تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الكافوريات وهي المصريات (٤)

يقول: إن الله تعالى قد حكم بأنك الأول في الفضل والسابق إليه، ولم يحكم بأن يكون لك نظير في الفضل.

فمالك تختار القسيّ وإنّماعن السّعد يرمي دونك الثّقلان؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لم تختار القسي وتستعدها، فأنت لا تحتاج إليها؛ لأن سعادة جدك ترمي الجن والإنس.

ومالك تعني بالأسنّة والقناوجدّك طعّانٌ بغير سنان؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

تعني من العناية.

يقول: أي حاجة لك إلى الإعناء بالأسنة والقنا، وإقبال دولتك يطعن عنك أعداءك بغير سنان.

ولم تحمل السّيف الطّويل نجادهوأنت غنيٌّ عنه بالحدثان؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: لم تحمل السيف وحوادث الدهر قد أغنتك عنه؟ وقيل: أراد بالحدثان؛ قضاء الله تعالى وقدره.

أرد لي جميلاً: جدت أو لم تجد بهفإنّك ما أحببت فيّ أتاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: أرد لي الجميل، فعلته أو لم تفعله، فإن الأيام تبلغني إليه؛ لأنها لا تفعل إلا ما تريده.

لو الفلك الدّوّار أبغضت سعيهلعّوقه شيءٌ عن الدّوران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: لو كرهت دوران الفلك، لعرض له ما يمنعه من الدوران، وحبسه على وفق إرادتك.

وروى هذا البيت برفع الفلك والدوار: صفة له، فيكون مرفوعاً بفعل مضمر، وهذا الظاهر تفسير له. كأنه قال: لو خالفك الفلك لعوقه. وصار أبغضت تفسيراً له. ولا يجوز رفعه بالابتداء؛ لأن لولا يقع بعدها إلا الفعل.

ولو نصب الفلك لكان أظهر في الإعراب؛ لأنك كنت تضمر فعلاً، ويكون أبغضت تفسيراً له وتقديره: لو أبغضت سعي الفلك أبغضت سعيه فأضمرت الأول لدلالة الثاني عليه.

ونالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل النهار بعرق، فقال يصف الحمى ويذم الأسود، ويعرض بالرحيل، فشغف الناس بها بمصر، وأنشدوها الأسود فساءته.

وذلك في يوم الاثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.

ملومكما يجلّ عن الملامووقع فعاله فوق الكلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الملوم: الرجل الذي يلام.

يقول لصاحبيه: الرجل الذي تلومانه يعني نفسه يجل عن لومكما فلا تؤذياه بملامكما. وكذلك وقع فعل هذا الرجل الملوم فوق الكلام الذي توجهانه إليه على سبيل الملام. يعني: أن فعله أجل أيضاً من أن يلام عليه.

وقيل: اراد فعل هذا الرجل أجل من أن يلحقه الوصف بالكلام، ويبلغه البيان بالعبارة والمقال.

وقيل: الهاء في فعاله تعود إلى الملام أي وقع فعل الملام وتأثيره فوق تأثير الكلام.

يعني: أن الملام يفعل في فعل السهام لا فعل الكلام. وعلى الأول الهاء تعود إلى الملام.

ذراني والفلاة بلا دليلٍووجهي والهجير بلا لثام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

نصب الفلاة والهجير لأنهما مفعول والهجير: شدة الحر، واللثام: ما يشد على الفم من طرف العمامة.

يقول لصاحبيه: ذراني مع الفلاة أقطعها بلا دليل، فإني دليل لنفسي، وذرا وجهي مع الهجير بلا لثام، فإن جلدة وجهي تنوب لي مناب اللثام.

فإني أستريح بذا وهذاوأتعب بالإناخة والمقام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بذا إشارة إلى الفلاة، وذكره على معنى المكان وروى: بذي أي بهذه، وهو إشارة إلى الفلاة لفظا. وهذا: إشارة إلى الهجير.

يقول: أنا أستريح بقطع الفلوات وملاقات الحر وأتعب بإناخة المطية والإقامة.

عيون رواحلي إن حرت عينيوكلّ بغام رازحةٍ بغامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

البغام: صوت الناقة عند التعب. والرازحة: المعيبة التي كلت. وقامت. وله معنيان:

أحدهما ما ذكره ابن جني عن أبي الطيب أنه قال: إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بغامي، يعني به طريقة الدعاء، فكأنه قال: أنا بهيمة مثلهن إن تحيرت. كما إذا قال القائل: إن فعلت كذا فأنت حمار.

والثاني يقول: أنا أقتدي بعيون رواحلي إن حارت عيني، فعينها تقوم مقام عيني.

وقوله: كل بغام رازحة بغامي يعني: أني أهتدي بالبغام: الذي هو صوت الرازحة، وأستدل بصوتها على جادة الطريق، لأن الروازح لا تئن إلا على جواد الطريق، فيكون بغامهن بمنزلة بغامي الذي أهتدي به، ودليل على الطريق.

وقيل: معناه أن صوتها ينوب عن صوتي في شكوى التعب.

فقد أرد المياه بغير هادٍسوى عدّى لها برق الغمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

قيل: إن العرب إذا عدت للسحاب مئة برقة، لم تشك أنها ماطرة فتنتجعها. وقيل سبعين برقة.

يقول: أنا أعد البرق وأنتجع مواقع غيثه فيكون عدى البرق دليلاً على الماء، فلا أحتاج أي دليل آخر من الناس يدلني إليه.

يذمّ لمهجتي ربّي وسيفيإذا احتاج الوحيد إلى الذّمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يذم أي يجعلني في ذمته، والذمة هنا: الغرر.

يقول: إذا سرت فإنما أسير في ذمة الله تعالى. وذمة سيفي، ولا أحتاج إلى خفير يجيرني إذا احتاج إليه غيري.

وحكى أنه لما رجع من عند عضد الدولة وبلغ الأهواز أحضر خفير العرب وقاطعهم على الخفارة فوقع النزاع بينه وبينهم في نصف دينار، سألوه زيادة على ما بذل لهم فلم يجبهم إليه، وضرب فرسه وهو ينشد هذا البيت.

يذمّ لمهجتي ربّي وسيفيالبيت

فقتل عند دير العاقول:

ولا أمسى لأهل البخل ضيفاًوليس قرىً سوى مخّ النّعام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: لا أمسى ضيف البخيل، ولو لم أجد شيئاً البتة. وجعل مخ النعام كناية عن ذلك؛ إذ النعام لا مخ لها.

ولمّا صار ودّ النّاس خبّاًجزيت على ابتسامٍ بابتسام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخب: الخديعة.

يقول: لما نافقني الناس بالوداد، عاشرتهم كما عاشروني، وجازيتهم ابتساماً على ابتسامهم.

وصرت أشكّ فيمن أصطفيهلعلمي أنّه بعض الأنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: لما رأيت الناس مطبوعين على الغدر! صرت أشك فيمن أصطفيه وأثق به من أهل أو ولد، لمعرفني أنه بعض الناس، والغدر قد عمهم.

وقيل: أراد بمن أصطفيه نفسه، وهذا بعيد لأن الإنسان لا يشك في نفسه.

يحبّ العاقلون على التّصافيوحبّ الجاهلين على الوسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الوسام، والوسامة، والميسم: حسن الوجه.

يقول: العاقل يحب من يصطفيه في الوداد. والجاهل يحب من حسن وجهه.

وآنف من أخي لأبي وأمّيإذا ما لم أجده من الكرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إن أخي من الأم والأب إذا لم يكن كريماً لجانبته وأنفت أن يكون لي أخاً مع لؤمه.

يعني: لا أصحب إلا كرام الناس وخيارهم.

أرى الأجداد تغلبها كثيراًعلى الأولاد، أخلاق اللّئام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

كثيراً: نصب على الظرف، أي كثيرا من الأزمنة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف.

يقول: إذا كان الولد لئيماً حال لؤم الولد بين الولد والجد، فينسب إلى اللؤم، ويعرف به دون الجد، فيكون كأنه ولد من اللؤم لا من الأب.

ولست بقانعٍ من كلّ فضلٍبأن أعزى إلى جدٍّ همام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: لا أرضى من الفضل والشرف بمجرد كرم النسب، حتى أكسب لنفسي مفاخر أتشرف بذكرها.

عجبت لمن له قدٌّ وحدٌّوينبو نبوة القضم الكهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

القد: القامة. والحد يجوز أن يريد به أن يكون قد بلغ حد الرجال، وأن يريد به الحدة في الأمر. والقضم: المتكسر. والكهام: الكليل.

يقول: عجبت ممن له صورة الرجل الكامل، وآلة تبلغه إلى معالي الأمور فلم يبلغ إليها، وينبو كالسيف الكليل.

ومن يجد الطّريق إلى المعاليفلا يذر المطيّ بلا سنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

من في موضع جر عطفاً على قوله: عجبت لمن له قد وقيل: استفهام.

يقول: عجبت ممن يجد الطريق إلى المعالي فلا يسير إليها حتى يهزل المطي بسيره ويذيب أسنمتها تحته، فتبقى بغير سنام،

ولم أر في عيوب النّاس عيباًكنقص القادرين على التّمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ليس في الإنسان عيب أقبح من أن يكون ناقصاً مع قدرته على الكمال.

وقيل: معناه ليس عيب أقبح من الكسل.

أقمت بأرض مصر فلا ورائيتخبّ بي الرّكاب ولا أمامي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: بقيت بمصر متبرماً بها فلا أسير عنها متقدماً ولا متأخراً.

وملّني الفراش وكان جنبييملّ لقاءه في كلّ عام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: طال نومي على الفراش حتى مل الفراش مني، وكان جنبي إذا لقي الفراش في عام مرةً واحدة مل منه.

قليلٌ عائدي، سقمٌ فؤاديكثيرٌ حاسدي، صعبٌ مرامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

رفع هذا كله ليخبر أنه على هذه الأوصاف في الحال دون ما مضى، إذ لو أراد الماضي لنصب على الحال من يمل لقاءه.

عليل الجسم ممتنع القيامشديد السّكر من غير المدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

المدام: الخمر. والسكر من غير مدام عبارة عن الشدة وعظم المحنة. وهذا من قوله تعالى: " وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمَ بِسُكَارَى ".

وزائرتي كأنّ بها حياءًفليس تزور إلاّ في الظّلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

عنى بالزائرة: الحمى، كأنها تستحي من أن تزور بالنهار، فتأتيني في الظلام؛ لفرط حيائها.

بذلت لها المطارف والحشايافعافتها، وباتت في عظامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

المطارف: أردية من الخز، معلمة الأطراف، الواحد مطرف، بضم الميم. والحشايا: جمع حشية.

يقول: فرشت لهذه الزائرة الفرش الحسنة فكرهت أن تبيت عليها، ولم تقنع بها، فوصلت إلى عظامي وباتت فيها.

يضيق الجلد عن نفسي وعنهافتوسعه بأنواع السّقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

عنها: أي عن الزائرة.

يقول: جلدي يضيق عن احتمال نفسي واحتمال الحمى، فوسعت الحمى جلدي؛ بأن أذابته وأكلت لحمي ليتسع لها!

إذا ما فارقتني غسّلتنيكأنّا عاكفان على حرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يعني: أنه كان يعرق عرقاً شديداً إذا أقلعت عنه الحمى.

يقول: إن هذه الزائرة إذا فارقتني غسلتني بالعرق، فكأنا كنا مقيمين على حرام، فغسلت له.

وخص الحرام لأن الزائرة تكون أجنبية دون زوجته.

كأنّ الصّبح يطردها فتجريمدامعها بأربعةٍ سجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إذا جاء الصبح فارقتني هذه الزائرة، فكأن الصبح يطردها عني بعد ما ألفتني، فتدمع عينها جزعاً من ألم الفراق.

جعل عرقه دمعاً يسيل من أجفانها. وقوله: بأربعة سجام يعني: أن الدمع كان يجري من طرفي العين الذي يلي الأنف والأصداغ، وكذلك من العين الأخرى، فهذه أربعة مجار. وسجام: أي جارية.

أراقب وقتها من غير شوقٍمراقبة المشوق المستهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: أنا أنتظر وقت زيارتها، كما ينتظر العاشق وقت زيارة حبيبه، وليس ذلك من شوق مني إليها.

ويصدق وعدها والصّدق شرٌّإذا ألقاك في الكرب العظام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وروى: تصدق يعني: أن الزائرة تصدق وعدها. والأول أولى.

يقول: هي صادقة الوعد، وليتها تخلف وعدها فإن الصدق إذا كان يؤدي إلى المحن العظام فهو مذموم.

أبنت الدّهر عندي كلّ بنتٍفكيف وصلت أنت من الزّحام؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

بنت الدهر: هي الداهية.

يقول للحمي: يا بنت الدهر، كيف وصلت إلي مع ازدحام حوادث الدهر علي وتراكم الدواهي؟!

جرحت مجرّحاً لم يبق فيهمكانٌ للسّيوف ولا السّهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول للحمي: جرحت مني بدناً مجرحاً، قد عمته الجراحات، فليس فيه موضع صحيح تجرحه السيوف والسهام.

ألا يا ليت شعر يدي أتمسىتصرّف في عنانٍ أو زمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: ليت يدي عرفت، هل تتمكن من التصرف في عنان فرسي، أو زمام ناقتي بعدها؟ عند رحيلي من مصر ومفارقتي الأسود.

وهل أرمي هواي براقصاتٍمحلاّة المقاود باللّغام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

اللغام: الزبد الذي يخرج من فم البعير. والراقصات: الإبل السريعة.

يقول: ليتني علمت: هل أرتحل من مصر وأقصد إلى ما أهواه بإبل راقصات قد سال لعابها على مقاودها فصار عليها كالحلية.

فربّتما شفيت غليل صدريبسيرٍ أو قناةٍ أو حسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول ربما شفيت نفسي ووصلت إلى مرادي إما بسير إليه وإما بسيف أو رمح.

وضاقت خطّةٌ فخلصت منهاخلاص الخمر من نسج الفدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

نسج الفدام: خرقة من الإبريسم تشد على فم الإبريق لتصفي الشراب.

