من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
للمولدين
ديك الجن:
وشافي النّصح يعدل بالأشافيومن جعل القوادم كالخوافي
وليس القدر إلا بالأثافي
إذا شجر المودّة لم تجدهبغيث البرّ أسرع في الجفاف
يرقد النّاس آمنين وريب الدّهر يرعاهم بمقلة لصّ
سبحان من جعل الآداب في عصبٍخطّاً وصيّرها غيظاً على عصب
ابن الروميّ:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبيومن أين والغايات بعد المذاهب
عيب الأناة وإن كانت مباركةًأن لا خلود وأن ليس الفتى حجرا
أنت عيني وليس من حقّ عينيغضّ أجفانها على الأقذاء
وكم داخلٍ بين الحميمين مصلحكما انغلّ بين الجفن والعين مرود
في هدنة الدّهر كافٍ من وقائعهوالعمر أقدح مبراةً من الوصب
هو بازٍ صائدٌ أرسلتهفارجعوه سالماً إن لم يصد
وما الحمد إلاّ توأم الشكر في الفتىوبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارعٌمن البذر فيها فهي ناهيك من أرض
واعلم بأنّ النّاس من طينةٍيصدق في الثلّب لها الثّالب
لولا علاج النّاس أخلاقهمإذاً لفاح الحمأ الّلازب
وإذا أتاك من الأمور مقدّرٌففررت منه فنحوه تتوجّه
كيف ترضى الفقر عرساً لامرىءٍوهو لا يرضى لك الدنيا أمّه
عدوّك من صديقك مستفادفلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراهيحول من الطّعام أو الشّراب
وكم لمعةٍ خلتها روضةًفألفيتها دمنةً معشبه
ظلمتكم لا تطيب الفروع إلاّ وأعراقها طيّبه
وكنت حسبت فلما حسبت زاد الحساب على المحسبه
وحبّب أوطان الرجال إليهممآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمعهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
أمن بعد مثوى المرء في بطن أمهإلى ضيق مثواه من الأرض يسلم
ولم يبق بين الضيق والضيق فرجةًأبى ذاك أن الله بالعبد أرحم
ابن المعتز:
دية الذّنب عندنا الاعتذار
وقفةٌ في الطريق نصف الزياره
فإنّ العيون وجوه القلوب
كم سائلٍ ليجيبه النّاعي
أمّ الكرام قليلة الأولاد
أبطأ فيض الدّلاء أملؤها
ما أعلم الموت بمن أحبّ
اصبر على شرّ العدوّ فإن صبرك قاتله
كالنّار تأكل نفسهاإن لم تجد ما تأكله
ويا ربّ ألسنةٍ كالسيوفتقطّع أعناق أصحابها
وكم دهي المرء من نفسهفلا يؤكلنّ بأنيابها
وإن فرصةٌ أمكنت في العدىفلا تبد فعلك إلا بها
وإن لم تلج بابها مسرعاًأتاك عدوّك من بابها
وإيّاك من ندمٍ بعدهاوتأميل أخرى وأنّى بها
رأيت حياة المرء ترخص قدرهوإن مات أغلته المنايا الطّامح
كما يخلق الثوب الجديد ابتذالهكذا تخلق المرء العيون اللوامح
ما أعجب الدهر في تصرّفهونقل سلطانه ودولته
من كان يدري أن النعيم إلىبؤسٍ رأى الهمّ في مسرّته
ولا همّ إلا سوف يفتح قفلهولا حال إلا للفتى بعدها الحال
لا تأمنوا من بعد خيرٍ شراًكم غصنٍ أخضر صار جمرا
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ألم تر أن المرء تدوى يمينهفيقطعها عمداً ليسلم سائره
فكيف تراه بعد يمناه صانعاًبمن ليس منه حين تدوى سرائره
نون الهوان من الهوى مسروقةٌفإذا هويت فقد لقيت هوانا
ذو العقل يسخو بعيش ساعتهوبالذي بعدها تشحّ يده
وكلّ ذي فطنةٍ ومعرفةٍأهمّ من يومه عليه غده
ألا قبّح الله الضّرورة إنهاتكلّف أعلى الخلق أدنى الخلائق
ولله درّ الإختبار فإنهيبيّن فضل السّبق من غير سابق
وكم قائلٍ: مالي رأيتك راجلاًفقلت له: من أجل أنّك فارس
ومن سرّه ألاّ يرى ما يسوءهفلا يتّخذ شيئاً يخاف له فقدا
وإنّ صلاح الأمر يرجع كلّهفساداً إذا الإنسان جازبه الحدّا
لا يبرأ المصدور من سقمٍقي صدره إلاّ إذا نفثا
وإن أناساً يصبرون تعفّفاًعلى فقد عادات الغنى لكرام
خليليّ لو أن همّ النّفوس دام عليها ثلاثاً قتل
ولكنّ شيئاً يسمّى السّرورقديماً سمعنا به ما فعل
ابن طباطبا العلويّ:
إن في نيل المنى وشك الرّدىوقياس القصد عند السّرف
كسراجٍ دهنه قوتٌ لهفإذا غرّقته فيه طفي
لقد قال أبو بكرٍصواباً بعدما أنصت
خرجنا لم نصد شيئاًوما كان لنا أفلت
مثلي كبائع طسته بشرابهسرّاً لئلّا يعلم الجيران
لما تملّى ظلّ في غثيانهيشكو الصداع فعاده الجيران
ودعوا بطست كي يقيء فقال: مهلو كان طستٌ لم يكن غثيان
يا عيشنا المفقود خذ من عمرناعاماً وردّ من الصّبا أيّاما
منصور الفقيه المصري:
يا من يخاف أن يكون ما يخاف سرمدا
أما سمعت قولهم ...: إن مع اليوم غدا
الملح يصلح كلّ مايخشى عليه من الفساد
فإذا الفساد جرى عليهـ فحكمه حكم الرّماد
شاهد ما في مضمريمن صدق ودٍّ مضمرك
فما أريد وصفهقلبك عنّي يخبرك
إذا تخلّفت عن صديقٍولم يعاتبك في التّخلف
فلا تعد بعدها إليهفإنّما ودّه تكلّف
الناس بحرٌ عميقٌوالبعد منهم سفينه
وقد نصحتك فانظرلنفسك المسكينه
كلّ مذكورٍ من الناس إذا ما فقدوه
صار في حكم حديثٍحفظوه فنسوه
كلّ من أصبح في دهرك ممّن قد تراه
فهو من خلفك مقراضٌ وفي الوجه مراه
من قال: لا، في حاجةٍمطلوبةٍ فما ظلم
وإنّما الظّالم منيقول: لا، بعد نعم
ابن بسام:
وكم أمنيةٍ جلبت منيّه
وعند الضّرورة آتي الكنيفا
ولما لم ننل منهم سروراًرأينا فيهم كلً السّرور
حياة هذا كموت هذافلست تخلو من المصائب
ربّ يومٍ بكيت منه فلمّاصرت في غيره بكيت عليه
قد يحمل الشّيخ الكبير جنازة الطّفل الصغير
وكلّ ريحٍ لها هبوبٌيوماً فلا بدّ من ركود
إنّي لأهجو من يجود بفضلهفيظنني أدع اللّئيم الراضعا
جحظة البرمكي:
كلّما قلت قال: أحسنت زدنيوبأحسنت لا يباع الدّقيق
وللمساكين أيضاً بالنّدى ولع
وآفة التّبر ضعف منتقده
متى يلتقي الميت والغاسل
لا تعدّنّ للزّمان صديقاًوأعدّ الزّمان للأصدقاء
إن حال دون لقائكم بوّابكمفالله ليس لبابه بوّاب
ربّ ما أبين التّباين فيهمنزلٌ عامرٌ وعقلٌ خراب
وما كذب الذي قد قال قبلي ...: إذا ما مرّ يومٌ مرّ بعضي
إذا الشّهر حلّ ولا رزق ليفعدّي لأيامه باطل
وإذا جفاني جاهلٌلم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبور أزورها في كلّ جمعه
الصّنوبري:
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتىكالنّار مخبرةٌ بفضل العنبر
ربّ حالٍ كأنها مذهب الديباج صارت من رقّة كالّلاذ
وزمانٍ مثل ابنة الكرم حسناًعاد عند العيون مثل الدّاذي
أو ما من فساد رأي اللّياليأن شعري هذا وحالي هذي
كشاجم:
يريك مرور الليالي الغيروللورد في كل حالٍ صدر
وإنّ علاجي قرحةً قد عرفتهاأداوي الّذي أدوته منّي لأسلما
لأهون عندي من علاج غريبةٍمن السقم ما عاينتها متقدّما
ومستزيدٍ في طلاب الغنىيجمع لحماً ماله طابخ
ضيّع ما نال بما يرتجيوالنار قد يخمدها النّافخ
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذمن شرّ أعينهم بعيبٍ واحد
يعاد حديثه فيزيد حسناًوقد يستقبح الشّيء المعاد
النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع