من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
الكافوريات وهي المصريات (٢)
فاعل يحط حامله: أي حامل خاتمه. والهاء للخاتم. واليعبوب: الفرس الكثير الجري. وقيل: هي الطويل، وطويل الباع: طويل القوائم.
يقول: حامل خاتمه يحط كل فارس طويل الرمح، عن سرج كل فرس طويل القوائم واسع الجري؛ لما يداخله من الهيبة، وانبساط أمره، فإذا كانت هذه حاله، فحال غيره في الانقياد أبلغ.
كأنّ كلّ سؤالٍ في مسامعهقميص يوسف في أجفان يعقوب
يقول: يفرح بسؤال كل سائل، وكأنه في أذنه. مثل: قميص يوسف في عين يعقوب، فهو يستشفى بالسؤال، كما استشفى يعقوب بقميص يوسف.
إذا غزته أعاديه بمسألةٍفقد غزته بجيشٍ غير مغلوب
يقول: إن أعداءه إذا قصدوه بالخضوع والسؤال، طلباً لما له أو طلباً للصلح منه، أجابهم لما يريدون، فكأنهم قصدوه بجيش لا يغلب.
أو حاربته فما تنجو بتقدمةٍممّا أراد، ولا تنجو بتجبيب
التجبيب: بباءين هو التأخر والهرب. وروى تخبيب من قولهم: خبب فلان نفسه إذا بعد.
يقول: إن حاربه الأعداء فلا ينجون بالشجاعة والإقدام، وإن هربوا لحقهم بخيله، فلا ينجون بالهرب والانهزام.
أضرت شجاعته أقصى كتائبهعلى الحمام، فما موت بمرهوب
أضرت: أي أغرت، يقال: أضريته على كذا وضريته على كذا: إذا عودته. وأقصى كتائبه: أي جميع كتائبه؛ لأن أقصى هو الغاية.
يقول: قد عودت شجاعته جميع عسكره لقاء الحروب، فكأنه أضراهم على الموت، فلا يخافون من الموت والقتل، كالبازي إذا ضرى بالصيد، لا يخاف منه.
قالوا هجرت إليه الغيث! قلت لهم:إلى غيوث يديه والشّآبيب
الشآبيب: جمع شؤبوب، وهي الدفعة العظيمة من المطر.
والمعنى: أن أرض مصر لا تمطر، وكأن الناس قالوا: لم تركت ديار الخصب والغيث، وقصدت كافوراً؟! فقال لهم: إن غيث يديه وشآبيب جوده، أكثر من الغيث وأنفع.
إلى الّذي تهب الدّولات راحتهولا يمنّ على آثار موهوب
يقول: إن كنت تركت الغيث، فقد قصدت ملكاً يهب الولايات، ولا يتبع منه.
وفيه تعريضان: أحدهما تعريض لكافور أن يوليه ولاية، والآخر تعريض بسيف الدولة أنه كان يمن عليه بما يصل منه إليه.
ولا يروع بمغدورٍ به أحداًولا يفزّع موفوراً بمنكوب
الموفور: الرجل الكثير المال.
يقول: لا يغدر بأحد، فيخاف آخر بأن يغدر به كما غدر بغيره، ولا ينكب صاحب مال، فيخاف منه صاحب مال أن ينكبه، كما نكب غيره.
بلى يروع بذي جيش يجدّلهذا مثله في أحمّ النّقع غربيب
يجدله. يصرعه على الجدالة، وهي الأرض، والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الأسود جاء به توكيداً.
يقول: لا يروع بمغدور به أحداً، ولكن يقصد إلى ملك صاحب جيش عظيم فيقتله ويروع به ملكاً آخر صاحب جيش مثل هذا المقتول، فإذا رأى ما صنع بالأول هابه.
يعني: أن همته ليست أخذ المال، بل همته طلب العز.
وجدت أنفع مالٍ كنت أذخرهما في السّوابق من جريٍ وتقريب
التقريب: أرفع المشي، وأدنى الجري.
يقول: كان أنفع مال وجدته وجمعته: ما في الخيل السوابق من الجري والتقريب.
جعل الجري والتقريب مالاً، لما وصل بهما إلى المال؛ لاتصاله بالممدوح.
لمّا رأين صروف الدّهر تغدر بيوفين لي ووفت صمّ الأنابيب
يقول: لما وصلت بهذه السوابق، وبهذه الرماح إلى جميع ما أردته، فكأنهن وفين لي، في وقت غدرت بي صروف الدهر، ولم توافني حوادث الأيام.
فهو يصف بذلك رحيله إلى مصر، ونجاته من أذية سيف الدولة.
فتن المهالك حتّى قال قائلها:ماذا لقينا من الجرد السّراحيب؟!
المهالك: جمع مهلكة، وهي المفازة. والسرحوب: الفرس الطويل، ولا يوصف بها الذكر.
يقول: سرعة هذه الخيل، شكت المفاوز حتى قال قائلها: أي بعض بقاعها: أي شيء لقينا من هذه الخيل؟! وقيل: أراد بالمهالك أسباب الهلاك. أي فأتت خيلي كل أمر فيه هلاك.
تهوى بمنجردٍ ليست مذاهبهللبس ثوبٍ ومأكولٍ ومشروب
تهوى: أي تسرع. والمنجرد: الماضي في أمره.
يقول: هذه السوابق تهوى في المفاوز برجل مجد في أمره، ليست همته المأكول والمشروب والملبوس، وإنما همته معالي الأمور.
يرى النّجوم بعيني من يحاولهاكأنّها سلبٌ في عين مسلوب
يقول: ينظر هذا المنجرد إلى النجوم نظر من يريد تناولها، فكأنها سلب سلب منه، فهو ينظر إليها كما ينظر المسلوب إلى سلب في يد غيره.
يعني: أنه يستحق منازل النجوم، لكن الدهر حطه عن درجته، فهو ينظر إليها على هذا الوجه.
حتّى وصلت إلى نفس مححّبةٍتلقى النّفوس بفضلٍ غير محجوب
يقول: قطعت المهالك حتى وصلت إلى نفس محبة من الناس؛ لعظم شأنه، ولكن فضلها غير محجوب.
وقيل: إن هذا تعريض بسواده. يعني: وصلت إلى نفس كريمة، محجوبة في جسم أسود، وفضلها غير محجوب: يعني: أن مخبره أحسن من منظره.
