استتار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: إنه يجاهر من يحاربه، ويبرز إليه في البيداء كما جاهر بني كعب، ولا يمتنع بسور.

وقيل: أراد أنه أبداً يقطع المفاوز إلى الأعادي ولا يمكن لأحد أن يستتر عنه. والمعنى: يراه الناس بالعين التي رأته بها كعب.

يوسّطه المفاوز كلّ يومٍطلاب الطّالبين لا الانتظار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

فاعل يوسط طلاب. تقديره: لا انتظاره.

يقول: كل يوم يتوسط المفاوز في طلب الهاربين إليها من أعدائه، والنازلين بها، لا أنه يهرب إليها ويتحصن بها، وينتظر من يقصده فيها.

وقيل: معناه أنه يتوسط الفلوات لطلب المغيرين على الناس من أهل الفساد، لا لانتظار صيد يقع أو فرصة تنتهز.

تصاهل خيله متجاوباتٍوما من عادة الخيل السّرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

السرار: المسارة.

يقول: يخرج بخيله إلى المفاوز جاهراً بها في طلب الأعداء، فهي تتجاوب بالصهيل، ولا يمنعها الصهيل بالضرب، إذ ليس من عادتها المسارة، فهو يتركها مع عادتها.

وقال ابن جني: معناه كأن بعض خيله يسر إلى بعض شكية لما يجشمها من الحروب وقطع المفاوز، فيجاوبها الآخر سراً.

قال: ويجوز أن يريد أن خيله مؤدبة معلمة فتصهل سراً هيبة وإجلالا.

بنو كعبٍ وما أثّرت فيهميدٌ لم يدمها إلاّ السّوار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: إن بني كعب يفتخرون بأنك أوقعت بهم، ويتجملون بقصدك إليهم، وإن أصابتهم الالآم والعقوبات، كيد يدميها السوار، فإن صاحبها لا يشكو الألم الذي ناله من السوار، لما كان السوار جمال يده وزينته.

بها من قطعه ألمٌ ونقصٌوفيها من جلالته افتخار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الهاء في بها لليد، وكذلك في فيها وفي قطعه وجلالته للسوار. ومعناه هم مثل يد أدماها السوار، فهي تتألم من قطعه وتفتخر بجماله.

لهم حقٌّ بشركك في نزارٍوأدنى الشّرك في أصلٍ جوار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: لهم عليك حق لانتسابك معهم إلى نزار، وأقل القرابة تقوم مقام الجوار، فكما يجب صيانة حق الجار، فكذلك حق القريب.

لعلّ بنيهم لبنيك جندٌفأوّل قرّح الخيل المهار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: اعف عنهم، فلعل أبناءهم يكونون جنداً لبنيك، كما أنهم جندك، فكل كبير يكون صغيراً ويصير رجلا، وأول ما يكون الخيل: مهاراً ثم تكون قرحاً.

وأنت أبرّ من لو عقّ أفنىوأعفى من عقوبته البوار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: أنت أبر كل من ملك، إذا عقهم من تجب عليهم طاعتهم، لم يرضوا في عقوبتهم بغير الإهلاك، وأكثرهم عفواً وصفحاً، إذا كان غيرك يهلك بشدة عقوبته.

يعني: أنك بررتهم وعفوت عنهم ولو أردت لأهلكتهم.

وأقدر من يهيّجه انتصارٌوأحلم من يحلّمه اقتدار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يقول: أنت أقدر الملوك الذين يهيجون للانتصار من أعدائهم، أي متى هجت لتنتصر من أعدائك، كنت أقدر من كل ملك هذه صفته، وأنت أحلم من كل حليم يحلم عند قدرته.

وما في سطوة الأرباب عيبٌولا في ذلّةٍ العبدان عار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

العبدان: جمع عبد.

يقول: إنك لربّهم وهم عبيدك، فلا عيب عليهم في سطوتك ولا عليهم في خضوعهم لك.

وقال أيضاً وقد ودعه إلى الإقطاع الذي أقطعه:

أيا رامياً يصمي فؤاد مرامهتربّى عداه ريشها لسهامه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

يصمي: أي يقتل. يقال: رماه فأصماه، إذا قتله مكانه. والهاء في ريشها للعدى. وفاعل تربى: عداه والهاء في سهامه ومرامه وعداه: للرامي.

يقول لسيف الدولة: أيا راميا يصيب فؤاد مطلبه، بسهام ريشها من أعدائه فكأن أعداءه طير تربى أجنحتها حتى إذا بلغت أخذها لريش سهامه وأراد بالسهام: جيشه. وبريش السهام: سلاح أعدائه، الذي سلبه من الأعداء وكساه جيشه، يعني أنك تغير على الأعداء فتأخذ أسلحتهم وتقتلهم

أسير إلى إقطاعه، في ثيابهعلى طرفه، من داره بحسامه
للشاعر ابن الأبار البلنسي، من قصيدة «هنيئا له عادى أعادي إمامه»

يعني: أن جميع ما أملكه من عطاياه، فداري التي أسكنها وثيابي، وفرسي، من هباته، ومثله قول جحظه:

فكيف لا أشكر من لا أرىفي منزلي إلاّ الّذي جاد به؟!

والأصل فيه قول النابغة:

وإنّ سلاحي إن نظرت وشكّتيومهري وما ضمّت عليه الأنامل
حباؤك والعيس العتاق كأنّهاهجان المها تردى عليها الرّحائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «دعاك الهوى واستجهلتك المنازل»

وقال أيضاً جميع ذلك في نصف بيت:

وما أغفلت شكرك فانتصحنيفكيف ومن عطائك كلّ مالي؟
وما مطرتنيه من البيض والقناوروم العبدّي هاطلات غمامه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

العبدي والعبود: اسم الجمع بمعنى العبيد.

يقول: عبيدي وسلاحي من مطره الذي مطرته لي سحائبه الهاطلة، وعطاياه الشاملة.

ودل بذلك على أن جوده يعم العالم، ويشمل الأزمان، ويتناول الأقوام.

فتىً يهب الإقليم بالمال والقرىوما فيه من فرسانه وكرامه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هو يملك العباد والبلاد، ويهب الإقليم بما فيه من الأموال، ومن عليه من الفرسان والرجال.

ويجعل ما خوّلته من نوالهجزاءً لما خوّلته من كلامه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

خولته: أي ملكته.

يقول: إن أياديه علمتني الشكر، ولقنتني الثناء والذكر، فكلامي منه من هذا الوجه، فلما أثنيت عليه جازاني على ثنائي فخولت الإحسان جزاء على ما خولت من الكلام.

وقيل: أراد، أستفيد منه حسن الكلام فإذا مدحته به جازاني بالنعم العظام.

فلا زالت الشّمس التي في سمائهمطالعة الشّمس الّتي في لثامه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

أضاف السماء إليه في قوله: في سمائه توسعاً ليجانس قوله: في لثامه قلت: إنما أضافها إليه لأنه جعله مالكاً للسماء والأرض.

يقول داعياً له بدوام البقاء: لا زالت شمس السماء مقابلة لوجهك الذي هو كالشمس في حسن البهاء والسمو والعلا.

ولا زال تجتاز البدور بوجههتعجّب من نقصانها وتمامه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا راميا يصمي فؤاد مرامه»

يقول: لا زال أبدا يطلع البدر عليه، ويرى وجهه أحسن منه وأكمل بهاءً ومنظراً.

وقيل: أراد بذلك بدر السماء ينتقص في كل شهر، ووجه الممدوح أبداً غاية التمام، فيتعجب البدر من نقصانه كل شهر، وتمامه أبد الدهر.

وقال في يوم الأربعاء المنتصف من شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلاث مئة معزياً لسيف الدولة في أخته الصغرى ومسلياً ببقاء الأخت الكبرى.

إن يكن صبر ذي الرّزيّة فضلاًتكن الأفضل الأعزّ الأجلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الرزية: المصيبة، وأصلها من النقصان، يقال: رزى فلان في ماله وأهله، إذا أصيب. وذي: بمعنى الصاحب، والتاء في تكن للخطاب.

يقول: إن كان صبر صاحب الرزية فضلا له، فأنت أفضل من كل مصاب، لأنك أحسن صبراً على ما يصيبك من كل أحد، ولأن لك فضائل أخرى، مع فضل هذه المصيبة ولأن لك صبراً في هذه المصيبة وصبراً في أمور أخر.

أنت يا فوق أن تعزّى عن الأحباب فوق الّذي يعزّيك عقلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

التعزية: أصلها من النسب، كأن المعزي يقول للمصاب: اذكر أباك وأجدادك، فإنهم قد هلكوا وبادوا، يسليه بهذا القول، فكأنه ينسبه إليهم. وفوق: الأول نصب، لأنه نداء مضاف. والثاني ظرف.

يقول: أنت أرفع قدراً من أن تحتاج إلى أن يعزيك أحد عن فقد الأحباب، فكل من يعزيك، فأنت أوفر عقلا منه، وأعرف بأحوال الدهر.