يقول: ربما ضاقت على حالة فتخلصت منها بألطف وجه، فزدت عند ذلك شرفاً، وزادت أخلاقي تهذيباً، وجوهري صفار ورونقاً، كما أن الخمر إذا خلصت من الفدام ازدادت صفاءً ورونقاً وقريب منه قول الآخر:

ما تعتريني من خطوب ملمّةٍإلاّ تشرّفني وتعظم شاني

وفي ذكر الفدام قول المطرز البغدادي:

وقبلةٌ هي الخمر إلاّ أنّها بفدام
وفارقت الحبيب بلا وداعٍوودّعت البلاد بلا سلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: ربما فارقت حبيبي من غير وداع، وربما خرجت من البلاد ولم أسلم على أهلها سلام الوداع. يعني: أنه هرب من أشياء كرهها وتخلص من أمور عافها مرات كثيرة، فكذلك مفارقته مصر لا يتعذر عليه.

يقول لي الطّبيب: أكلت شيئاًوداؤك في شرابك والطّعام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إذا رآني الطبيب متغير الحال قال: قد أكلت شيئاً ضرك، فاحتم فإن ذلك من الطعام والشراب.

وما في طبّه أنّى جوادٌأضرّ بجسمه طول الجمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الجمام: الراحة.

يقول: إن الطبيب لا يعلم أن مرضي من طول مقامي بمصر، وتركي لما هو عادتي من السفر، كما أن الفرس إذا تعود السير عليه، وتحمل الكد والنصب، ثم طال مقامه على الجمام، أضر به ذلك.

تعوّد أن يغبّر في السّراياويدخل من قتامٍ في قتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يغبر: أي يثير الغبار.

يقول: مثلي مثل فرس يدخل من غبار إلى غبار.

فأمسك لا يطال له فيرعىولا هو في العليق ولا اللّجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

العليق: ما يعلق على الفرس.

يقول: أنا مثل فرس جواد تعود القتال، ثم حبس في مكان فلا يرخي له الحبل حتى يرعى بنفسه، ولا يعلق عليه ما يأكله، ولا عليه لجام! فكذلك أنا عند كافور: لا يأذن لي في الرحيل، ولا يكفيني مؤنة المقام.

فإن أمرض فما مرض اصطباريوإن أحمم فما حمّ اعتزامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إن أمرض فصبري صحيح لم يمرض، وعزمي لم يتغير عما عهدته، فهذا المرض يزول، ويعود إلى الصحة جسمي.

وإن أسلم فما أبقى ولكنسلمت من الحمام إلى الحمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إن سلمت الآن من مرضي فلا خلود في الدنيا، ولكن آخر أمري الموت، فكأني نجوت من موت معجل إلى موت مؤجل.

تمتّع من سهادٍ أو رقادٍولا تأمل كرىً تحت الرّجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الرجام: القبور، واحدها رجم.

يقول: تمتع في هذه الدنيا من النوم واليقظة، ولا تطمع في النوم ولذته إذا صرت إلى القبر.

فإنّ لثالث الحالين معنىًسوى معنى انتباهك والمنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: إن الموت حالة ثالثة سوى النوم والانتباه، وليس فيه شيء من اللذة التي ترجى في اليقظة والمنام، ولكنه الفناء والفساد، ولا ترجى فيه اللذة بحال من الأحوال.

وكان كافور يتطلع إلى مدحه، ويقتضيه إياه، ولم يكن له بد من مداراته فقال فيه، وأنشدها إياه في شوال سنة تسع وأربعين وثلاث مئة.

وهي آخر ما أنشده ولم يلقه بعدها:

منىً كنّ لي أنّ البياض خضابفيخفي بتبييض القرون شباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

القرون: الذوائب. وقوله: أن البياض في موضع الرفع بدلا من منى.

يقول: كنت في حال شبابي أتمنى أن أخضب شبابي بالبياض، فيكون البياض خضابا للسواد، كما يخضب البياض بالسواد، فينظر إلي بعين الجلالة والوقار والحلم.

ليالي عند البيض فوداي فتنةٌوفخرٌ وذاك الفخر عندي عاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفودان: جانبا الرأس وليالي نصب بفعل مضمر، يعني كنت أتمنى ذلك ليالي كان فوداي فتنة للنساء البيض لسواد شعري، فكن يفتن به ويعددنه فخراً، وأنا أعده عيباً لأنه يدل على الجهل والنزق.

فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهيوأدعو بما أشكوه حين أجاب؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كنت أشتهي المشيب أيام الشباب، فكيف أذمه لما بلغت إليه؟! وكنت أدعو الله تعالى أن يهب لي المشيب، فلا يحسن بي الآن أن أشكوه حين أجابني إليه.

وقيل: قوله: أدعو بما أشكوه من قولك: دعوت بفلان إذا دعوته إليك.

والمعنى: كيف أدعو بشيء، إذا أجبت إليه شكوته؟! وهو المشيب، أي كنت أدعو المشيب إلى نفسي. فكيف أشكوه الآن.

جلا اللّون عن لونٍ هدى كلّ مسلكٍكما انجاب عن ضوء النّهار ضباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جلال: أي زال يقول: زال السواد عن لون هدى كل مسلك: يعني البياض لأنه حليف الهداية والمانع من الغواية. وشبه زوال السواد وطلوع البياض بانكشاف الضباب عن ضوء النهار والضباب: ما تراه على وجه الأرض في الربيع.

وفي الجسم نفسٌ لا تشيب بشيبهولو أنّ ما في الوجه منه حراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحراب: جمع حربة.

يقول: إن كان جسمي أثر فيه الشيب، فإن نفسي التي في جسمي لم تضعف بضعفه ولو أن بدل كل شعرة بيضاء حربة في الوجه مغروزة.

لها ظفرٌ إن كلّ ظفرٌ أعدّهونابٌ إذا لم يبق في الفمّ ناب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لنفسي ظفر أجعله عدةً لي، إن كل ظفر الجسم: أي إن ذهبت قوته. فقوة النفس باقية، وكذلك إن لم يبق ناب في الجسم فللنفس ناب.

يغيّر منّي الدّهر ما شاء غيرهاوأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكعاب: الجارية التي كعب ثديها.

يقول: إن الدهر يغير من جسمي كل شيء، ولا يقدر أن يغير نفسي، فإنها أبداً تبقى في قوتها، وإن بلغت أقصى العمر.

وإنّي لنجمٌ يهتدي صحبتي بهإذا حال من دون النّجوم سحاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصحبة: الأصحاب.

يقول: إن صحبتي يهتدون برأيي ودلالتي، فإذا نالهم خطب رجعوا إلى رأيي، وإذا حال سحاب دون النجوم اهتدوا بدلالتي، لمعرفتي بالفلوات، وهدايتي في المفاوز، فكأنه نظر إلى قول النبي ﷺ أصحابي كالنجوم.

غنيٌّ عن الأوطان؛ لا يستفزّنيإلى بلدٍ سافرت عنه إياب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يستفزني: أي يستخفني وقد روى أيضا.

يقول: أنا مستغن عن الأوطان، فإذا سافرت عن بلد لا يستخفني الرجوع إليه.

وعن ذملان العيس إن سامحت بهوإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الذملان: ضرب من السير. وعنى بالعقاب: نفسه، فالهاء في به للذملان.

يقول: إني غني عن سير الإبل، فإن سمحت به سرت عليها، وإلا فما أبالي، فإن الذي في أكوارهن عقاب: أي كما أن العقاب لا يحتاج إلى سير الإبل، كذلك أنا أسير على قدم كما يطير العقاب.

وأصدي فلا أبدي إلى الماءٍ حاجةًوللشّمس فوق اليعملات لعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أصدى: أي أعطش. واليعملات: النوق التي يعمل عليها في السير، والواحدة يعملة، ولا يوصف بها الذكر. ولعاب الشمس: ما يتدلى منها مثل الخيوط إذا اشتد الحر.

يقول: أعطش في شدة الحر وأصبر عليه، ولا أظهر من نفسي الحاجة إلى الماء وأهل البادية يمتدحون بذلك.

وللسّرّ منّي موضعٌ لا ينالهنديمٌ ولا يفضي إليه شراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لا يفضي إليه أي لا يصل إليه.

يقول: أنا أودع السر من قلبي موضعاً لا يطلع عليه نديمي، ولا يصل إليه الشراب، وذلك أن الرجل إذا سكر أذاع ما في قلبه من السر. فيقول: أنا لا أسكر من الخمر على وجه يزول عقلي، حتى لا أبوح بما في قلبي من السر صيانةً لعقلي ومروءتي.

وقيل: أراد أن الخمر لا تصل إلى السر، مع أن الخمر تجري من الإنسان مجرى الدم فتصل إلى كل موضع.

وللخود منّي ساعةٌ ثمّ بيننافلاةٌ إلى غير اللّقاء تجاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخود: المرأة الناعمة.

يقول: إن اجتماعي مع المحبوبة ساعةً واحدةً، ثم أفارقها وأقطع الفلوات إلى غير لقائها، ولا أبالي بها، وإنما همتي السعي في معالي الأمور.

وقيل: ذكر الفلاة مثلا. أي يكون بيننا فلوات ومفاوز. على معنى ما يقال: بيني وبين فلان مسافة بعيدة في امتناع الوصول إليه.

وما العشق إلاّ غرّةٌ وطماعةٌيعرّض قلبٌ نفسه فتصاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الغرة: الاغترار، والطماعة: الطمع.

يقول: إن العشق اغترار وطمع، وهما مذمومان، وقلب العاشق يعرض نفسه على الهلاك فتهلك.

وغير فؤادي للغواني رميّةٌوغير بناني للزّجاج ركاب
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «وللخود مني ساعة ثم بيننا»

يقول: كل قلب سوى قلبي فهو هدف للنساء يصبنه للعشق. وكل بنان سوى بناني ركاب للزجاج الذي فيه الخمر، فأما أنا فلا أشتغل باللذة واللهو، فلا أعرض قلبي للعشق ولا أشتغل بشرب الخمر.

وروى للرخاخ وهو الشطرنج. يعني لا أشتغل بالنساء واللعب بالشطرنج وسائر الملاهي، وما يذهب به العمر باطلاً.

تركنا لأطراف القنا كلّ شهوةٍفليس لنا إلاّ بهنّ لعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللعاب: الملاعبة.

يقول: تركنا كل شهوة، ولذة لعاب، إلا بالرماح والسيوف.

نصرّفه للطّعن فوق حواذرٍقد انقصفت فيهنّ منه كعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في نصرفه راجع إلى لفظ القنا وقوله: فوق حواذر أي خيل حواذر من الطعن، لأنها قد تعودته وانقصفت: أي انكسرت.

يقول: نصرف القنا فوق خيل قد تعودت الطعان فهي تحذر منه، فانكسرت في الخيل كعوب الرماح مرة بعد أخرى.

أعزّ مكانٍ في الدّنى سرج سابحٍوخير جليسٍ في الزّمان كتاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الدنى: جمع الدنيا، جعل كل مكان فيها دنيا، ثم جمعه.

يقول: أعز مكان في الدنيا سرج فرس سابح، لأن الشجاع إذا ركبه امتنع، وخير جليس في الزمان كتاب؛ لأنك لا تخشى غوائله ويؤدبك بآدابه، ويؤنسك عند الوحشة بحكمه.

وبحر أبو المسك الخضمّ الّذي لهعلى كلّ بحرٍ زخرةٌ وعباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخضم: الكثير العطاء، الزخرة: تراكم الماء، والعباب: مثله. وروى: بحر جراً على العطف على ما قبله. أي: وخير جليس في الزمان كتاب، وخير بحر أبو المسك. والتقدير: وخير البحور ثم أقام الواحد مقام الجمع. وروى: وبحر أبي المسك على الإضافة.

يقول: هو كثير العطاء، له فضل على كل سخي، كالبحر الذي يزيد على البحار. شبهه بالبحر، ثم فضله على سائر البحار.

تجاوز قدر المدح حتّى كأنّهبأحسن ما يثنى عليه يعاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد تجاوز غاية المدح وكل ما وصفته وأثنيت به عليه فهو دونه، وكأني إذا مدحته أعيبه وأنقصه عن قدره. وهو مأخوذ من قول البحتري:

جلّ عن مذهب المديح علاهـ فكأنّ المديح فيه هجاء
وغالبه الأعداء ثمّ عنوا لهكما غالبت بيض السّيوف رقاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن أعداءه طلبوا مغالبته فقهرهم وأذلهم فخضعوا له. وكانوا له مثل رقاب غالبت السيوف فقطعتها.

وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلةًإذا لم يصن إلاّ الحديد ثياب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التاء في تلقى خطاب لنفسه أو صاحبه. وأبا المسك مفعول تلقى وبذلةً نصب على التمييز.

والمعنى: أن أبا المسك في أكثر أوقاته تلقاه لابساً ثوب البذلة، في وقت لا يصون الأبطال الثياب، من الرماح والسيوف، وإنما يصونهم منها الحديد. فهو يباشر الحديد القتال في تلك الحال، لابساً ثوب البذلة حاسراً بلا درع ومغفر، وذلك لقوة قلبه وثقته بنفسه، وقلة مبالاته بعدوه. والحديد على هذا نصب مستثنى مقدم. ومفعول يصن محذوف كأنه قال: إذا لم يصن الأبطال والأبدان ثياب، ولكن الذي يصونها هو الحديد.

وقال ابن جني معناه: إذا لبست الأبطال الثياب فوق الحديد خشية واستظهاراً فهو في ذلك الوقت أشد ما يكون تبذلا بنفسه. والحديد: هو الدروع وهو منصوب لأنه مفعول يصن.

وأوسع ما تلقاه صدراً وخلفهرماءٌ وطعنٌ والأمام ضراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرماء مصدر راميته. والأمام نصب على الظرف، فكأنه قال: وأمامه، فجعل الألف واللام بدلاً من الإضافة.

يقول: أوسع ما يكون صدراً إذا كان في مضيق الحرب، وخلفه رمي وطعن من قبل الأعداء، وأمامه ضراب.

يعني: أنه يتقدم على أصحابه يضرب بالسيف وجوه الأعداء وأمامه ضرب وخلفه رمي، فيكون في تلك الحال ثابت النفس، لا يدخله روع وقلق.

وروى: وخلفه دماء والمعنى: أنه لا يضيق صدره عند مضيق الحرب، بل يقتل ويخلف دماءً سفكها، ويضرب أمامه بالسيوف.

وأنفذ ما تلقاه حكماً إذا قضىقضاءً ملوك الأرض منه غضاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا أراد أمراً يغضب منه جميع ملوك الأرض، فذلك الأمر أنفذ ما يكون من أوامره، لأنهم لا يمكنهم أن يردوا عليه أمره.

يقود إليه طاعة النّاس فضلهولو لم يقدها نائلٌ وعقاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو لم يطعه الناس رغبةً في نائله ورهبة من عقابه، لأطاعوه لفضله. وهذا مثل قوله:

رأيتك لو لم تقتض الطّعن في الوغى

أيا أسداً في جسمه روح ضيغموكم أسدٍ أرواحهنّ كلاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أنت الأسد، وروحك روح الأسد، وغيرك من الملوك جسمه جسم الأسد، وروحه روح كلب.

شبههم بالأسود من حيث الجثة وبالكلاب من حيث الهمة. وقوله: أرواحهن كلاب: أي أرواحهن أرواح كلاب فحذف المضاف.

ويا آخذاً من دهره حقّ نفسهومثلك يعطى حقه ويهاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هذا الملك حق لك، أخذته من دهرك قهراً، ولم يقتدر أن يمتنع من ذلك، ومن كان مثلك في البأس والقوة: يخاف منه ويعطى حقه.

لنا عند هذا الدّهر حقٌّ يلطّهوقد قلّ إعتابٌ وطال عتاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يلطه أي يمطله ويدفعه والإعتاب: الرجوع إلى أن تجيب من يعاتبك.

يقول: لنا عند الدهر حق يمطلنا به، قد طال عتابنا له وهو لا يرجع إلى ما أحبه.

وقيل: هذا تعريض بالممدوح، وأنه طال عتابه واستبطاؤه فيما كان يعده به من الولاية.

وقد تحدث الأيّام عندك شيمةًوتنعمر الأوقات وهي يباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الشيمة: العادة. واليباب: الخراب، وقيل: هو إتباع لخراب.

يقول: إن الأيام قد تترك عادتها عندك من قصد ذوي الفضل، لحصولهم في ذمتك وجوارك، وتعود أوقاتهم بك عامرة، بأن يدركوا مطلوبهم بعد أن كانت خراباً.

وقيل: معناه أن الأيام تغير كل إنسان وتبدل الأحوال، فلا آمن أن تصل إليك فتحدث في أخلاقك تغييرا، كما تفعل في نفسها ضد خلقها، من عمارة بعد خراب.

وقيل: أراد إن عادة الأيام عندنا دفع حقنا، وعندك إيصال حقك إليك، وأوقاتها عندنا خراب، وعندك عامرة.

ولا ملك إلاّ أنت والملك فضلةٌكأنّك نصلٌ فيه وهو قراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قوام الملك سياستك، فالملك إنما هو أنت وما سواك فضلة، كما أن العامل هو السيف والقراب فضله.

أرى لي بقربي منك عيناً قريرةًوإن كان قرباً بالبعاد يشاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن قربي منك مشوب بالحجاب والبعد، فتارةً أحجب عنك وأخرى ينحجب الحجاب وأقرب، فمتى قربت منك قرت عيني بالقرب الذي يتفق، فكأن الحجاب لم يكن.

وقيل: أراد بالبعاد، الوحشة التي كانت بينه وبين كافور.

وهل نافعي أن ترفع الحجب بينناودون الّذي أمّلت منك حجاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أي نفع في رفع الحجاب؟! إذا كان ما أؤمل منك حجاب. يعني: أنت لا تبذل لي ما أملته منك من العطاء والوداد.

أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكموأسكت كيما لا يكون جواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نصب حب لأنه مفعول له وعنكم في موضع عليكم ويكون ها هنا فعل تام لا يحتاج إلى خبر.

يقول: أقل سلامي عليكم، طلباً للتخفيف عليك، وأسكت عن إذكارك بحاجتي؛ لئلا أكلفك الجواب، ولئلا يكون له جواب أكرهه.

وفي النّفس حاجاتٌ وفيك فطانةٌسكوتي بيانٌ عندها وخطاب
للشاعر صالح مجدي، اقرأ القصيدة

الهاء في عندها يعود إلى لفظ الفطانة.

يقول: في نفسي حاجات ولك معرفة، فسكوتي عند معرفتك يغنيني عن بيانها وإظهارها بالخطاب. ومثله لأبي تمام:

وإذا الجود كان عوني على المرء تقاضيته بترك التّقاضي
وما أنا بالباغي على الحبّ رشوةًضعيفٌ هوىً يبغي عليه ثواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: من أحب إنساناً لمنفعته فحبه ضعيف، وأنا أحبك حباً خالصاً، لا أطلب عليه رشوة.

وما طلبت منك إلا طلب الإدلال لمن عذلني على قصدك. أني أصبت في مخالفتي قوله، فإذا رأى منزلتي عندك علم فساد قوله وصواب رأيي

وما شئت إلاّ أن أدلّ عواذليعلى أنّ رأيي في هواك صواب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لم أرد ما أطلبه إلا كي أدل عواذلي اللاتي عذلنني في قصدك. أني كنت مصيبا في هواك، وأنك تحسن إلي وتقضي حق زيارتي.

وأعلم قوماً خالفوني فشرّقواوغرّبت أنّي قد ظفرت وخابوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أردت أن أعلم من خالفني، وقصد ملكاً غيرك، أنه قد خاب وأني ظفرت. ومثله للبحتري:

وأشهد أنّي في اختيارك دونهممؤدّىً إلى حظّي ومتّبعٌ رشدي
جرى الخلف إلاّ فيك أنّك واحدٌوأنّك ليثٌ والملوك ذئاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد وقع الخلاف في كل شيء إلا فيك، فإنهم اتفقوا على أنك واحد ولا نظير لك، وأنك أسد والملوك ذئاب بالنسبة إليك. فأنت أوحدهم، كما أن الأسد أوحد السباع ومثله لأبي تمام:

لو أنّ إجماعنا في فضل سؤددهفي الدّين لم يختلف في الأمة اثنان
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما اليوم أول توديع ولا الثاني»
وأنّك إن قويست صحّف قارئذئاباً ولم يخطئ فقال: ذباب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو صحف إنسان قول: إنك ليث والملوك ذئاب فجعل مكانه ذباب لم يخطئ في تصحيفه؛ لأن الأمر كذلك على الحقيقة.

وإنّ مديح النّاس حقٌّ وباطلٌومدحك حقٌّ ليس فيه كذاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا معطوف على ما قبله: أي قد اتفقوا على أن مدح غيرك فيه حق وباطل، وأن مدحك حق لا كذب فيه.

إذا نلت منك الودّ فالمال هيّنٌوكلّ الّذي فوق التّراب تراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا حصل لي ودك فلا أبالي بعده بالمال؛ لأن المال لا قدر له، فهو تراب كأصله الذي تولد منه.

وما كنت لولا أنت إلاّ مهاجراًله كلّ يوم بلدةٌ وصحاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لولا أنت وحبي قربك ما كنت بمصر، بل كنت كل يوم في بلد ومعي أصحاب.

ولكنّك الدّنيا إليّ حبيبةٌفما عنك لي إلاّ إليك ذهاب
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «ألا يا مليكا يرتجى ويهاب»

يقول: إنما أقمت عندك لأنك دنياي، فلا منصرف لي عنك، إذ الدنيا حبيبة إلى كل أحد، فأنت محبوب إلي فليس لي ذهاب إلا إليك.

وحبيبة خبر ابتداء محذوف: أي هي حبيبة إلي.

هذا آخر ما أنشده أبو الطيب في الأسود.

فلما خرج من عنده قال يهجوه:

من أية الطّرق يأتي نحوك الكرمأين المحاجم يا كافور والجلم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

الجلم المقص، وأكثر ما يستعمل في الذي يجز به الصوف من الغنم.

يقول: من أي طريق يصل إليك الكرم؟! وأنت لئيم الأصل تصلح لآلات الحجامين: من المحاجم والمقص.

وقيل: أراد أنك تصلح أن تكون حجاما أو راعياً يجز الصوف بالجلم. وإنما نسبه إلى الحجامة؛ لأن الحجامين بمصر لا يكونون إلا سوداناً، وكذلك رعاة الغنم أكثرها العبيد السود.

جاز الألى ملكت كفّاك قدرهمفعرّفوا بك إنّ الكلب فوقهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

قدرهم منصوب بجاز.

يقول: الذين ملكتهم من أهل مصر كانوا قد بغوا وجاوزوا قدرهم، فأذلهم الله تعالى بك، وأعلمهم أن الكلب خير منهم عنده.

وكأن هذا تفسير لقوله: ولله سر في علاك.

لا شيء أقبح من فحلٍ له ذكرٌتقوده أمةٌ ليست لها رحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

جعله أمةً لأنه خصى، ثم حطه عن منزلة الأمة. فيقول: هو أمة بلا رحم! فالأمة مع تمام خلقها أحسن حالا منه. فالفحل إذا رضي بحكمه وانقاد لأمره فهو أذل من الكلب. وهذا تعريض بابن الإخشيد، وتضريب بينه وبين كافور

سادات كلّ أناسٍ من نفوسهموسادة المسلمين الأعبد القزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

القزم: رذال الناس والمال.

يقول: سيد كل أمة منهم ومن أعزهم، إلا المسلمين فإنهم يرضون بسيادة العبيد

أغاية الدّين أن تحفوا شواربكميا أمّةً ضحكت من جهلها الأمم؟؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

من عادة أهل مصر إحفاء الشوارب.

يقول: اقتصرتم من الدين على ذلك، وعطلتم سائر أحكامه! ورضيتم بولاية كافور عليكم مع خسته، حتى ضحكت الأمم منكم واستهزءوا بكم وبقلة عقلكم.

ألا فتىً يورد الهنديّ هامتهكيما تزول شكوك النّاس والتّهم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

يقول: سيادتك تشكك الناس في حكمة الله تعالى فمن الذي يتعصب للدين؟! فيضرب رأسه بالسيف ويزيل هذا الشك عن قلوب الشاكين.

فإنّه حجّةٌ يؤذي القلوب بهامن دينه الدّهر والتّعطيل والقدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

يقول: إن هؤلاء الكفار إذا رأوا ما ناله كافور مع خسته، جعلوا ذلك حجة لقولهم: إن العالم ليس له مدبر حكيم. وآذوا بها قلوب المسلمين، فمن الذي يقتله؟ حتى تزول هذه الأذية عن قلوب المسلمين.

ما أقدر الله أن يخزي خليقتهولا يصدّق قوماً في الّذي زعموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

يقول: إن الله تعالى قادر على أن يخزيه ويخزي المعطلين، بأن يبطل قولهم واحتجاجهم على نفي الصانع.

يعني: إن لم يقتله الناس. فإن الله تعالى يريح المسلمين، ويزيل الشبهة عن قلوب المؤمنين.

وقال أيضاً يهجوه:

أما في هذه الدّنيا كريمتزول به عن القلب الهموم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقول: ليس في هذه الدنيا كريم يؤنس إليه، ويزيل الهموم عن قلوب من يجالسه.

أما في هذه الدّنيا مكانٌيسرّ بأهله الجار المقيم؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

أي ليس فيها مكان، يسر المقيم في ذلك المكان بأهله.

تشابهت البهائم والعبدّيعلينا والموالي والصّميم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

العبدي: العبيد. والصميم الصريح الخالص النسب يقول: الناس كلهم جهال بمنزلة البهائم، فأحرارهم وعبيدهم ومواليهم سواء في اللؤم.

وما أدري أذا داءٌ حديثٌأصاب النّاس أم داءٌ قديم؟؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقول: لست أدري هل كان في قديم الزمان على ما نشاهده الآن في استواء الناس أم حدثت هذه الحالة الآن؟

حصلت بأرض مصر على عبيدٍكأنّ الحرّ بينهم يتيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
كأنّ الأسود اللاّبىّ فيهمغرابٌ حوله رخمٌ وبوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقال للأسود: لابي ولوبي ونوبي. منسوب إلى اللابة، وهي الحجارة السود شبهه بالغراب، لسواده، وشبه من حوله بالرخم والبوم، وكل هذه من شرار الطير.

أخذت بمدحه فرأيت لهواًمقالي للأحيمق يا حليم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

يقول: لم أجد من مداراته بد، فلما أخذت بمدحه استهزأت به. وقلت له مع حمقه: إنك حليم، ومع لؤمه، إنك كريم!

ولمّا أن هجرت رأيت عيّاًمقالي لابن آوى يا لئيم

يقول: لما رأيت هجوه، لم أجد لمقالي مجالاً، فرأيت هجوي له عياً، فكنت بمنزلة من يقول لابن آوى: يا لئيم وهو أخس من أن يقال له ذلك.

فهل من عاذرٍ في ذا وهذافمدفوعٌ إلى السّقم السّقيم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هل في الناس من يعذرني في مدحي وهجوي إياه، فإني مضطر إليهما، كما أن المريض مضطر إلى المرض غير مختار له.

إذا أتت الإساءة من وضيعٍولم ألم المسيء فمن ألوم؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول معتذراً لنفسه في هجوه: إن الإساءة إذا وصلت لي من جهة لئيم اضطررت إلى لومه، ولا معنى للوم غيره ولم يسئ إلي.

وقال أيضاً يهجوه ولم ينشدها أحداً:

لو كان ذا الآكل أزوادناضيفاً لأوسعناه إحسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لو كان ذا الآكل أزوادنا»

يقول: هذا الذي أكل أزوادنا من غير أن يمدنا بنعمته، لو كان ضيفاً لنا لم نعامله مثل ما عاملنا به، بل كنا نوسعه إحساناً، خلاف ما يفعله بنا. وأراد بأكل الأزواد: أن مقامه عنده يفني نفقاته.

لكنّنا في العين أضيافهيوسعنا زوراً وبهتاناً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لو كان ذا الآكل أزوادنا»

يقول: ولكنني في الظاهر ضيفه ونازل عليه، وقراي عنده هو أن يوسعني زوراً وبهتانا، ويعدني بالمواعيد الكاذبة.

فليته خلّى لنا طرقناأعانه الله وإيّانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ليته إذا لم يحسن إلي خلى سبيلي ولم يحبسني، فقد رضيت من صلته وبره بتخلية سبيلي. ومثله لامرئ القيس:

وقد طوّفت في الآفاق حتّىرضيت من الغنيمة بالإياب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

وكتب إليه أبو الطيب يستأذنه في المسير إلى الرملة لتنجز مال له بها، وإنما أراد أن يعرف ما عنده في مسيره ولا يكاشفه.

فأجابه: لا والله - أطال الله بقاك - لا نكلفك المسير لتنجز مالك، ولكنا ننفد رسولاً قاصداً يقبضه ويأتيك به في أسرع وقت، ولا نؤخر ذلك إن شاء الله تعالى، فلما قرأ الجواب قال:

أتحلف لا تكلّفني مسيراًإلى بلدٍ أحاول فيه مالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتحلف لا تكلفني مسيرا»
وأنت مكلفي أنبي مكاناًوأبعد شقّةً وأشدّ حالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتحلف لا تكلفني مسيرا»

أنى مكاناً: من نبا بك المنزل، إذا لم يمكن المقام فيه، ويدفعك لارتفاعه. وروى: أنأى مكاناً: أي أبعد مكانا.

يقول: أنت تحلف أنك لا تكلفني تجشم الارتحال لاقتضاء الحال، وأردت التخفيف علي، وليس الأمر كذلك، فإنك كلفتني ما هو أشد وأبعد منه، وأراد حبسه إياه على وجه العمر.

وقيل: أراد ما عزم عليه من الهرب والخروج من مصر، والتقدير: أنبى منه مكانا وأبعد منه شقة وأشد منه حالاً، فحذف منه تخفيفاً، والمحذوف يرجع إلى المسير.

إذا سرنا عن الفسطاط يوماًفلقّني الفوارس والرّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا سرت عن الفسطاط، وصار بيني وبينه مسيرة يوم، فأنفذ خلفي الخيل والرجال ويوماً نصب على الظرف، والعامل فيه سرنا أي قطعنا بالسير يوماً.

لتعلم قدر ما فارقت منّيوأنّك رمت من ضيمي محالاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي لقني الفوارس والرجال؛ لتعلم قدري في شجاعتي، ودفعي عن نفسي، وتعلم أنك طلبت أمراً محالا.

وقيل: إن اللام من لتعلم متعلقة بمحذوف أي رحلت من أعمالك لتعلم أنك لا تقدر على ضيمي.

وأقام أبو الطيب بعد أن أنشده قصيدته البائية سنةً لا يلقي الأسود، إلا أن يركب فيسير معه في الطريق لئلا يوحشه، وقد عمل على مراغمته والرحيل عنه، فأعد الإبل وخفف الرحل.

وقال يهجوه في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاث مئة، وذلك قبل مسيره من مصر بيوم واحد:

عيدٌ بأية حالٍ عدت يا عيدبما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كأنه قال: هذا عيد ثم خاطب العيد فقال: يا عيد بأية حال عدت؟! هل عدت بما مضى من حالك، أم فيك تجديد لأمر آخر؟ وتجديد مبتدأ، ولأمر خبره، وفيك صفة لأمر. وقيل: تجديد مبتدأ وفيك خبره ولأمر مفعول له.

أمّا الأحبّة فالبيداء دونهمفليت دونك بيداً دونها بيد
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

البيد: جمع البيداء والهاء في دونها للبيد قبلها.

يقول: بيني وبين أحبابي فلاة بعيدة فما أصنع بك مع البعد عنهم! لأن الإنسان إنما يسر بالعيد إذا كان معه أحبته، فأما مع بعدهم، فليت بيني وبينك فلوات دونها فلوات.

لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بهاوجناء حرفٌ ولا جرداء قيدود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لم تجب أي تقطع. والوجناء الناقة العظيمة الوجنات، وقيل: هي العظيمة الخلق، وقيل: الصلبة. والحرف القوية، وهي مشبهة بحرف الجبل، وهي الضامرة وقيل: التي انحرفت من الهزال إلى السمن، وقيل: السريعة الحادة، مشبهة بحرف السيف. والجرداء من صفة الخيل، وهي القصيرة الشعر، وقيل: هي السابقة. والقيدود: هي الطويلة. ووجناء فاعل لم تجب بي وما في موضع نصب والهاء في بها ضمير الوجناء قبل الذكر.

يقول: لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي فلوات ناقة وجناء ولا فرس جرداء.

ولو ساعده الوزن لقال: لولا العلا لم تجب بي الوجناء ما أجوب بها من الفلاة.

وكان أطيب من سيفي مضاجعةًأشباه رونقه الغيد الأماليد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الغيد: جمع أغيد وغيداء وهي الحسنة الجيد الناعمة. والأماليد: جمع الأملود، وهي اللينة الأعطاف الرخص الناعمة. والهاء في رونقه للسيف ومضاجعة نصب على التمييز.

يقول: لولا طلب العلا لكان أطيب من مضاجعتي سيفي مضاجعة النساء الحسان الغيد النواعم، اللواتي يشبهن رونق السيف في الصفاء والطلاوة.

ورونق السيف: ماؤه وجوهره.

لم يترك الدّهر من قلبي ولا كبديشيئاً يتيّمه عينٌ ولا جيد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يتيمه: يتعبده بالحب.

يقول: إن الدهر قد ملأ قلبي من المحن والشدائد، ولم يترك بي موضعاً يشغله العشق، إلى حسن عنق أو عين.

يا ساقييّ أخمرٌ في كئوسكماأم في كئوسكما همٌّ وتسهيد؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يا ساقيي إن ما في كئوسكما خمر، أو حزن، منع من النوم، فكلما شربت ازددت حزناً وسهراً بخلاف عادة سائر الخمور.

أصخرةٌ أنا؟ ما لي لا تغيّرنيهذي المدام ولا هذي الأغاريد!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كأني صخرة لا يؤثر في الشراب والغناء! ولا يحدثان في السرور.

والأغاريد: الأغاني، وأصلها تغريد الطائر، إذا رجع صوته.

إذا أردت كميت اللون صافيةًوجدتها، وحبيب النّفس مفقود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: إذا أردت الشراب واللهو، وجدت الخمر، ولكن الحبيب مفقود! وقيل: أراد بالحبيب: الشرف، أي إذا تشاغلت بالخمر فقدت العز والعلا.

ماذا لقيت منن الدّنيا؟ وأعجبهاأنّي بما أنا باكٍ منه محسود!

يقول: ما أعجب ما ألقاه من هذه الدنيا! وأعجب ما لقيت: أني أحسد على ما أبكي منه! يريد كونه عند الأسود وقربه منه.

أمسيت أروح مثرٍ خازناً ويداًأنا الغنيّ وأموالي المواعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: أمسيت ويدي في راحة، وكذلك أمسى خازني في راحة، لأنه لا شيء في يدي أحتاج إلى حفظه، ولا في يد خازني. وأنا الغني من المواعيد الكاذبة.

وأراد بالغني: غني النفس، وأراد: إني بغير مال كافور.

وخازنا ويداً نصبا على التمييز.

إنّي نزلت بكذّابين ضيفهمعن القرى وعن التّرحال محدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: إني نزلت على قوم كذابين، ضيفهم ممنوع من القرى الذي يعد للضيوف، وكذلك ممنوع عن الرحيل، فلا يضيفونه ولا يخلون سبيله.

جود الرّجال من الأيدي وجودهممن اللّسان فلا كانوا ولا الجود
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

يقول: عطاء الناس من الأيدي، وهو المال، وعطاؤهم من الألسنة، وهو الوعد، ثم دعا عليهم فقال: لا كانوا ولا كان جودهم.

ما يقبض الموت نفساً من نفوسهمإلاّ وفي يده من نتنها عود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: إن الموت لا يباشر أنفسهم بيده عند قبضها، استقذارا لها، بل ينزعها من الجسد بعودٍ في يده توقياً من نتنها.

من كلّ رخو وكاء البطن منفتقٍلا في الرّجال ولا النّسوان معدود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يصف هذه النفوس، وأن كل واحدة منها بهذه الصفة. وقوله: رخو وكاء البطن منفتق أي إنه رخو الشرج لا يحبس ما يخرج منه، وهكذا يكون الخصى. وإنما عنى به كافوراً وحده، وأخبر عنه بلفظ الجمع.

أكلّما اغتال عبد السّوء سيّدهأو خانه فله في مصر تمهيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: كافور اغتال سيده أي قتله غيلة وجلس مكانه، وهكذا كل عبد في مصر إذا خان مولاه أو قتله ارتفع شأنه عند الأسود.

صار الخصىّ إمام الآبقين بهافالحرّ مستعبدٌ والعبد معبود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الهاء في بها لمصر.

يقول: لما ملك كافور مصر هرب كل عبد من مولاه وانضم إليه، فالحر ذليل كأنه عبد، والعبد مخدوم بها معظم.

نامت نواطير مصرٍ عن ثعالبهافقد بشمن وما تفنى العناقيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

النواطير: جمع ناطور، وهو حافظ الزرع. ويجوز بالطاء والظاء.

يقول: غفل الملوك عن مصر وأهملوها فتمكن منها العبيد والأرذال، فجمعوا الأموال وأتخموا من كثرتها.

شبه مصر بالبستان. والملوك بالنواطير، والغواة بالثعالب.

العبد ليس لحرٍّ صالحٍ بأخٍلو أنّه في ثياب الحرّ مولود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الهاء في أنه تعود إلى حر وأراد به ابن الإخشيد، لأنه كان يسمى كافورا أخاه. فيقول: إن الحر لا يصلح أن يكون العبد أخاه، لو كان حراً ولد في ثياب الأحرار. يعني: لو كنت ولدت في ثياب حر لما اتخذته أخاك.

وقيل: تعود إلى العبد والمعنى: أن العبد لو ولد في ثياب الحر لما كان يصلح أن يكون أخاً للحر، لأنه ينزع إلى أصله.

لا تشتر العبد إلاّ والعصا معهإنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

المناكيد: جمع منكاد، ومنكود، وهو قليل الخير.

يقول: العبد نجس نكد لا يستقيم إلا بالضرب.

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍيسيء بي فيه كلبٌ وهو محمود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الها في فيه للزمن.

يقول: ما ظننت أني أبقى إلى زمن يسيء بي في ذلك الزمان كلب، وهو محمود على إساءته لي. وأحتاج إلى مدحه مع ذلك.

ولا توهّمت أنّ النّاس قد فقدواوأنّ مثل أبي البيضاء موجود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

لقبه بضد اسمه كما يقال للأعمى: البصير.

يقول: ما ظننت أن الناس يفقدون وكافور يبقى بعدهم مع خسة نفسه ودناءة أصله.

وأنّ ذا الأسود المثقوب مشفرهتطيعه ذي العضاريط الرّعاديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

العضاريط: الأتباع والخدم واحدها عضروط والرعاديد الجبناء واحدهم رعديد.

يقول: لم أتوهم أن هؤلاء السفلة الأرذال تطيع مثل هذا الأسود، حتى يجوز عليهم أمره، وأنه يحصل له مثل هذا الملك والتسلط عليهم.

جوعان يأكل من زادي ويمسكنيلكي يقال عظيم القدر مقصود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: قاسى في الجوع قلبه الذي قاساه في عبوديته؛ فلهذا لا تسمح نفسه بالعطاء، وهو مع ذلك يأكل من زادي: أي يطالبني بأن أمدحه بشعري.

وقيل: أراد يحبسني من غير عطاء فأحتاج إلى أن أنفق مالي، وإنما يمسكني عنده ليقال: إنه مقصود يمدحه مثلي من الشعراء.

إنّ امرأً أمةٌ حبلى تدبّرهلمستضامٌ سخين العين مفئود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المفئود الذي أصيب فؤاده، أي عقله، وجعله أمة حبلى لخصاه وعظم بطنه. يعرض بابن مولاه، ابن الإخشيد.

يقول: من جعل أمره إلى أمة حبلى حتى تدبره، فهو مقهور ذليل سخين العين مصاب الفؤاد، زائل العقل.

ويلمّها خطّةً ويلمّ قابلهالمثلها خلق المهريّة القود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

ويلمها تعجب، وأصلها: ويل لأمها، فلما كثر استعمال هذه الكلمة خففت وحذفت اللام والهمزة، وجعلت الكلمتان واحدة. وخطةً نصب على التمييز والها في ويلمها للخطة والمهرية إبل منسوبة إلى مهرة، قبيلة من اليمن. والقود: الطوال الأعناق.

يقول: ما أعجب هذه الخطة! وما أعجب من يرضى بها! وإنما خلقت المهرية لتركب أنفةً من هذه الحال.

وعندها لذّ طعم الموت شاربهإنّ المنيّة عند الذّلّ قنديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

القنديد: الخمر، وقيل: هي التي فيها الأفاوية، والهاء في عندها للخطة وهي الحالة والقضية، يقال: إن فلاناً يكلفني خطة من الخسف.

يقول: وعند هذه الخطة يستلذ الموت كما يستلذ الخمر المطيبة بالأفاوية. وهذا كقوله:

الموت أحلى عندنا من العسل

لا عار بالموت إذا الموت نزل

من علّم الأسود المخصىّ مكرمةًأقومه البيض أم آباؤه الصّيد؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: من أين تعلم هذا الخصى الأسود المكارم؟! أتعلمها من قومه البيض الألوان! أو البيض الكرام! أو من آبائه الملوك! يعني: ليس له في الكرم أصل فكيف يهتدى إلى فعل المكارم وإتيان الجميل؟! يلوم نفسه لطلبه الغني عنده مع لؤم أصله.

أم أذنه في يد النّخّاس داميةًأم قدره وهو بالفلسين مردود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

نصب دامية على الحال من أذنه.

يقول: أعلمته المكرمة إدماء النخاس أذنه عركاً، أم قدره وهو لا يساوي فلسين.

أولى اللّئام كويفيرٌ بمعذرةٍفي كلّ لؤمٍ وبعض العذر تفنيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

يقول: إن كافوراً أولى اللئام بأن يعذر في كل لؤم! وقوله: وبعض العذر تفنيد: أي عذري له تفنيد وتوبيخ ونهاية في اللوم، وهجو صريح؛ لأني إنما أعذره وأدع لومه لخسته.

وذاك أنّ الفحول البيض عاجزةٌعن الجميل فكيف الخصية السّود؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الخصية: جمع خصى.

يقول: أنا أعذره؛ لأن الذكور الأحرار تعجز عن الجميل، فكيف. لا يعجز السود الخصيان؟ هذا آخر ما قاله في كافور وإنما أخرنا مدح فاتك لئلا يختلط بغيره، وسنأتي بمدحه بعد هذه القصيدة إن شاء الله تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.