دَعْ بينَ أثوابي وبينَ وِسادي
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 53 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دَعْ بينَ أثوابي وبينَ وِسادي ... شَبَحاً يَصُدُّ فوارسي وجِيادي
إنّي أخافُ عليكَ إنْ أخرجتَهُم ... يوماً كيومِ الحارثِ بنِ عُبَادِ
ما زلتُ أخشى أن أعادَ من الهَوى ... حتى خَفِيَ جسَدي عن العُوّادِ
أَمُمَلِّكَ الحادي عزيزَ قِيادِهِ ... لمَ لا تُملِّكُني ذَليلَ قِيادي
نادَى المُنادي بالرّحيلِ فخِلْتُهُ ... بينَ الجوانحِ بالرحيلِ يُنادي
واستبطنوا الوادي وماذا ضرَّهُمْ ... ألاّ يجودَ الغيثُ بطنَ الوادي
دَعهم وقلبي ما أريدُ رُجوعَهُ ... أبَداً فقلبي كانَ أصلَ فَسادي
لو يَعلمونَ صلاحَ حالي عندهم ... ما فرّقوا بيني وبينَ فُؤادي
مَثَلٌ خلَعْتُ على الزّمانِ رِداءَهُ ... عَــــوَزُ الدّراهِــــمِ آفَةُ الأجْوادِ
يا سعدُ سعدَ بني تميم شيخكم ... لا يستقلُّ بظهرهِ في النّادي
ولِعَتْ بصحةِ جِسمهِ أيامُهُ ... ولعَ الهَوى بصحائِحِ الأكبادِ
فانهوا سفيهتكم فقد حذرتُها ... ما تحذرُ الأيامُ من إيعادي
جعلتْ بحارَ الأرضِ مثلَ أناملي ... ولو انصفتْ ما كنَّ من أنْدادي
ورأَتْ نجومَ الليلِ في أفْلاكِها ... فتوَهّمَتْها من شِرارِ زِنادي
أنا عبدُ من لو قال للشّمْسِ اغرُبي ... غَرَبَتْ وقد طَلَعَتْ على الأشْهادِ
المُستَقِلُّ من الوَزارةِ رُتْبَةً ... إشراقُها فوق الخلافةِ بادِ
لا تَحسِبي أحَداً يمُجّدُ فِعلَهُ ... والأزد في الدّنيا من الأمجادِ
قومٌ إذا هطَلَ السحابُ ببلدةٍ ... هــــطَلَتْ أكفُّهم بكلِّ بِلادِ
لو قيل للأيامِ هاتي جائداً ... ودعي الوزيرَ لما أتَتْ بجَوادِ
الواهبُ الآدابِ مثلَ هِباتِهِ ال ... أمـــــــوالَ والرّفـــــــادَ للرفَــــــادِ
وفتى المكارمِ والأيادي مَنْ غدتْ ... من عقلهِ عندَ العقولِ أيَادِ
لا تــــأمَنوا آراءَهُ وظُنونَه ... إنّ الغُيوبَ لها من الأمدادِ
وتعَوّذوا باللهِ من أقلامِهِ ... إنّ السّيوفَ لها منَ الحُسّادِ
لا تألفُ الأفكارُ ساحةَ همِّه ... إلاّ كــــــإلْفِ البـــــرقِ للأرعـــــادِ
كلُّ الملوكِ عبيدُه في أرضِهِ ... لا فخرَ بالآباءِ والأجْدادِ
أوَ مَا كَفاكُمْ أنه مولاكُم ... هلْ من مَزيدٍ للفَتى المزدادِ
عقَّ الكُماةُ لخوفِه هيجاءَهُم ... وهُــــمُ لطاعتِها منَ الأوْلادِ
وتقنّعُوا بالنّزْرِ من أيامِهِمْ ... حتى ظنناهُم من الزُّهادِ
ومن الترابِ عَجاجُهُمْ وعَجاجُهُ ... ممّا يُحَطّمُ من قَنا وجِيادِ
القابلُ الجردِ العِتاقِ كُماتُها ... أُسْدٌ مخالِبُها صدورُ صِعادِ
قومٌ إذا طعَنوا الفوارِسَ في الوَغى ... غرِقَتْ رِماحُهُم إلى الأعضادِ
سلبَ الكواكبَ نورَها وكأنّهُ ... قومٌ بها فوقَ الكواكبِ صادِ
قلْ لي فأينَ تُريدُ قد حُزْتَ المدى ... وعلوتَ حتى صِرتَ بالمِرصادِ
السّيفُ لحظُكَ والجبالُ ضَرائبٌ ... والرمحُ خوفُكَ والنجومُ أعَادِ
ما اسْتشرفتْ عيناكَ رأسَ مُدَجَّجٍ ... إلا تحدَّرَ قبلَ ضَربِ الهادِي
ما للطّوائِفِ يَمنعونَكَ طاعَةً ... أعْطاكَها صرفُ الزّمانِ العادي
لتُصَبِّحَنّ بك المَنايا أرضَهُمْ ... في جحْفَلٍ يأتي بِلا ميعادِ
تشكو إليكَ الشّمسُ حَرَّ صدورِه ... فَرَقاً إذا زَفَرَتْ منَ الأحْقادِ
حتى يُقالَ إذا غدَتْ أسيافُهُ ... تَرمي أعالي طيرِهِ بالزّادِ
أَجثوم طيرٍ طرنَ عن هاماتِهِم ... أمْ هامُهم طارتْ عن الأجْسادِ
كذَبَ المحدثُ بالشّجاعةِ والنّدى ... عن خِنْدِفٍ وربيعةٍ وإيادِ
لو أبصرتْ عيناكَ آل مهلّبٍ ... والخيلُ راويةُ النحورِ صَوادِ
يخْرُجْنَ من رَهَجِ العَجاجِ كأنّها ... أسْيافُهُمْ خرَجَتْ من الأغْمادِ
وضِرابَهم قُلَلَ الكُماةِ وفي القَنا ... قِصَرٌ ولم يُسْفَكْ نَجيعُ قُرادِ
أو لَوْ رأيتَ جَنابَهم متدفقاً ... متوسّعاً لتضايُقِ الرُّوّادِ
ووُجوهَهُمْ للبذلِ من إشراقِها ... قد قنّعَتْ شمسَ الضُحى بسَوادِ
لرأيتَ أو كلتَ جفونكَ أنْ تَرى ... لُجَجَ البحارِ وآنفَ الأطْوادِ
وعلِمتَ أنّهم على رغمِ العِدى ... ذهبوا بكلِّ نَدى وكلِّ جِلادِ
يا من نُصغِرُهُ إذا قلنا لهُ ... ملِكَ الملوكِ وماجِدَ الأمجادِ
وتُجاوِزُ الفُلكَ المُدارَ إرادتي ... وأرى عطاياه تَجوزُ مُرادي
وذبابُ سيفكِ أنّهُ قَسَمُ الوَغى ... والموتُ في ثوبٍ من الفِرْصادِ
لأُطرِّزَنّ بكَ الزّمانَ مَدائِحاً ... تَختالُ بينَ الشدوِ والإنشادِ
تَدَعُ المَسامِعَ والقُلوبَ لحُسْنِها ... عِندَ الرُّواةِ تُشدُّ بالأصْفادِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الحادي: لحد: اللَّحْد واللُّحْد: الشَّقُّ الَّذِي يَكُونُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ موضِع الْمَيِّتِ لأَنه قَدْ أُمِيل عَنْ وسَط إِلى جَانِبِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُحْفر فِي عُرْضه؛ والضَّريحُ والضَّريحة: مَا كَانَ فِي وَسَطِهِ، وَال … (لسان العرب)
- الحارث: حرث: الحَرْثُ والحِراثَةُ: العَمل فِي الأَرض زَرْعاً كَانَ أَو غَرْساً، وقد يكون الحَرْثُ نفسَ الزَّرْع، وَبِهِ فَسَّر الزجاجُ قَوْلَهُ تعالى: صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ. حَرَثَ يَحْرُثُ حَ … (لسان العرب)
- العواد: عود: فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: المبدِئُ المعِيدُ؛ قَالَ الأَزهري: بَدَأَ اللَّهُ الخلقَ إِحياءً ثُمَّ يميتُهم ثُمَّ يعيدُهم أَحياءً كَمَا كَانُوا. قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمّ … (لسان العرب)
- المنادي: ندي: النَّدَى: البَلَلُ. والنَّدَى: مَا يَسْقُط بِاللَّيْلِ، وَالْجَمْعُ أَنْداء وأَنْدِيَةٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ فأَما قَوْلُ مُرَّة بْنِ مَحْكانَ: فِي لَيْلةٍ مِنْ جُمادى ذاتِ أَنْدِيَةٍ ... لَا يُبْصِرُ الكلبُ، مِنْ … (لسان العرب)
- بالرحيل: (رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ. يُقَالُ: رَحَلَ يَرْحَلُ رِحْلَةً. وَجَمَلٌ رَحِيلٌ: ذُو رِحْلَةٍ، إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ، وَالرِّحْلَةُ: الِارْتِح … (مقاييس اللغة)
- ذليل: ذلل: الذُّلُّ: نَقِيضُ العِزِّ، ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّة وذَلالة ومَذَلَّة، فَهُوَ ذَلِيل بَيِّن الذُّلِّ والمَذَلَّة مِنْ قَوْمٍ أَذِلّاء وأَذِلَّة وذِلال؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئة: وَشَاعِرُ قومٍ أُولي بِغْضة ... … (لسان العرب)