وبألفاظك اهتدى فإذا عززاك قال الّذي قلت قبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قبل: يبنى على الضم إذا أريد به الإضافة فقطع عنها، فإذا لم يرد الإضافة صرف، ويجعل نكرة، فلذلك نون ها هنا، ونصبه على الظرف. تقول: جئتيك قبلاً وبعداً.

يقول: إذا عزاك المعزي فإنما اهتدى إلى التعزية بتعليمك، فيقول لك عند التعزية: ما قلته له قبل ذلك، ويرد عليك ما حفظه من كلامك. أخذه من قوله تعالى: " بِضَاعتنا رُدَّتْ إلَيْنَا ".

قد بلوت الخطوب مرّاً وحلواًوسلكت الأيّام حزناً وسهلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: جربت أحوال الدهر، ودخلت في الأيام. صعبها وسهلها، فلم يشتبه عليك شيء في أحوال الدهر.

وقتلت الزّمان علماً فما يغرب قولاً ولا يجدّد فعلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقال: قتلت الشيء علماً إذا تيقنته.

يقول: عرفت الزمان بحقيقته، فلا يأتي الزمان بقول غريب لم تعرفه، ولا يفعل جديداً لم تجربه.

أجد الحزن فيك حفظاً وعقلاوأراه في الخلق ذعراً وجهلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: وجدت الحزن فيك على من تفقد، حفظاً منك لحرمته ورعاية لصحبته وفي من سواك: خوفاً من ريب الدهر، وجهلا بالسبب الموجب للحزن.

وإنما ذكر العقل لأنه يدعو إلى الحفاظ، ومراعاة الحرمة. وأراد بالعقل: العلم بأحوال الدهر.

لك إلفٌ يجرّه وإذا ماكرم الأصل كان للإلف أصلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الهاء في يجره للحزن.

يقول: لك إلف يجر هذا الحزن عليك، وكرم الأصل يعينه على ذلك، فكأنه أصلي للإلف الذي لك.

يعني: أنك إنما تحزن لفقد أحبتك لأنك ألوف كريم الأصل، وليس ذلك بجزع وخوف.

ووفاءٌ نبتّ فيه ولكنلم يزل للوفاء أهلك أهلاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: لو وفاء نبت فيه جره إليك. والوفاء عادة لك موروثة عن آبائك وأجدادك، فلم يزل أهلك أهلاً للوفاء.

إنّ خير الدّموع عيناً لدمعٌبعثته رعايةٌ فاستهلاّ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

استهل: أي جرى. وعيناً: نصب على التمييز.

يقول: أكرم الدموع ما أجرته رعاية الحقوق. وروى عوناً بدل قوله: عيناً.

أين ذي الرّقّة الّتي لك في الحرب إذا استكره الحديد وصلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

استكره الحديد: أي ضرب على كره، وتكف من الدروع ما لا يقدر على قطعه، وصل الحديد: إذا سمعت له صوتاً.

يقول: أين هذه الرقة التي حصلت لك الآن عند كونك في الحرب، وذلك حين تجرد السيوف وتقتل بها الناس.

والمعنى: أن هذه الرقة لو كانت لضعف قلبك للحقتك أيضاً في الحرب، ولكنه وفاء ورعاية، فأنت تستعمل كل واحد منهما في موضعه، حيث تحمده وتستحسنه العقول، ولا تضعه في غير موضعه.

أين خلّفتها غداة لقيت الرّوم والهام بالصّوارم تفلى

تفلى: من فليت رأسه، إذا فتشته لتخرج منه القمل.

معناه: يضرب بالسيوف من كل جهة، كما أن الفالي يعم الرأس.

يقول: أين تركت هذه الرقة غداة محاربتك الروم فيما كنت تضرب رءوسهم بالسيوف الصوارم.

قاسمتك المنون شخصين جوراًجعل القسم نفسه فيه عدلاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أنت المنون على معنى المنية. والهاء في فيه ترجع إلى الجور.

يقول: قاسمتك المنون على أختيك ظلماً وجوراً منها في هذه المقاسمة؛ لأنها ليس لها الحق في واحدة منهما، غير أن هذه القسمة جعلت نفسها في الجور الذي حصل من المنون عدلاً؛ لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة.

وقال ابن جني: يجوز فيك: فيكون المعنى: أن المنون جارت في فعلها، إلا أنك إذا كنت البقية فجورها عدل.

أو يقال: إن هذه القسمة نفسها في حقك عدل، وإن كان قاسمها ظالما.

فإذا قست ما أخذن بما أغدرن سرّى عن الفؤادي وسلّى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

أغدرن: أي تركن. وسرى: أي كشف. وسلى: من التسلية. وروى أغبرن مكان أغدرن والفاعل ضمير المنون، وأراد بها المنايا.

يقول: إذا قست ما أخذته المنية بما تركته، كشف بقاء الباقية منهما هذا الحزن عن قلبك.

وتيقّنت أنّ حظّك أوفىوتبيّنت أنّ جدّك أعلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: إذا قست سهمك بسهم المنية علمت أن حظك أكثر، وأن جدك أعلى؛ لأن الكبرى خير من الصغرى.

ولعمري لقد شغلت المنايابالأعادي، فكيف تطلبن شغلا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: شغلت المنايا بقبض أرواح الأعادي، فكيف تطلب المنايا شغلاً؟! لأن لها شغلاً بالأعداء، لا تتفرغ عنه إلى شغل آخر.

وكم انتشت بالسّيوف من الدّهر أسيراً وبالنّوال مقلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

انتشت: أي دفعت، والانتياش: افتعال من النوش والمقل: الفقير.

يقول: كم أنقذت كثيراً من الأسرى من أسر الدهر بسيوفك، ومن الفقر بجودك، ونائلك، فأغنيتهم بعطاياك، ورفعتهم من الذل والصغار.

عدّها نصرةً عليه فلمّاصال ختلاً رآه أدرك تبلاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الهاء في عدها ضمير الحالة: أي عد الدهر هذه الحالة التي هي إنقاذ الأسير من يده، ورآه: أي رأى نفسه ويجوز ذلك في الرؤية: بمعنى العلم: وسائر أفعال الشك، واليقين.

يقول: لما رآك الدهر تنقذ أساراه حقد عليك، وعد فعلك نصرةً لعيه لمن خاصمه فلما صال مخادعة، وأخذ أختك مسارقةً، حسب أنه أدرك ثأره.

كذبته ظنونه؛ أنت تبليهـ وتبقى في نعمةٍ ليس تبلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: كذب الدهر ظنه أنه يقدر على أخذ ثأره عندك، فإنك تجعل الدهر بالياً! وتبقى أنت في نعمة لا تبلي.

وقيل: إن قوله أنت تبليه دعاء له بطول البقاء فكأنه يقول: أبقاك الله في نعمة دائمة حتى تبلي الدهر وتفنيه.

ولقد رامك العداة كما رام فلم يجرحوا لشخصك ظلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: طلب أعداؤك أن يدركوا ثأرهم عندك - كما طلب الدهر - فلم يقدروا أن يجرحوا ظل شخصك؛ لاتصاله بك.

ولقد رمت بالسّعادة بعضاًمن نفوس العدا فأدركت كلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

قوله: بالسعادة متعلق بقوله: فأدركت كلا يعني: أنك رمت بعض أعدائك فأدركت الكل بسعادة جدك، وهو متصل بما قبله.

قارعت رمحك الرّماح ولكنترك الرّامحين رمحك عزلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الرامح: صاحب الرمح. والعزل: جمع أعزل، وهو الذي لا سلاح معه.

يقول: قد حاربك الأعداء فعجزوا، فصار الرمح منه أعزل.

لو يكون الّذي وردت من الفجعة طعناً أوردته الخيل قبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

القبل: جمع أقبل: وهو مثل الأحول، والخيل تفعل ذلك لعزة أنفسها، وليس بخلقه.

يقول: لو لقيت مكان هذه المصيبة طعناً وكان مجيئها إليك محاربة؛ لأوردت خيلك، ودفعت عن نفسك بشجاعتك. والهاء في أوردته للطعن.

وقيل: معناه لو كنت تلقى بدل هذه المصيبة طعناً لأوردته الخيل ورددته بشجاعتك.

ولكشّفت ذا الحنين بضربٍطالما كشّفت الكروب وجلّى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الحنين: رقة الحزن، وهو أيضاً الصوت الضعيف كالأنين، وقد يراد به الاشتياق. وجلى: أي كشف، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.

يقول: لو لقيت مكانها حزناً لكنت تزيل الحزن عن قلبك بالسيف، كما كانت عادتك في الحرب أن تكشف الحروب عن نفسك بالضرب وتجليه بالطعن.

وقيل: أراد لو كان بدل هذا الحنين الذي حصل بموت الأخت، حنين الفرسان يوم الحرب، لكشفت ذلك بالضرب وخلصتهم من الغم بالسيف، ولكن قضاء الله تعالى لا مرد له.

خطبةٌ للحمام ليس لها ردٌّوإن كانت المسمّاة ثكلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

ثكلا: نصب لأنه مفعول ثان للمسماة التقدير: وإن كانت الخطبة تسمى ثكلا، فالخطبة المضمرة: اسم كان. والمسماة: خبره. وفيه ضمير الخطبة وموضعه: رفع؛ لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وثكلا: مفعوله الثاني.

يقول: إن هذا الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للمرأة، وإن كانت الناس يسمونه ثكلا.

يعني: الحمام قد خطب أختك فلم تقدر على رده.

وإذا لم تجد من النّاس كفئاًذات خدرٍ، أرادت الموت بعلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن المرأة المخدرة إذا لم تجد لنفسها كفئاً لها اختارت الموت على الأزواج الذين ليسوا بأكفاء.

ولذيذ الحياة أنفس في النّفس وأشهى من أن يملّ وأحلى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: إن الحياة لذيذة للنفس، وإن كانت في ضر وبؤس، ولكنها لما عدمت الكفء صار ذلك سبباً في اختيار الموت وإن لم يكن لها ملال من الحياة ولذتها.

وإذا الشّيخ قال: أفٍّ فما ملل حياةً وإنّما الضّعف ملاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: إذا قال الشيخ الهرم: أف تضجراً فإنه لم يقل ذلك ملالاً من الحياة ولكنه يقول تضجراً من الضعف والمرض.

آلة العيش صحّةٌ وشبابٌفإذا ولّيا عن المرء ولّي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

المرء: الشاب.

يقول: لذة العيش مع الشباب وصحة الجسم، وإذا عدم المرء هذين، فليس له عيش، بل إذا وليا ولي المرء: أي يموت ويفارق المرء بفراقهما.

أبداً تستردّ ما تهب الدنيا فيا ليت جودها كان بخلاً!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

الدنيا: رفع بتهب، أو بتسترد، على حسب إعمال أحد الفعلين.

يقول: عادة الدنيا أنها تسترد ما تهب، فليت أنها لم تهب ولم تجد!

فكفت كون فرحةٍ تورث الغمم وخلٍّ يغادر الوجد خلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: ليت الدنيا كفت كون فرحة تورث الغم وتعقب ترحة! وليتها كفت كون خليل يترك الحزن خليلاً، ويجعله صاحباً للمرء بعد خليله الذي كانت الدنيا وهبته منه.

وهي معشوقةٌ على الغدر ولا تحفظ عهداً ولا تتمّم وصلاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: الدنيا معشوقة مع كونها غدارة لا تحفظ عهداً، وإن واصلت لا يدوم وصلها.

كلّ دمعٍ يسيل منها، عليهاوبفكّ اليدين عنها تخلّى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: كل دمع يسيل فإنه يكون من جملة الدنيا عليها ولا يتركها إلا أن تفك يداه قسراً فيؤخذ عنها بالقهر، وذلك يكون عند الموت.

شيم الغانيات فيها فلا أدري لذا أنّث اسمها النّاس أم لا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: في هذه الدنيا أخلاق الغانيات. في قلة الوفاء، وسرعة التقلب، وكثرة الغدر، فلعل الناس أنثوها لشبهها بالغواني في الغدر والانقلاب! وهذا مثل قوله:

ولذا اسم أغطيه العيون جفونها

يا مليك الورى المفرّق محياًومماتاً فيهم وعزّا وذلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: يا مليك الخلق الذي يقسم بينهم الأحوال، فمنه ضرهم ونفعهم، وموتهم وحياتهم، وعزهم وذلهم.

قلّد الله دولةً سيفها أنت حساماً بالمكرمات محلّى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: قلد الله حساماً محلى بالمكرمات دولة أنت سيفها.

لما جعله سيفاً جعل حليه المكارم.

فيه أغنت الموالي بذلاًوبه أفنت الأعادي قتلا

الموالي: يعني الأولياء ها هنا. والفعل للدولة، والهاء في به للسيف.

يقول: بهذا السيف أغنت الدولة أولياءها، وأفنت أعداءها.

أي أغنت أولياءها ببذل مالك، وأفنت أعداءها بقتالك.

وإذا اهتزّ للنّدى كان بحراًوإذا اهتزّ للوغى كان نصلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: هذا السيف إذا اهتز للجود كان غايةً فيه، وهو البحر، وفي الحرب كان نصلاً في مضائه ونفاذه.

وإذا الأرض أظلمت كان شمساًوإذا الأرض أمحلت كان وبلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا أحدث أمراً تظلم له الأرض، كشفه وجلاه، كما تجلو الشمس الظلام، وإذا أصابها قحط، يقوم جوده مقام الغيث.

وهو الضّارب الكتيبة والطّعنة تغلوا والضّرب أعلى وأغلى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذه الأبيات الأربعة صفة لقوله: قلد الله دولةً سيفها أنت: أي قلدها الله منك حساماً هذه صفته.

يقول: هو يضرب الكتيبة بسيفه، حيث لا يقدر أحد منها أن يطعن برمحه. والضرب أعلى وأغلى: معناه إذا لم يقدر أحد على الدنو من العدو، وقيد الرمح بالدنو فيه، فقيد السيف أصعب وأشد.

ولا يعترض على هذا بأن يقال: الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ربما لا يمكن المطاعنة لطول الرماح، ويمكن المضاربة بالسيوف لقصرها، فلا يكون الضرب أعلى وأغلى؛ لأن المعنى ما بينا: أنه إذا لم يمكن الدنو مقدار رمح لشدة القتال، فالدنو مقدار سيف أشد تعذراً، أو لأنه إذا كانت الحال هذه فترتعش الأيدي، ولا تقل السيوف.

أيّها الباهر العقول فما يدرك وصفاً أتعبت فكري فمهلاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حيرت العقول بفضلك، فلا تحيط الأوصاف كنه وصفك، وقد أردت وصفك في الشعر فأتعبت فكري بمحاسن أوصافك، فارفق ولا تكلفني من وصفك ما لا أطيق. ووصفاً: نصب على التمييز، ومهلاً: على المصدر.

من تعاطى تشبّهاً بك أعياهـ ومن دلّ في طريقك ضلاّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

دل في طريقك: أي سلكها، يقال: دل فلان في طريق إذا عرف أعلامها، وتبع الناس أثره فيه.

يقول: من رام أن يشتبه بك أعجزه ما يرومه ولم يقدر عليه، ومن سلك طريق فعالك ضل وتحير ولم يقدر أن يقتفي آثار سعيك. وفاعل أعياه قيل: ضمير التشبه، وقيل: راجع إلى التعاطي: أي أعياه تعاطيه، ودل عليه: تعاطى.

فإذا ما اشتهى خلودك داعٍقال: لا زلت أو ترى لك مثلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

يقول: لا نظير لك في الشرف، ولا يكون لك نظير فيما بعد، فمن أراد أن يدعو لك بالخلود قال: لا زلت حتى ترى لك نظيراً. وهذا مما لا يكون، فكأنه قال: لا مت أبداً.

وورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث، في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوصم في تمام بنائه على يد سيف الدولة، لأن ملكهم ألزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغر والروس والصقالبة وغيرهم وأنفذ معهم العدد فركب سيف الدولة لوقته نافراً، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، ونظر فيما يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء لسبع خلون فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق، تقديره أن يخفى عليه خبرهم، فلما أسحر لبس سلاحه وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفاً، فلما قرب من الحدث عادت إليه الطلائع، فأخبرته بأن عدو الله تعالى لما أشرفت عليه خيول سيف الدولة، على عقبة يقال لها: العبراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفاً من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه فلم يخله الله تعالى من نصره عليهم، إلا في نقوب نقبوها في فصيل كان قديماً للمدينة وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب في جمعهم وولي كل فريق على وجهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم. فقال أبو الطيب في ذلك، ويمدحه:

ذي المعالي فليعلون من تعاليهكذا هكذا، وإلاّ فلا، لا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

ذي إشارة: إلى المعالي. وتعالي: بمعنى: علا. وهكذا: إشارة إلى المعالي أيضاً، وكرره تفخيماً لأمر سيف الدولة.

يقول: المعالي هذه التي يسعى إليها سيف الدولة، ومن أراد أن يعلو إلى المعالي ويسعى إلى المجد، فليفعل كما فعل، وإلا فليترك طلبها. وليدعها لمن هو أقدر منه، فإنه لا معالي دون ذلك.

شرفُ ينطح النّجوم بروقيهـ وعزٌّ يقلقل الأجبالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

روقاه: قرناه. والهاء فيه للشرف. ويقلقل: أي يحرك، هذا تفسير للمعالي.

يقول: للمعالي شرف ينطح النجوم بقرنيه، وعز يزعزع الجبال من أماكنها، مثل شرف سيف الدولة وعزه.

حال أعدائنا عظيمٌ وسيف الدّولة ابن السّيوف أعظم حالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحال: يذكر ويؤنث، ولهذا قال: عظيم.

يقول: إن كان حال الروم عظيما فسيف الدولة أعظم منهم حالاً.

كلّما أعجلوا النّذير مسيراًأعجلتهم جياده الإعجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أعجلت السير: استعجلته. والنذير: المنذر.

يقول: كلما بعث الروم عينا يتعرف لهم خبر سيف الدولة وينذرهم، وأعجلوا رسولهم في مسيره إليهم بأخباره، أعجلهم سيف الدولة بخيله، وسار إليهم قبل عود الرسول إليهم، وقبل أن يصل نذيره إليهم.

فأتتهم خوارق الأرض ما تحمل إلاّ الحديد والأبطالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

خوارق: نصب على الحال.

يقول: أتتهم خيل سيف الدولة تشق الأرض بحوافرها؛ لشدة وطئها وقوة جريها، وليس عليها إلا الفرسان والسلاح.

خافيات الألوان قد نسج النّقع عليها براقعاً وجلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: أتتهم الخيل قد خفيت ألوانها لما علاها من الغبار، حتى صار لها مثل البراقع والجلال، وخافيات: نصب على الحال.

حالفته صدورها والعواليليخوضنّ لدونه الأهوالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حالفته: أي حلفت له، والهاء لسيف الدولة، وكذلك في دونه وقوله: ليخوضن المروى عنه بضم الضاد، وأجراها مجرى العقلاء، فلذا أطلق عليها اسم المحالفة، كقوله تعالى: " رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجدِينَ " ولو قال لتخوضن بالتاء وفتح الضاد، لكان أظهر في الإعراب.

يقول: حلفت لسيف الدولة هذه الخيل، والرماح أنها تخوضن الأهوال دونه، وتقاتل الأبطال عنه.

ولتمضنّ حيث لا يجد الرّمح مداراً ولا الحصان مجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

القياس: وليمضن عطفاً على قوله: ليخوضن غير أنه رده إلى أصل التأنيث، فأورده بالتاء، ثم كان القيسا على هذا لتمضين كما يقال: لتقومن هند، إلا أن هذا لغة أيضاً.

يقول عطفاً على ما تقدم: إن خيله ورماحه حالفته أنها تمضي حيث لا يقدر الرمح أن يدور فيه لضيقه، ولا يتمكن الحصان من الجولان عليه. والمدار والمجال: يجوز أن يكونا مصدرين من. جال يجول مجالاً، ودار يدور مداراً. ويجوز أن يكونا اسمين لمكان الدوران والجولان.

لا ألوم ابن لاونٍ ملك الرّوم وإن كان ما تمنّى محالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: لا ألوم ملك الروم على قلقه. لما بنيت من هذه القلعة، وإن كان ما تمناه من هدمها محالاً.

أقلقته بنيّةٌ بين أذنيهـ وبانٍ بغى السّماء فنالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: لا ألوم ملك الروم على قصده لهدم هذه البنية التي هي قلعة الحدث لأنها أقلقته، فكأنها مبنية على مؤخر رأسه بين أذنيه، فلا بد من أن تقلقه لثقلها عليه، وهذا الباني أيضاً قلعة وهو الذي طلب السماء فوصل إليها، فكأنه يقول: كيف يتعذر على سيف الدولة بناء الحدث وهو قد رام السماء فنالها بعلوه.

كلّما رام حطّها اتّسع البنى فغطّى جبينه والقذالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

بنى يبني بنياً و، بناء.

يقول: كلما أراد ملك الروم هدم هذه القلعة، وسع سيف الدولة بناءها، وأحكم حائط سورها، حتى عم بها رأسه: مقدمه مؤخره، فيكون حطه سبباً لإحكامها، فيعظم أمرها عليه.

يجمع الرّوم والصّقالب والبلغر فيها وتجمع الآجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

فيها: أي في ناحيتها، والآجال: جمع الأجل.

يقول: إن ملك الروم يجمع الأمم لهدم هذه القلعة، وأنت تجمع آجالهم ومناياهم فتوافيهم بها وتقتلهم.

وتوافيهم بها في القنا السّمر كما وافت العطاش الصّلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الصلال: جمع صلة وهي الأرض التي أصابها المطر من بين الأرضين التي لم تمطر وقيل: هي بقايا المياه.

يقول: تجمع آجالهم وتوافيهم بها على أطراف الرماح، فآجالهم تتسابق إليهم، كما تتسابق العطاش إلى الأرض الممطورة.

والمعنى: أنهم كلما بعثوا إليها الجيش لهدمها قصد إليه سيف الدولة فأهلكه.

قصدوا هدم سورها فبنوهوأتوا كي يقصّروه فطالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إنهم قصدوا إليها؛ ليهدموا سورها، فقتلهم سيف الدولة، وتمم بناء سورها، فكأن قصدهم لهدمها سبب بنائها.

وحكى ابن جني: إن سبب إتمام بناء الحدث. أن الروم لعنوا سيف الدولة، فاغتاظ من ذلك وأتمه، فلما كان لعنهم إياه سبباً لإتمامه، أجرى عليه لفظ البناء.

واستجرّوا مكايد الحرب حتّىتركوها لها عليهم وبالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

استجروا: أي جروا. ومكايد الحرب: آلاتها. والهاء في لها لقلعة الحدث، وأراد بها: أهلها.

يقول: إنهم جمعوا آلات الحرب، ومكايد الحصون، ثم انهزموا وتركوها، فأخذها أهل الحدث، واستعانوا بها عليهم، فصارت وبالاً عليهم.

وقيل: أراد بمكايد الحرب: تدبيرهم في الحدث فقال: إن تدبيرهم صار وبالاً عليهم، لأن أهل الحدث أوقعوا بهم.

ربّ أمرٍ أتاك لا تحمد الفععال فيه وتحمد الأفعال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن هذا الفعل كان منهم محموداً في نفسه؛ لما فيه من نفع المسلمين، فحمدته لذلك، وإن كان لا تحمدهم على فعلهم ذلك.

وقسيّ رميت عنها فردّتفي قلوب الرّماة عنك النّصالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إنهم جاءوا بها، ثم انهزموا، فأخذ أصحابك قسيهم، فرموا بها من كان يرميهم، فردت نصالهم في نحورهم.

أخذوا الطّرق يقطعون بها الرّسل فكان انقطاعها إرسالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: أخذوا الطرق من كل جهة؛ ليمنعوا الرسل الذين يرسلهم أهل الحدث إلى سيف الدولة، فلما انقطعت الرسل استراب، وعلم أن الروم حاصروهم، فركب إليهم، وكأن انقطاع الرسل عنه قائماً مقام الإرسال.

وقيل: أراد أنهم وإن اجتهدوا في قطع الرسل عنه، فلم يخف الخبر عليه؛ لأن الناس تطلعوا إلى إبطاء الخبر عنهم، وعادوا بالخبر إليه.

وهم البحر ذو الغوارب إلاّأنّه صار عند بحرك آلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

كثروا فكانوا كالبحر، ذي الأمواج، فكانوا بالإضافة إليك كالسراب إلى البحر.

ما مضوا لم يقاتلوك ولكنن القتال الّذي كفاك القتالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

ما: نفي، ولم يقاتلوك: في موضع الحال، أي ما مضوا غير مقاتلين لك، أي أنهم ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن كان القتال الذي هزمهم هو قتالك معهم قبل ذلك، وكفاهم الآن قتالهم.

والمعنى: أنهم لما جربوك قبل هذا اليوم، وشاهدوا إيقاعك بهم، خافوا الآن من الإقدام، فانصرفوا منهزمين.

والّذي قطع الرّقاب من الضّرب بكفّيك قطّع الآمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إن السيف الذي قطع رقابهم حين ضربتهم به قبل ذلك، قطع الآن آمالهم أن يقدموا عليك.

والثّبات الّذي أجادوا قديماًعلّم الثّابتين ذا الإجفالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول: إن الروم كانوا ثبتوا فيما مضى من الأيام، وجودوا الثبات لك، فأدى ثباتهم إلى قتلهم واستئصالهم، فعلم هؤلاء ثباتهم من قبل، هذا الهرب والانهزام، لأنهم علموا أنهم لو ثبتوا لهلكوا.

والإجفال: الانهزام.

نزلوا في مصارعٍ عرفوهايندبون الأعمام والأخوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

يقول لما نزل هؤلاء حول الحدث؛ ورأوا مصارع أعمامهم وأخوالهم الذين قتلهم قبل هذا اليوم، وأقبلوا يندبونهم، ويبكون عليهم.

ثم انهزموا خوفاً من أن يحل بهم ما حل بمن تقدمهم من أقربائهم.

تحمل الرّيح بينهم شعر الهام وتذري عليهم الأوصالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

تذري: أي تسير. والأوصال: الأعضاء.

يقول: نزلوا في مصارع الذين قتلهم من الروم، وأوصالهم كانت موجودة بها بعد، فكانت الريح تذري عليهم رميم أوصالهم، وتحمل بينهم شعور هامهم.

تنذر الجسم أن يقيم لديهاوتريه لكلّ عضوٍ مثالاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

فاعل تنذر ضمير المصارع، وإليها يرجع الضمير في قوله: لديها وقيل: إن فاعل تنذر: ضمير الريح. والأول أولى.

والمعنى: إن مصارع المقتولين من قبل تنذر أجسام هؤلاء المنهزمين أن يقيموا بها، وترى هذه المصارع أجسامهم لكل عضو منها مثالاً من أعضاء المقتولين، فإذا تأملوا تلك الأعضاء علموا أنهم إن أقاموا بها قتلوا، وصارت أعضاؤهم منقطعة.

أبصروا الطّعن في القلوب دراكاًقبل أن يبصروا الرّماح خيالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.