في جسم أروع صافي العقل تضحكهخلائق النّاس إضحاك الأعاجيب
يقول: هذه النفس في جسم رجل ذكي صافي العقل، وإن كان أسود اللون، فهو أبيض العقل، فلا يخالط عقله شيء من الكدورة، وهو يضحك من أخلاق الناس لنقصائهم في العقل! فكأنه رأى شيئاً عجيباً.
والأروع: الذكي القلب.
فالحمد قبل له، والحمد بعد لهاوللقنا ولإدلاجي وتأويبي
له: أي لكافور. ولها: للخيل. والإدلاج: سير الليل. والتأويب: سير النهار كله.
يقول: الحمد أولاً لك، إذ كان كرمك هو الباعث على قصدك، ثم بعد ذلك لخيلي؛ لأني وصلت بها إليك، وكذلك لسيري ليلاً ونهاراً حتى وصلت إليك.
وكيف أجحد يا كافور نعمتهاوقد بلغنك بي يا كلّ مطلوبي؟!
يقول: كيف أجحد نعم هذه الخيل السوابق! وهي التي بلغتني إليك، وأنت مأمولي وغاية كل مطلوبي.
يا أيّها الملك الغاني بتسميةٍفي الشّرق والغرب عن وصفٍ وتلقيب
الغاني: المستغني.
يقول: أنت مشهور في العالم باسمك المذكور، فإذا قيل: كافور، عرفت واستغنيت عن الوصف، واللقب.
أنت الحبيب ولكنّي أعوذ بهمن أن أكون محبّاً غير محبوب
به: يرجع. إلى الحبيب.
يقول: أنت حبيبي، ولكني أعوذ بك من أن أكون محباً لك، ولا أكون محبوباً عندك. ومثله لأبي تمام قوله:
كم من عدوٍّ قال لي متمثّلاً:كم من ودود ليس بالمودود!
وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة ويستنجزه وعده.
أودّ من الأيّام ما لا تودّهوأشكو إليها بيننا وهي جنده
الهاء في توده ترجع إلى ما والفعل للأيام. والهاء في إليها تعود إلى الأيام. وفي جنده إلى البين.
يقول: أريد من الأيام ألا تفرق بيني وبين أحبائي، والأيام لا تريد ذلك. وأشكو إليها الفراق وهي جنده: أي هو الذي حكم بها، فإذا شكوت إليها لم تشكني.
يباعدني حبّاً يجتمعن ووصلهفكيف بحبٍّ يجتمعن وصدّه؟!
الحب: المحبوب، وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد؛ لأنهما في الأيام يكونان، والظرف يتضمن الفعل، فإذا تضمنه فقد لابسه وصار كأنه مجتمع معه، وعطف الوصل والصد على الضمير في يجتمعن من غير التوكيد بالفصل، وهذا جائز في ضرورة الشعر.
يقول: إن الأيام تباعد مني الحبيب المواصل، فكيف تقرب الحبيب المقاطع؟!
أبى خلق الدّنيا حبيباً تديمهفما طلبي منها حبيباً تردّه
يقول: كيف ترد عليك الأيام حبيبك الذي فارقك؟ وهي لا تترك عليك حبيبك الذي هو معك!
وأسرع مفعولٍ فعلت تغيّراًتكلّف شيءٍ في طباعك ضدّه
يقول: إن الدنيا مطبوعة على التغير والتنقل، وإذا ساعدت بقرب حبيب لم تلبث أن تفرق بيننا وبينه! وترجع إلى عادتها التي جبلت عليها، فأسرع شيء انتقالاً، وأقربه زوالاً هو: تكلف ما في طبعه خلافه.
رعى الله عيساً فارقتنا وفوقهامهاً كلّها يولى بجفنيه خدّه
المها: بقر الوحش، وعنى بها النساء ويولي: من الولي، وهو من المطر الثاني. والهاء في كلها للمها وفي جفنيه وخده يعود إلى لفظ كل.
يقول: حفظ الله عيساً فارقتنا وفوقهن نساء يبكين لفراقنا، فتجرى دموعهن على خدودهن مرةً بعد مرة، فكأن خد كل واحدة منهن يسقى ولياً بعد وسمى من سحابة جفنيها، تأسفاً على الفراق.
بوادٍ به ما بالقلوب كأنّهوقد رحلوا جيدٌ تناثر عقده
الهاء في به وكأنه للوادي، وفي عقده للجيد.
يعني: فارقتنا هذه العيس بوادٍ به من الوحشة لفراقهن مثل ما في قلوبنا من الوحشة، فهو لوحشته كالجيد الذي انقطع عقده وتناثر در قلائده. أي كن زينةً له، فلما رحلن عنه صار كالجيد نزع حليه.
إذا سارت الأحداج فوق نباتهتفاوح مسك الغانيات ورنده
الأحداج: جمع الحدوج، وهو مركب من مراكب النساء، والرند: الآس، وقيل: شجر طيب الريح، والعرب تسمى العود رنداً والهاء نباته ورنده للوادي.
يقول: اختلطت رائحة المسك من النساء برائحة الرند في هذا الوادي، فكان كل واحد منهما يباري الآخر بفوح الرائحة.
وحالٍ كإحداهنّ رمت بلوغهاومن دونها غول الطّريق وبعده
غول الطريق: بعده. يقول: هو الهلاك.
يقول: رب حال مثل إحدى هؤلاء الجواري في الحسن والكمال، أو في العزة والامتناع. وأنا أروم الوصل إليها، وبيني وبينها طريق بعيد يهلك من سلكه.
وأتعب خلق الله من زاد همّهوقصّر عمّا تشتهي النّفس وجده
الوجد والوجدة: هو الغنى.
يقول: أتعب الناس من أتعب همته، ولم يساعده ماله وإمكانه.
فلا ينحلل في المجد مالك كلّهفينحلّ مجدٌ كان بالمال عقده
يقول: لا تتلف مالك كله في اكتساب المجد والثناء، فإن فعلت ذلك افتؤلت وضاع المجد الذي كنت تطلبه! إذ المجد لا يكون إلا مع المال.
ودبّره تدبير الّذي المجد كفّهإذا حارب الأعداء والمال زنده
يقول: دبر المال تدبير الرجل الذي المجد كفه، والمال زنده: يعني كما لا تقوم الكف إلا بالزند، فكذلك لا تقهر الأعداء إلا بالمال.
فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ مالهولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده
يعني: كما لا يقوم المجد من دون المال، كذلك المال لا ينفع إلا مع المجد، فمن له المال بلا مجد فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال له.
وفي النّاس من يرضى بميسور عيشهومركوبه رجلاه والثّواب جلده
يقول: في الناس من ليس له همة، فقد رضى بالدون من العيش، واقتصر على طعام بطنه، فلا يركب إلا رجله، ولا يلبس إلا جلده.
ولكنّ قلباً بين جنبيّ ما لهمدىً ينتهي بي في مرادٍ أحدّه
لفظة ما في قوله: ما له نفي.
يقول: أنا لست هكذا، لكني بعيد الهمة، ليس لهمتي غاية تقف عندها. والهاء في أحده للمراد.
يرى جسمه يكسى شفوفاً تربّهفيختار أن يكسى دروعاً تهدّه
الشفوف: جمع شف، وهو الثوب الرقيق. وتربه: تنعمه. وتهده: تهدمه.
يقول: هذا القلب يرى الجسم الذي فيه يلبس أثواباً رقاقاً، وهو لا يختار له ذلك، وإنما يختار الدروع مع خشونتها وغلظتها؛ لتهدم نعومة الحسم.
يكلّفني التّهجير في كلّ مهمهٍعليقي مراعيه وزادي ربده
التهجير: السير في وقت الهاجرة. والعليق: ما تعلق به على الدابة، من شعير أو غيره. والربد: النعام، الواحد أربد، وربداء، سميت بذلك لسواد لونها.
يقول: قلبي يكلفني السير في وقت الهاجرة في كل مهمه بلا زاد ولا عليق، فخيلي تأكل من مراعيها، وزادي من نعامها.
وأمضى سلاحٍ قلّد المرء نفسهرجاء أبي المسك الكريم وقصده
يقول: أمضى سلاح المرء: قصد كافور ورجاؤه، فكما أن أبلغ ما يتوصل به المرء إلى مرامه هو السلاح، كذلك أبلغ ما يوصله إلى مراده قصده ورجاؤه.
هما ناصرا من خانه كلّ ناصروأسرة من لم يكثر النّسل جدّه
يقول: رجاؤه وقصده معينان من ليس له معين. وعشيرة يتقوى بها، كما يتقوى الرجل بناصره وعشيرته.
أنا اليوم من غلمانه في عشيرةٍلنا والدٌ منه يفدّيه ولده
الولد والولد: لغتان يقعان على الواحد والجمع. وقيل: الولد: جمع الولد.
يقول: أنا اليوم من جملة غلمانه، وهم لي بمنزلة الولد، ونحن أولاده نتمنى أن نفديه بأنفسنا.
فمن ماله مال الكبير ونفسهومن ماله درّ الصّغير ومهده
يعني: أن نعمه عمت الكبير والصغير، فمال الكبير ونفسه من هباته، ولب الصغير ومهده من ماله.
يعني: أنه يملك نفوس الناس وأموالهم.
نجرّ القنا الخطّىّ حول قبابهوتردى بنا قبّ الرّباط وجرده
الهاء في جرده يرجع إلى لفظ الرباط لأنه اسم واحد موضوع للجمع مثل: القوم والنفر. وتردى: من الرديان، وهي سرعة السير. والقب: جمع أقب وقباء وهو الفرس الضامر، والرباط: اسم للخيل المربوطة، وقال أبو زيد: هي الخمس فما فوقها.
يقول: نجر القنا حول قباب الممدوح كل يوم، لأنا من غلمانه، ونجري الخيل في ميدانه؛ لأن عادة الغلمان أنهم يتلاعبون في ميادين الملوك.
ونمتحن النّشّاب في كلّ وابلٍدوىّ القسيّ الفارسيّة رعده
الهاء في رعده يعود إلى وابل.
يقول: نرمي النشاب بين يديه، ونمتحنها، على عادة الغلمان من امتحان السهام. وشبه كثرة النشاب بالمطر الوابل، ودوي القسي وصوتها عند الرمي بالرعد. يصف كثرة غلمانه وجنده.
فإلاّ تكن مصر الشّري أو عرينهفإنّ الّذي فيها من النّاس أسده
الشري: موضع كثير الأسد، والعرين: الأجمة.
يقول: إن لم تكن مصر مقر الأسود، فإن الذي فيها أسود، فلا اعتبار بالموضع، وإنما الاعتبار بالأسد.
سبائك كافورٍ وعقيانه الّذيبصمّ القنا لا بالأصابع نقده
العقيان: الذهب.
يقول: هؤلاء الغلمان، والرجال الذين هم الأسود سبائك لكافور ادخرهم بعد أن امتحنهم بالطعن بين يديه، وجربهم فجعلهم ذخائر، وأقامهم مقام ماله، الذي هو السبائك والذهب؛ لأنه يصل بهم إلى مطالبه كما يوصل بالمال.
ولما جعلهم مالا جعل نقدهم بالقنا والطعن لا بالأصابع، لأنه لم يرد حقيقة الدنانير التي تنقد بالأصابع.
وقيل: أراد أنه يكسب الذهب والفضة بصم القنا لا بالتجارة. والأول هو الظاهر الأليق.
قال أبو الطيب: لما أنشدت هذا البيت قال لي كافور: من يعرف العقيان. اليوم؟ فقلت: نعم هرباً من تفسيره إياه. فقال: الصيوف. يريد السيوف.
بلاها حواليه العدوّ وغيرهوجرّبها هزل الطّراد وجدّه
بلاها: أي جربها. والهاء فيها قيل: تعود إلى الخيل، وقيل للسبائك والعقيان.
يقول: إن العدو قد جرب هذه الخيل والغلمان وغير العدو أيضا.
فالعدو في الحرب في حالة الجد وغير العدو في الميدان: في حالة الهزل.
أبو المسك لا يفنى بذنبك عفوهولكنّه يفنى بعذرك حقده
يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: إن عفوه لا يفنى بذنبك، ولم يغلبه ذنب المذنب، ولكنه يفنى حقده بعذرك: يعني إذا اعتذرت إليه زال عن قلبه حقده.
فيا أيّها المنصور بالجدّ سعيهويا أيّها المنصور بالسّعي جدّه
سعيه وجده: رفع بالمنصور.
المعنى: أنك بلغت جدك بسعيك، ولم تبلغ ما بلغت بالجد وحده، ولكنه بالجد والسعي، فجدك ينصر سعيك في أمرك ويوفقه لك، وسعيك ينصر جدك، فقد اشتملتك السعادة والنصر.
تولّى الصّبا عنّي فأخلفت طيبهوما ضرّني لمّا رأيتك فقده
أخلفت: أي وجدت طيب كافور خلفاً من الصبا.
يقول: لما تولت عني أيام الصبا جعلت طيبك خلفاً عنها، فناب مناب أيام الصبا ولم يضرني فقد أيام الصبا لما رأيتك، فسروري بك مثل سروري بأيام الصبا.
لقد شبّ في هذا الزّمان كهولهلديك، وشابت عند غيرك مرده
يقول: شب كهول الزمان عندك؛ لسرورهم بإحسانك إليهم فكأنهم في أيام الصبا، والشباب عند غيرك شابت مرد هذا الزمان لإيذائه إياهم.
يريد سيف الدولة.
ألا ليت يوم السّير يخبر حرّهفتسأله، واللّيل يخبر برده
يقول: ليت حر الهواجر يخبرك بحاله؛ حتى تسأله عما فعل بي، وليت برد الليل مخبر أيضا؛ لتعرف منه ما قاسيت من البرد.
وليتك ترعاني وحيران معرضٌفتعلم أنّي من حسامك حدّه
حيران: ماء بالشام، وقيل: جبل. كانت قد ظهرت له خيل وهو عليه.
يقول: ليتك تراني بهذا المكان، حين لاحت لي الخيل، لتعلم شجاعتي، وأني بمنزلة الحد في سيفك.
وقيل: شبه الجيش بحيران، الذي هو الجبل.
والمعنى: ليتك رأيتني يوم يبدو فيه الجيش، حتى تقف على شجاعتي، وتعلم أني حد حسامك.
وأنّى إذا باشرت أمراً أريدهتدانت أقاصيه وهان أشدّه
يقول: وتعلم أيضاً أني إذا رمت أمراً، قرب بعيده وهان شديده.
وما زال أهل الدّهر يشتبهون ليإليك فلمّا لحت لي لاح فرده
يقول: كنت أظن أن أهل الدهر مشتبهون في المراتب والمنزلة، متساويين في القدر، فلما رأيتك رأيت فرد الزمان الذي لا نظير له.
وقيل: إن أهل الدهر من الملوك كانوا يشتبهون بك عندي، فيوهمونني مساواتهم لك في الملك وسائر الخصال، فلما رأيتك، أوحد الدهر، علمت بطلان دعاويهم.
يقال إذا أبصرت جيشاً وربّهأمامك ربٌّ ربّ ذا الجيش عبده
يقول: كنت إذا رأيت جيشاً وأميره، قيل لي قدامك ملك - وهو كافور - وأمير هذا الجيش، عبد ذلك الملك.
وألقى الفم الضّحّاك أعلم أنّهقريبٌ بذي الكفّ المفدّاة عهده
الهاء في عهده للفم. وقوله: بذي الكف: أي بهذه الكف، وقيل بصاحب الكف.
يقول: كنت إذا رأيتك فماً كثير الضحك علمت أنه قريب العهد بتقبيل كفك - التي تفدي الأنفس - وذلك الضحك، لما لحقه من السرور حين وصل إلى تقبيل كفك، أو عرفت أنه قريب العهد بعطاء كفك المفداة، فذلك الضحك سرور بعطائك.
فزارك منّي من إليك اشتياقهوفي النّاس إلاّ فيك وحدك زهده
المعنى: زارك مني رجل مشتاق إليك، زاهد في جميع الناس إلا فيك وحدك وقوله: زارك مني أي أنا ذلك الذي إليك اشتياقه.
يخلّف من لم يأت دارك غايةًويأتي فيدري أنّ ذلك جهده
الجهد: الطاقة، والجهد: المشقة، وقيل: هما واحد.
يقول: من قصد غيرك من الملوك فقد خلف وراءه غاية، وإذا قصدك فقد بلغ غاية جهده وطاقته، فإنه ليس وراءك غاية يطلب الوصول إليها.
فإن نلت ما أمّلت منك فربّماشربت بماءٍ يعجز الطّير ورده
الورد: الورود، وهو فاعل يعجز والضمير في ورده للماء والباء في قوله: شربت بماء زائدة.
المعنى: إني بعيد الهمة، شريف المطلب، لا أطلب إلا غايةً بعيدة؛ فلهذا قصدتك، وقاسيت الأخطار دونك، وليس هذا بمنكر مني، فإني ربما وصلت إلى ما لا يقدر الطير على الوصول إليه! يعني: وصلت إلى مطالب يعجز عنها غيري.
ووعدك فعلٌ قبل وعدٍ لأنّهنظير فعال الصّادق القول وعده
يقول: وعد كل أحد يشبه فعله، وأنت صادق القول، فإذا وعدت فكأنك ابتدأت بالجود. قبل الوعد، فإن وعدك واقع لا محالة.
فكن في اصطناعي محسناً كمجربٍيبن لك تقريب الجواد وشدّه
التقريب: ضرب من سير الفرس دون الشد.
يقول: جربني في اصطناعك إياي وإحسانك إلي، ليتبين لك صغر حالي وكبرها.
شبه الصغر بالتقريب، والكبر بالشد.
إذا كنت في شكٍّ من السّيف فابلهفإمّا تنفّيه وإمّا تعدّه
يقول: إن شككت في حالي فجربني، فإني مثل السيف يتبين حاله بالتجربة، فإن رضيتني جعلتني عدة لك، وإلا رميت بي.
وما الصّارم الهنديّ إلاّ كغيرهإذا لم يفارقه النّجاد وغمده
نجاد السيف: حمائله.
يقول: لا فضل بيني وبين غيري إذا لم تجربني كما لا فضل بين السيف الهندي القاطع، وبين غيره من السيوف إذا لم يجرد من غمده. ومثله لأبي تمام:
لما انتضيتك للخطوب كفيتهاوالسّيف لا يكفيك حتّى ينتضى
وإنّك للمشكور في كلّ حالةٍولو لم يكن إلاّ البشاشة رفده
الهاء في رفده للمشكور.
يقول: أنا أشكر لك في كل حال، وإن لم يكن من عطائك إلا طلاقة وجهك لكفاني ذلك.
وكلّ نوالٍ كان أو هو كائنفلحظة طرفٍ منك عندي ندّه
يقول: كل عطاء كان منك فيما مضى أو سيكون، فنظرة منك إلي تقوم عندي مقامه. والند: المثل. والهاء في نده للنوال.
وإني لفي بحر من الخير أصلهعطاياك أرجو مدّها وهي مدّه
يقول: أنا في بحر من الخير، وأصل هذا البحر من عطاياك، وأرجو مد عطاياك، فهي مد هذا البحر.
وما رغبتي في عسجدٍ أستفيدهولكنّها في مفخرٍ أستجدّه
العسجد: الذهب. وأستفيده وأستجده بمعنىً واحد.
يقول: ليست رغبتي في المال، ولكن رغبتي في استفادة الفخر واستجداد الشرف. وأراد به الولاية. ومثله لأبي تمام:
ومن خدم الاقوام يرجو نوالهمفإنّي لم أخدمك إلاّ لأخدما
يجود به من يفضح الجود جودهويحمده من يفضح الحمد حمده
الهاء في به للمفخر.
يقول: يجود بهذا المفخر، من جوده يفضح كل جود. يعني كافورا. ويحمده على هذا الجود، من حمده يفضح كل حمد. يعني به نفسه.
يعني: أنت أجود الملوك وأنا أبلغ الشعراء وأفصحهم.
فإنّك مامّر النّحوس بكوكبٍوقابلته إلاّ ووجهك سعده
يقول: لو أن كوكبا من الكواكب أصابه نحس، وقابلته أنت، سعد ذلك النجم بسعادتك، وخرج النحس من غير أن يؤثر فيه بنحوسته.
يعني: أن من أتاك سعد بقربك، وظهر عليه إقبالك، فيرجع غنيا مسرورا.
وشكا إليه ابن عياش طول قيامه في مجلس الأسود وكان دسه عليه، ليعلم ما في نفسه فقال أبو الطيب يمدح كافورا ارتجالا:
يقلّ له القيام على الرّءوسوبذل المكرمات من النفوس
يقول: الوقوف بين يديه يقل له، لأنه يستحق فوق ذلك، وكذلك يقل له بذل النفوس المكرمة في جنب ما يستحقه من التعظيم.
إذا خانته في يومٍ ضحوكٍفكيف تكون في يومٍ عبوس؟
يقول: إذا خانته في حال الرفاهية والسلم والسرور فتقصر في الخدمة والقيام بين يديه فكيف تكون في حال الشدة والحرب؟! والغرض بضحك اليوم وعبوسه: حسنه وطلاقته. وقيل: أراد في يوم يضحك فيه ويعبس فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه
ومات له في دار البركة التي انتقل إليها خمسون غلاما في أيام يسيرة، ففزع، وخرج إلى دار أخرى هارباً منها في الليل، حتى قال الناس إنه جاءه في الليل أسود فقال له: إن خرجت منها.. وإلا قتلتك! فخرج على وجهه، ونزل دار بعض غلمانه إلى أن أصلحت له دار كانت لحرم ابن طولون، فلما نزلها دخل عليه أبو الطيب فقال في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مئة.
أحقّ دارٍ بأن تدعى مباركةًدارٌ مباركة الملك الّذي فيها
يقول: أحق الدور بأن تسمى مباركة، هي الدار التي الملك فيها، لما يشملها من نعمه وبره.
وأجدر الدّور أن تسقى بساكنهادارٌ عدا النّاس يستسقون أهليها
يقول: إذا كان البعيد يستسقى من جود يديك، فدارك التي تسكنها أولى بأن تسقيها بجودك وبركتك.
هذي منازلك الأخرى نهنّئهافمن يمرّ على الأولى يسلّيها
ويقول: نحن نهنئ دارك التي انتقلت إليها بنفسك، فمن يمر على الأولى التي انتقلت عنها يسليها: أي يصبرها. من بمعنى الذي.
إذا حللت مكاناً بعد صاحبهجعلت فيه على ما قبله تيها
يقول: إذا نزلت مكاناً بعد ما رحلت عن مكان غيره، تاه المكان الذي نزلته على الذي ارتحلت عنه، تشرفاً بك.
لا تنكر العقل من دارٍ تكون بهافإنّ ريحك روحٌ في مغانيها
يقول: لا تنكر أن تكون الدار التي تحلها لها عقل! تعرف به شرفها بقربك، لأن ريحك في منازلها، لها روح تحيا به.
أتمّ سعدك من لقّاك أوّلهولا استردّ حياةً منك معطيها
يقول: أتم الله سعادتك، كما ابتدأك بها، ولا استرد منك ما أعطاك من الحياة.
ودخل يوما أبو الطيب على كافور الأسود، فلما نظر إليه وإلى قلته في نفسه ونقص عقله ولؤم كفه وقبح فعله، ثار الدم في وجهه حتى ظهر ذلك فيه، فخرج فركب فأتبعه الأسود بعض القواد، وهو يرى أن أبا الطيب لا يفطن فسايره وسأله عن حاله وقال له: أراك متغير اللون؟ فقال أبو الطيب: أصاب فرسي اليوم جرح خفته عليه، وقلبي مشغول به، وليس له خلف إن تلف، فبلغ معه إليه ثم عاد إلى الأسود فأخبره، فأنفذ إليه مهراً أدهم، فقال أبو الطيب يمدحه ويذكر أسف الحمدانيين عليه وأنشدها يوم الأحد لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر من هذه السنة:
فراقٌ ومن فارقت غير مذمّموأمٌّ ومن يمّمت خير ميمّم
يقول: هذا فراق ومن فارقته غير مذموم، وهو سيف الدولة، وهذا أم: أي قصد، ومن أممته خير مقصود، وهو كافور.
وما منزل اللّذّات عندي بمنزلٍإذا لم أبجّل عنده وأكرّم
يقول: ليست اللذة بلذة الأماكن إلا إذا أكرمني أصحابها وعظموا قدري، فمتى كنت مهاناً فيها فلا أعدها لذة عندي.
سجيّة نفسٍ ما تزال مليحةًمن الضّيم مرميّاً بها كلّ مخرم
مليحةً: أي مشفقة خائفةً. والمخرم: المفازة.
يقول: عادة نفسي أنها تأنف الذل، وتشفق من الضيم، فلهذا أتحمل المشقة وأقطع المفاوز.
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍعليّ، وكم باكٍ بأجفان ضيغم
الشادن: ولدى الظبي إذا قوى. والضيغم: الأسد.
يقول: لما رحلت بكى لفراقي النساء اللواتي عيونهن كأعين الغزلان، والأبطال الذين هم كالأسود، وعنى به سيف الدولة وأصحابه.
يعني: بكى لفراقي حبيبي بأجفان الشادن، وبكى سيف الدولة بأجفان الضيغم.
وما ربّة القرط المليح مكانهبأجزع من ربّ الحسام المصمّم
هذا تفسير البيت الذي قبله. والهاء في مكانه للقرط، وهو الذي يعلق في شحمة الأذن.
يقول: لم تكن حبيبتي صاحبه القرط، بأشد جزعاً لفراقي، من حبيبي الذي هو صاحب السيف. وأراد به سيف الدولة.
فلو كان ما بي من حبيب مقنّععذرت ولكن من حبيب معمّم
يقول: لو كان ما بي من الشوق إنما هو لحبيبي المقنع، لعذرت نفسي في فراقه، لأني فارقته لطلب المجد والعلا، ولكن أي عذر في مفارقة حبيبي المعمم؟؟! وما رجوته من قصد غيره، كان موجوداً عنده! يظهر الندم على فراق سيف الدولة.
وقيل: معناه لو كان سبب فراقي من قبل المحبوبة لعذرتها، لأن التغير والفراق من عاد النساء، ولكن ما بي من حبيب معمم، فالتغير لا يعذر فيه.
رمى واتّقى رميي ومن دون ما اتّقىهوىً كاسرٌ كفّى وقوسي وأسهمي
يقول: ذلك الحبيب المعمم رماني بسهم، ثم خاف أن أرميه بما رماني به، وليس يدري أن هواه يكسر قوسي وكفي وسهمي.
يعني: إن سيف الدولة بدأ لي بالاساءة، ثم تغير لي، لأنه حسب أني تغيرت له، فقبل في كلام الأعداء وساء ظنه! وليس يدري أن محبتي له تمنعني من الإساءة إليه، ومقابلته على فعله. وهذا عتاب لطيف.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهّم
يقول: إذا أساء إنسان إلى إنسان، أساء ظنه به وصدق توهمه عليه، لأنه يظن أنه حقد عليه ففسدت نيته.
وعادى محبّيه بقول عداتهوأصبح في ليلٍ من الشّكّ مظلم
يقول: إذا أساء الرجل إلى صديقه، ظن أنه قد تغير له، فيتنكر في مودته ويعاديه بقول أعدائه.
أصادق نفس المرء من قبل جسمهوأعرفها في فعله والتّكلّم
يقول: أصدق الأرواح قبل الأشباح، وأعرف أحوال الأرواح في فعل المرء وكلامه: الذي هو صاحب النفس.
وأحلم عن خلّي وأعلم أنّهمتى أجزه حلماً عن الجهل يندم
يقول: إذا جهل علي خليلي حلمت، وعلمت أني إذا قابلته بالحلم، ندم على ما بدر منه وعاد إلى الوصل.
وإن بذل الإنسان لي جود عابسٍجزيت بجود التّارك المتبسّم
يقول: إذا شاب الإنسان جوده بالعبوس، جدت له بترك نواله، وتركته وقابلت عبوسه بالتبسم.
وأهوى من الفتيان كلّ سميدعنجيبٍ كصدر السّمهريّ المقوّم
السميدع: السيد.
يقول: أحب كل سيد كريم، ماض في أموره نافذاً فيها مثل الرمح المقوم.
خطت تحته العيس الفلاة وخالطتبه الخيل كبّات الخميس العرمرم
خطت: أي قطعت من خطوت. والكبات: الصدمات والحملات. وروى لبات الخميس والهاء في تحته وفى به للسميدع.
يقول: أهوى كل سيد كريم، قطع الفلوات وشاهد الواقعات، وقارع الأبطال والزمان.
ولا عفّةٌ في سيفه وسنانهولكنّها في الكفّ والفرج والفم
يقول: أهوى من لا عفة له في سيفه وسنانه: أي لا يردهما عن عدوه في قتال، وهو مع ذلك عفيف اليد والفرج والفم.
وما كل هاوٍ للجميل بفاعلٍولا كلّ فعّالٍ له بمتمّم
يقول: ليس كل من يحب الفعل الجميل يفعله، ولا كل من يفعله يتممه ويربيه. كأنه يعرض بسيف الدولة: أنه لم يتمم إحسانه.
فدىً لأبي المسك الكرام فإنّهاسوابق خيلٍ يهتدين بأدهم
شبه الكرام بالخيل السوابق، وجعل كافورا فرساً أدهم يتقدمها لسواد لونه. وفداه بجميع الكرام المقتدين به.
أغرّ بمجدٍ قد شخصن وراءهإلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهّم
شخصن: أي رفعن أبصارهن.
يقول: هذا الأدهم أغر بالمجد، لا بالبياض، فالمجد يشرق في وجهه إشراق الغرة، والسوابق وراءه ينظرون سعة خلقه وكمال خلقه، شاخصة أبصارهن إليه.
إذا منعت منك السّياسة نفسهافقف وقفةً قدّامه تتعلّم
يقول: إذا صعب عليك أيها الإنسان أمر السياسة، فقف بين يديه وانظر إلى سياسته، تتعلم منه حسن السياسة
يضيق على من راءه العذر أن يرىضعيف المساعي أو قليل التّكرّم
راء: مقلوب رأى.
يقول: من رأى كافوراً وصحبه، فلا عذر له في ضعف مساعيه وقلة تكرمه، لأنه يتعلم منه المساعي وكرم الأخلاق.
ومن مثل كافورٍ إذا الخيل أحجمتوكان قليلاً من يقول لها اقدمي
اقدمي: من قدم يقدم إذا تقدم.
يقول: من يكون مثله في حال شدة الحرب؟ حين تأخرت الخيل عن الإقدام، ولم يكن هناك من تقدم إلا القليل من الفرسان أي ليس لهمته في هذا الوقت نظير.
شديد ثبات الطّرف والنّقع واصلٌإلى لهوات الفارس المتلثّم
يقول: لا يصرف بصره في المعركة مع تراكم الغبار ودخوله في لهوات الفارس المتلثم.
أبا المسك أرجو منك نصراً على العداوآمل غرّاً يخضب البيض بالدّم
يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، حتى أتمكن منهم، وأخضب من دمائهم سيوفي.
ويوماً يغيظ الحاسدين وحالةًأقيم الشّقا فيها مقام التّنعم
يقول: أرجو يوماً تنعم علي فيه، فيغيظ ذلك اليوم حسادي، وأرجو منك أن تبلغني يوما أقتل فيه أعدائي وأغيظ فيه حسادي، وأرجو حالة أقيم الشقاء فيها مقام التنعم: يعني يكثر فيها تعب الحرب، ومشقة القتال، ويكون ذلك الشقاء عندي بمنزلة التنعم أسر به كما أسر بالنعم.
ولم أرج إلاّ أهل ذاك ومن يردمواطر من غير السّحائب يظلم
يقول: إنما رجوتك لهذا الأمر؛ لأنك أهل له قادر أن تبلغني ما أريده ولو طلبت ذلك من غيرك لكنت قد ظلمته وكلفته ما لا يقدر عليه، ووضعت الشيء في غير موضعه، وأكون كمن طلب المطر من غير السحاب.
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوهابقلب المشوق المستهام المتيّم
يقول: قصدت مصر لألقاك، ولو لم تكن فيها لما سرت إليها بقلب المشتاق: الذي عنده الشوق.
ولا نبحت خيلي كلاب قبائلكأنّ بها في اللّيل حملات ديلم
الديلم: الأعداء، والديلم: هذا الجيل من العجم.
وعن ابن جني قال: سئل أبو الطيب فقال: أتريد الديلم الأعداء، أو هذا الجيل من العجم؟ فقال: بل كل.
يقول: لو لم تكن في مصر، لما صرت على قبائل الأعراب، حتى حملت كلابها علي، كما تحمل الديلم في حروبها مع الصياح.
ولا اتّبعت آثارنا عين قائفٍفلم تر إلاّ حافراً فوق منسم
القائف: الذي يتبع الأثر والمنسم: طرف خف البعير.
والمعنى: أنه ركب الأبل وجنب الخيل، وكانت حوافرها تقع على آثار أخفاف الإبل، فمن تبع أثره رأى أثر حوافر الخيل على أثر أخفاق الإبل.
وسمنا بها البيداء حتّى تغمّرتمن النّيل واستذرت بظلّ المقطّم
تغمرت: أي شربت شربا قليلا. واستذرت: أي استترت. والمقطم: جبل على جانب النيل.
يقول: سرنا بالخيل والإبل في البيداء، فصارت آثارها فيها كالسمة، حتى وصلنا إلى مصر، فشربت من النيل واستترت بظل المقطم.
وأبلج يعصي باختصاصي مشيرهعصيت بقصديه مشيري ولوّمي
الأبلج: هو الجميل، وقيل: المنقطع ما بين الحاجبين.
يقول: قصدته وعصيت من لامني فيه، وأشار علي بترك لقائه، كما عصى هو من لامه في اختصاصي.
وأراد به وزير كافور ابن خنزابة لأن المتنبي لم يمدحه. وأراد بالأبلج: كافورا.
فساق إليّ العرف غير مكدّرٍوسقت إليه الشّكر غير مجمجم
جمجم الرجل بكلامه إذا لم يفصح به ولم يبينه.
يقول: لما قصدته أنعم علي نعماً غير مكدرة بمن ولا أذى، ومدحته مدحاً لا عيب فيه، ولا إشارة فيه إلى ذم.
قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بناحديثاً وقد حكّمت رأيك فاحكم
أي: قد اخترتك من الأملاك، فحذف من وأوصل الفعل إلى ما بعده فنصبه.
يقول: قد اخترتك من بين الملوك، فاختر أنت حديثاً يتحدثون به عني وعنك، وقد جعلتك حاكماً، فافعل بي فعلاً إذا سمعوه كان مختاراً عندهم.
فأحسن وجهٍ في الورى وجه محسنٍوأيمن كفٍّ فيهم كفّ منعمٍ
يقول: وجه المحسن أحسن الوجوه، وكفه أكثر بركةً من سائر الأكف. ومثله لآخر:
ولم أر كالمعروف: أمّا مذاقهفحلوٌ وأمّا وجهه فجميل
وأشرفهم من كان أشرف همّةًوأكثر إقداماً على كلّ معظم
يقول: أشرف الناس من كانت همته أشرف، وإقدامه على كل أمر عظيم أكثر.
لمن تطلب الدّنيا إذا لم ترد بهاسرور محبٍّ أو مساءة مجرم
كأنه يخاطب نفسه أو صاحبه فيقول: إن المال إنما يراد به أن تسر الودود، وترغم أنف الحسود، فإذا لم ترد هذين فلماذا تطلب المال؟! وأي معنى في طلب الجاه وحسن الحال؟!
وقد وصل المهر الّذي فوق فخذهمن اسمك ما في كلّ عنقٍ ومعصم
يقول: قد وصل إلي المهر الموسوم باسمك، الذي هو سمة في عنق كل حي ويده، فرساً كان أو غيره.
لك الحيوان الرّاكب الخيل كلّهوإن كان بالنّيران غير موسّم
يقول: أنت تملك الخيل وراكبيها، وكل حيوان موسوم باسمك فالخيل موسومة بالنيران، والناس موسومون بالنعم والإحسان.
ولو كنت أدري كم حياتي قسمتهاوصيّرت ثلثيها انتظارك فاعلم
يقول: إنما أتقاضاك بالوعد؛ لأني لا أدري كم أعيش فأخاف حلول الموت قبل الوصول إلى الموعود، ولو كنت أعلم مقدار حياتي لأمضيت ثلثيها انتظاراً لوعدك واستطابة به، فلا أتهم وعدك وإنما أتهم الأجل.
ولكنّ ما يمضي من الدّهر فائتٌفجد لي بحظّ البادر المتغنّم
يقول: ما فات من العمر لا أستدركه، فجد لي بحظ من يسبق الإحسان ويغتنمه.
رضيت بما ترضى به لي محبّةًوقدت إليك النّفس قود المسلّم
يقول: كل شيء ترضى به لي فإني راض به، ومؤثر هواك في كل شيء، وقدت نفسي إليك قود من سلمها لك.
ومثلك من كان الوسيط فؤادهفكلّمه عنّي ولم أتكلّم
الوسيط: الواسطة بين الرجلين.
يقول: من كان مثلك في الكرم فقلبه يكون واسطة بيني وبينه، وينوب منابي في التشفع إليه والتقاضي له، فيتكلم عني في حاجتي ولا يحتاج أن أتكلم بها.
وخرج من عنده فقال يهجوه:
أنوك من عبدٍ ومن عرسهمن حكّم العبد على نفسه
من مرفوعة بالابتداء وأنوك خبره وتقديره: من حكم العبد على نفسه أنوك من عبد. والهاء في عرسه قيل: تعود إلى من أي: الذي يرضى بحكم العبد، فهو أشد حمقاً من العبد، وأشد حمقاً من امرأة نفسه. وقيل: الهاء تعود إلى العبد أي يكون أحمق من العبد، ومن امرأة العبد.
وإنّما يظهر تحكيمهليحكم الإفساد في حسّه
الحس: العقل.
يقول: الذي يجعله حاكماً، ويعتقد تحكيمه في الباطن، ويظهر رضاه أيضاً. أي: يرى أنه راض بتحكيمه في الظاهر، كما هو راض به في الباطن، فقد حقق الناس فساد عقله. والهاء في حسه تعود إلى من وفي تحكيمه إلى العبد وأراد به: ابن الإخشيد الذي كان في حجر كافور. ورضى بحكمه.
وروى نظهر ونحكم بالنون.
والمعنى: إنما نظهر للناس تحكيم كافور في أنفسنا؛ لتفسد حسه، لا أنا حكمناه في الحقيقة على أنفسنا، بل أظهرنا ذلك له ليزداد في حسه فساداً؛ إذ من شأن الأحمق أنه مهما حكم ازداد حمقاً. والهاء في حسه تعود إلى العبد.
ما من يرى أنّك في وعدهكمن يرى أنّك في حبسه
يقول: ليس من يظن أنك في حبسه، كمن يظن أنك منتظر وعده. يعني: أنا في حبسه وهو يظن أني مقيم على انتظار وعده. والكاف: خطاب لنفسه. والهاء في وعده وحبسه تعود إلى من الأولى.
العبد لا تفضل أخلاقهعن فرجه المنتن أو ضرسه
يقول: إن العبد ليس له همة إلا في الأكل والجماع، ولا يتجاوز همه إلى مكرمة، فكيف أرجوه؟!
لا ينجز الميعاد في يومهولا يعي ما قال في أمسه
الهاء في يومه قيل: للميعاد أي في يوم الميعاد وقيل: للعهد.
يقول: إذا وعد وعداً لم ينجزه، وإذا صار إلى يوم آخر، نسى وعده بالأمس؛ لجهله، فمن هذا حاله فكيف يرجى نواله!؟
وإنّما تحتال في جذبهكأنّك الملاّح في قلسه
القلس: حبل السفينة.
يقول: إذا وعد شيئاً تحتاج إلى الاحتيال في جذبه إلى ذلك الموعود، فإن أغفلت جره تأخر، كما أن الملاح يحتاج إلى جر السفينة في النهر مصعداً لها، فإن ألقى الحبل من يده، انجرت مع الماء.
فلا ترجّ الخير عند امرئٍمرّت يد النّخّاس في رأسه
في رأسه: أي على رأسه.
يقول: لا ترج خيراً عند من كان عبداً، فمرت على رأسه يد النخاس بالصفع، فإنه لا خير عنده.
وإن عراك الشّكّ في نفسهبحاله فانظر إلى جنسه
يقول: إن عرض لك شك في أمره بحسن حاله، فلا تغتر بتلك، وانظر إلى جنسه من العبيد فإن خلقه كأخلاقهم، والشيء إذا التبس حاله بغيره، يرد إلى جنسه.
فقلّما يلؤم في ثوبهإلاّ الّذي يلؤم في غرسه
الغرس: جلدة رقيقة تخرج على رأس المولود.
يقول: قلما يلؤم في ثوبه إلا الذي يولد وهو لئيم، فكل شيء ينزع إلى أصله.
من وجد المذهب عن قدرهلم يجد المذهب عن قنسه
القنس: الأصل.
يقول: من وجد طريقاً إلى أن يتجاوز قدر نفسه ويباين أشكاله، فإنه لا يجد طريقاً يتجاوز أصله وينحرف به عن لؤم نفسه.
واتصل قوم من الغلمان بالصبي مولى الأسود، فأنكر ذلك عليهم وطالبه بتسليمهم إليه، فجرت بينهما وحشة أياماً، ثم سلمهم إليه فقتلهم واصطلحا، فطولب أبو الطيب بأن يذكر الصلح فقال في ذلك:
حسم الصّلح ما اشتهته الأعاديوأذاعته ألسن الحسّاد
وأذاعته: أي وما أذاعته.
يقول: قطع الصلح ما كانت تشتهيه الأعادي من الخلاف بينكما، وما أفشاه الحساد من الوحشة الواقعة بينكما.
وأرادته أنفسٌ حال تدبيرك ما بينها وبين المراد
أي: وما أرادته. والهاء راجعة إلى ما في قوله: ما اشتهته.
يقول: أراد قوم أن يوقعوا بينكما الخلاف، فحال تدبيرك بينهم وبين مرادهم.
صار ما أوضع المخبّون فيهمن عتابٍ، زيادةً في الوداد
أوضع إيضاعاً: إذا أسرع المشي. والمخبون: الذين يحملون دوابهم على الخب، وهو السير السريع، وأراد ها هنا السعي بالنميمة.
يقول: صار فعل من يسعى بينكما بالنميمة والفساد، زيادة في إصلاح الوداد، فرجع الوشاة بالخيبة.
وكلام الوشاة ليس على الأحباب سلطانه على الأضداد
سلطانه: يروى بالرفع فيكون مبتدأ، وعلى الأضداد خبره، واسم ليس: ضمير الكلام، وعلى الأحباب خبره.
يقول: إن كلام الوشاة إنما يوقع الفساد إذا كان بين الأضداد، فأما بين الأحباب المتصافين فلا يوقع الفساد.
وروى: سلطانه بالنصب يعني ليس يتسلط على الأحباب، سلطانه على الأضداد.
إنّما تنجح المقالة في المرء إذا وافقت هوىً في الفؤاد
يقول: إن مقالة الوشاة، إنما تعمل في المرء إذا وافقت منه مراداً لها، وأصغى إليها. وهذا تأكيد للمعنى الأول.
ولعمري لقد هزرت بما قيل فألفيت أوثق الأطواد
الأطواد: الجبال.
يقول: إن الوشاة بالغوا في السعاية بينكما، وحركوك بالوشاية فلم تسمع قولهم، فصادفوك في الحلم والوقار مثل الجبل.
وأشارت بما أبيت رجالٌكنت أهدى منها إلى الإرشاد
يقول: أشار قوم عليك بالخصومة، فأبيت ما أشاروا به، فكنت أرشد منهم وأهدى إلى الصواب فيما فعلت من الصلح.
قد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ويشوى الصّواب بعد اجتهاد
يشوى: أي يخطئ. يقال: رماه فأشواه: إذا أخطأ المقتل وأصاب الشوى، وهي الأطراف.
يقو: قد يصيب الإنسان الصواب وإن لم يجتهد، وقد يخطئ الصواب بعد الاجتهاد.
يعني: أنك أصبت الرأي في الصلح، وأخطأ من اجتهد في السعاية.
نلت ما لا ينال بالبيض والسّمر وصنت الأرواح في الأجساد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع