من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
والتهاني وما يضاف إليها
قال كعب بن زهير يمدح النبي، ﷺ:
إنَّ الرسول شهابٌ يستضاء بهوصارم من سيوف الله مسلولُ
في فتيةٍ من قريش قال قائلهمببطن مكة لمَّا أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشفعند اللقاء ولا ميلٌ معازيلُ
شمّ العرانين أبطال لبوسهممن نسج داوود في الهيجا سرابيلُ
لا يفرحون إذا نالت رماحهمقوماً وليسوا مجازيعاً إذا نِيلوا
لا يقع الطعن إلاّ في نحورهموما لهم عن حياض الموت تهليلُ
وقال حسان بن ثابت:
إنَّ الذوائبَ من فهرٍ وأخوتهمقد بيَّنوا سنّةً للناسِ تُتَّبعُ
قومٌ إذا حاربوا ضرُّوا عدوَّهمأو حاولوا النفعَ في أشياعهم نفعوا
لا يجهلونَ إذا حاولتَ جهلهمُفي فضلِ أحلامهم عن ذاكَ متَّسعُ
سجيّةٌ تلكَ منهم غيرُ محدَثةٍإنَّ الخلائقَ فالعمْ شرُّها البدعُ
إنْ كانَ في الناسِ سبَّاقونَ بعدهمُفكلُّ سبقٍ لأدنى سبقهم تبعُ
ر يرقعُ الناسُ ما أوهتْ أكفُّهمُعند الدفاعِ ولا يوهونَ ما رقعوا
لا يبخلونَ على جارٍ بفضلهمولا يمسّهمُ من مطمعٍ طبعُ
أعفّةٌ ذُكرتْ في الوحي عفّتهمْلا يطمعونَ ولا يرديهمُ طمعُ
كأنَّهم في الوغى والموتُ مكتنعٌأُسدٌ بخفّانَ في أرسانِها فدعُ
لا فرحٌ إنْ أصابوا من عدوّهموإنْ أُصيبوا فلا خورٌ ولا جزعُ
خذْ منهم ما أتى صفواً إذا غضبواولا يكنْ همّكَ الأمرُ الذي منعوا
فإنّ في حربهم فاحذرْ عداوتهمسمّاً يُدافُ عليه الصَّابُ والسلعُ
أكرِم بقومٍ رسولُ اللهِ شيعتهمإذا تفرَّقت الأهواءُ والشّيعُ
وقال أبو طالب يمدح النبي ﷺ:
وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجههِثُمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
يطوفُ به الهلاكُ من آل هاشمفهم عندهُ في نعمةٍ وفواضلِ
وقال أبو الجويرية العنزي:
على موسريهم حق من يعتريهموعند المقلّين اتساع الخلائقِ
لهم من نزارٍ حين ينسب أصلهممكان النواصي من وجوه السوابقِ
بهم يُجبرُ العظم الكسير ويطلق الأسير وينجو من عظام البوائق
وقال عقيل بن العرندس الكلابي يمدح بني عمرو الغنويين:
يا دارُ بينَ كُليَّاتٍ وأظفارِوالحمّتينِ سقاكِ اللهُ من دارِ
على تقادمِ ما قد مرّ من زمنٍمع الذي مرَّ من ريحٍ وأمطارِ
وقد أرى بك والأيامُ صالحةٌبيضاً عقائلَ من عونٍ وأبكارِ
فيهنّ عثمةُ لا يمللنَ عشرتهاولا علمنَ لها يوماً بأسرارِ
بل أيّها الرجلُ المفني شبيبتهُيبكي على ذاتِ خلخالٍ وإسوارِ
خبّر ثناء بني عمرٍو فإنهمذوو أيادٍ وأحلامٍ وأخطارِ
هَينونَ لينونَ أيسارٌ ذوو يسرٍسوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيسارِ
لا ينطقونَ على العمياءِ إن نطقواولا يمارون إن ماروا بإكثارِ
إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوافالجهدُ يخرجُ منهم طيبَ أخبارِ
وإن تودَّدتهم لانوا وإن شهمواكشّفت أذمار حربٍ أيّ أذمارِ
من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيّدهممثلَ النجومِ التي يسري بها الساري
دخل أعرابي على معن بن زائدة فأنشده:
أضحت يمينك من جودٍ مصوّرةٍلا بل يمينك منها صورة الجودٍ
بنور وجهك تضحي الأرض مشرقةًومن بنانك يجري الماء بالعودِ
مروان بن أبي حفصة:
بنو مطرٍ يومَ اللقاءِ كأنّهمْأسودٌ لها في غيل خفّانَ أشبلُ
همُ المانعونَ الجارَ حتّى كأنمالجارهمُ فوقَ السماكينِ منزلُ
بهاليلُ في الإسلامِ سادوا ولم يكنْكأوَّلهمْ في الجاهليةِ أوَّلُ
همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دعواأجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلونَ فعالهموإن أحسنوا في النائباتِ وأجملوا
للخنساء:
وما بلغتْ كفُّ امرئٍ متناولاًمن المجدِ إلاّ والذي نلتَ أطولُ
وما بلغَ المهدونَ في القولِ مدحةًوإن أطنبوا إلاّ الذي فيكَ أفضلُ
إبراهيم بن هرمة:
إذا قيل أيُّ فتىً تعلمونَأهشُّ إلى الطعنِ بالذّابلِ
وأضربُ بالسيفِ يومَ الوغىوأطعمُ في الزمنِ الماحلِ
أشارت إليكَ أكفُّ الأنامِإشارةَ غرقى إلى ساحلِ
مسلم بن الوليد:
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي رهجٍكأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ
ينالُ بالرّفقِ ما يعيا الرجالُ بهِكالموتِ مستعجلاً يأتي على مهلِ
تكسو السيوفَ نفوسُ الناكثينَ بهويجعلُ الهامَ تيجانَ الفتى الذُّبلِ
قد عوَّدَ الطير عاداتٍ وثقنَ بهايتبعنهُ في كلِّ مرتحلِ
لله من هاشم في أرضهِ جبلٌوأنت وابنكَ ركنا ذلك الجبلِ
أبو تمام:
ستصبح العيس بي والليلُ عندَ فتىًكثيرِ ذكرِ الرِّضا في ساعةِ الغضبِ
صدفتُ عنه فلم تصدفْ مواهبهُعنّي وعاودهُ ظنّي فلم يخبِ
كالغيثِ إن جئتهُ وافاكَ ريِّقهُوإن ترَّحلتَ عنه جدَّ في الطلبِ
وقال:
أحوامل الأثقال إنك في غدٍبفناء أحمل منك للأثقالِ
كالغيثِ ليسَ له أريدَ غمامهُأو لم يردْ بدٌّ من التّهطالِ
آخر:
إنَّ للناس غايةً في المعاليوقفوا عندها وأنتَ تزيدُ
قد تناهيت في المكارم والمجد وجزتَ المدى فأينُ تريدُ
مثله لابن نباتة:
قل لي فأين تريد قد جزتَ المدىوعلوتَ حتّى صرتَ بالمرصادِ
إبراهيم بن العباس:
ألا إن عبد الله لما حوى الغنىوصار له من بين إخوانه مالُ
رأى خلّةً منهم تسدُّ بمالهِفساهمهم حتّى استوت بهم الحالُ
مثله:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتّى تجلّتِ
ما أحسن قوله: من حيث يخفى مكانها، فإنه غاية الحسن لمتأمله.
حسان بن ثابت:
لله درُّ عصابةٍ نادمتهمْيوماً بجلّقَ في الزمان الأفضلِ
أولادُ جفنةَ حول قبرِ أبيهمِقبرِ ابن ماريةَ الكريمِ المفضلِ
قوله: حول قبر أبيهم، يريد أنهم ملوك مقيمون في بلدهم ودارهم وليسوا من العرب الذين يتنقلون من موضع إلى موضع ولا مستقر لهم.
يغشونَ حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبلِ
يريد: أن كلابهم قد أنست بالضيوف فلا تهرّ عليهم وهم شجعان لا يسألون لنجدتهم وعزهم عن السواد المقبل وهذا مثل بيت الحماسة:
لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما قال برهانا
ومثله:
إذا ما دعوا لم يسألوا من دعاهملأيّةِ حربٍ أم لأيّ مكانِ
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطراز الأوّلِ
وقال جرير وأجاد، فلله درّه:
فيومانِ من عبد العزيز تفاضلاففي أيّ يوميهِ تلومُ عواذلهْ
فيومٌ تحوط المسلمين جيادهُويومُ عطاءٍ ما تغبُّ نوافلهْ
فلا هو في الدنيا مضيعٌ نصيبهولا عرضُ الدنيا عن الدينِ شاغلهْ
البيت الثاني أخذه المتنبي برمته فقال:
فيومٌ بخيلٍ تطردُ الرومَ عنهمويومٌ بجودٍ يطردُ الفقرَ والجدبا
ابن هانئ أنشدنيهما السعيد المرحوم تاج الدين قدّس الله روحه:
المدنفانِ من البريَّةِ كلهاجسمي وطرفٌ بابليٌّ أحورُ
المشرقاتُ النيِّراتُ ثلاثةٌالشمسُ والقمرُ المنيرُ وجعفرُ
ابن الرومي:
كم من يدٍ بيضاء قد أسديتهاتثني إليكَ عنانَ كلِّ ودادِ
شكرَ الإلهُ صنائعاً أسديتهاسلكتْ مع الأرواحِ في الأجسادِ
السيد الرضي:
ألبستني نعماً على نعمِورفعتَ لي علماً على علمِ
وعلوتَ بي حتّى مشيتُ علىبسطٍ من الأعناق والقممِ
فلأشكرنَّ نداكَ ما شكرتْخضرُ الرياضِ صنائعَ الديمِ
فالحمدُ يبقي ذكرَ كلِّ فتىًويبينُ قدرَ مواقعِ الكرمِ
والشكرُ مهرٌ للصنيعةِ إنطلبتْ مهورُ عقائلِ النّعمِ
إبراهيم بن العباس:
ولكنّ الجواد أبا هشاموفيّ العهد مأمون المغيبِ
بطئٌ عنك ما استغنيتَ عنهوطلاّعٌ إليك مع الخطوبِ
السريّ:
أعزمتكَ الشّهابُ أمِ النهارُأراحتكَ السّحابُ أمِ البحارُ
خلقتَ منيّةً ومنىً فإماتمورُ بكَ البسيطةُ أو تمارُ
تحلّي الدينَ أو تحمي حماهُفأنتَ عليه سورٌ أو سوارُ
البحتري:
سلام الله منك على جوادإذا جارى حوى قصب السباقِ
سما للمجد مبيّض الأياديفسيح الظل ممدود الروّاقِ
ابن الرومي:
فلي من بطنِ راحتهِ ارتواءُولي في ظهرِ راحتهِ استلامُ
ظللتُ بمأمنٍ منه حريزٍيخيّل أنه البلدُ الحرامُ
وقال:
وقلَّ من ضمنتْ خيراً طويَّتهُإلاّ وفي وجههِ للبشرِ عنوانُ
تلقاه وهو مع الإحسانِ معتذرٌوقد يسيءُ مسيءٌ وهو منّانُ
إذا تيممهُ العافي فكوكبهُسعدٌ ومرعاهُ في واديهِ سعدانُ
إذا بدا وجهُ ذئبٍ فهو ذو سنةٍوإن بدا وجهُ خطبٍ فهو يقظانُ
أحيا بكَ الله هذا الخلقَ كلّهمُفأنتَ روحٌ وهذا الخلقُ جثمانُ
أبو تمام:
فافخرْ فما من سماءٍ للعلى رفعتإلاّ وأفعالكَ الحسنى لها عمدُ
واعذرْ حسودكَ فيما قد خصصتَ بهإنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ
وله:
له كرمٌ لو كانَ في الماءِ لم يغضْوفي البرقِ ما شامَ امرؤٌ برقَ خلّبِ
أخو عزماتٍ بذلهُ بذلُ محسنٍإلينا ولكن عذرهُ عذرُ مذنبِ
أحمد بن أبي طاهر:
إذا ما أتاه السائلون توقّدتعليه مصابيح الطلاقة والبشرِ
له في ذوي المعروف نعمى كأنهامواقع ماءِ المزن في البلد القفرِ
البحتري:
لو أنَّ كفّكَ لم تجدْ لمؤمّلٍلكفاهُ عاجلُ بشركَ المتهلِّلِ
وإذا أمرت مما يقال لك اتئدْوإذا قضيت فما يقال لك اعدلِ
وله:
ولقد جريتَ إلى المعالي سابقاًوأخذتَ حظَّ الأوّلِ المتقدّمِ
وكبا عدوّكَ حينَ رام بكَ الذييخشى فقلنا لليدينِ وللفمِ
وله:
كلّهم عالمٌ بأنّكَ فيهمنعمةٌ ساعدتْ بها الأقدارُ
فوقتْ نفسك النفوس من السوءِ وزيدت في عمركَ الأعمارُ
وله:
إذا ساغَ كفَّ اللحظُ عن كلِّ منظرٍسواه وغضَّ الصوتُ عن كلِّ مسمعِ
فلستَ ترى إلاّ إفاضةَ شاخصٍإليه بعينٍ أو مشيراً بإصبعِ
آخر:
فتىً إذا عدَّتْ تميم معاًساداتها عدوّه بالخنصرِ
ألبسه الله ثياب العلىفلم تطل عنه ولم تقصرِ
أبو تمام:
ملكٌ تضئُ المكرماتُ إذا بداللملك منه غرَّةٌ وجبينُ
ساسَ الأمورَ سياسةَ ابن تجاربٍرمقتهُ عينُ الملكِ وهو جنينُ
لانت مهزَّتهُ فعزَّ وإنمايشتدّ بأسُ الرمحِ حين يلينُ
الخنساء:
طويلَ النّجادِ رفيعَ العمادِ سادَ عشيرتهُ أمردا
يحمّلهُ القومُ ما عالهمْوإن كانَ أصغرهمْ مولدا
ترى الحي وفداً إلى بابهِيرى أفضلَ الكسبِ أن يحمدا
مروان بن أبي حفصة:
يفيضُ ندى كفّيهِ طوراً وتارةًتمجُّ دماً أرماحهُ ومناصلهْ
تروكُ الهوى لا السُّخطُ منه ولا الرّضىلدى موطنٍ إلاّ على الحقِّ حاملهْ
أبو نواس:
يا ناقُ لا تسأمي أو تبلغي ملكاًتقبيلُ راحتهِ والركن سيّانِ
متى تحطّي إليه الرّحلَ سالمةًتستجمعي الخلقَ في جثمانِ إنسانِ
طريح بن إسماعيل:
في وجههِ النورُ يستبانُ كمالاحَ سراجُ النهارِ إذ تقدُ
ما ولدت حرّةٌ على عقر الأرض شبيهاً له ولا تلدُ
شبيب بن البرصاء:
طويل يد السّربال عارٍ جبينهكنصل اليماني أخلصته صياقلهُ
إذا همَّ بالمعروف لم تجر طيرهنحوساً ولم تسبق نداه عواذلهْ
أبو نواس:
يا ابن أبي العباس أنت الذيسماؤه بالجود مدرارُ
يرجو ويخشى حالتيك الورىكأنكَ الجنّةُ والنارُ
أبو العتاهية:
عليه تاجانِ فوقَ مفرقهِتاجُ بهاءٍ وتاجُ إخباتِ
يقولُ للريحِ كلّما ارتفعتْهل لكِ يا ريحُ في مباراتي
كثيّر:
كثيرُ عطايا الفاعلينَ مع الذيتجودُ به إن كاثروكَ قليلُ
وأنت ابن ليلى والسماحة والندىقبيلٌ معاً والعاذلات قبيلُ
يفدينه طوراً وطوراً يلمنهوليس عليه في الملام سبيلُ
آخر:
وكأنّما ظفرت يداه بالمنىفرحاً إذا ظفرت يداه بمجتدي
لو يعلم العافون كم لك في الندىمن لذّةٍ وقريحةٍ لم تخمدِ
أبو تمام:
هو البحر من أيِّ النواحي أتيتهُفلجّتهُ المعروفُ والجودُ ساحله
تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتّى لو أنهُثناها لقبضٍ لم تطعهُ أنامله
ولو أنَّ ما في كفّهِ غيرُ نفسهِلجادَ بها فليتّقِ الله سائله
آخر:
فلو كان ما يعطيه من رمل عالجٍلأصبح من جدواك قد نفد الرّملُ
وماريتَ وبل الغيث بالجود والندىفدام ندى كفّيك وانقطع الوبلُ
آخر:
رأيتُ يحيى أتمّ الله نعمتهعليه يأتي الذي لم يأته أحدُ
ينسى الذي كان من معروفه أبداًإلى الرّجال ولا ينسى الذي يعدُ
حماد عجرد:
فأنتَ أكرمُ من يمشي على قدموأنضرُ الناسِ عندَ المحلِ عيدانا
لو مجّ عودٌ على قومٍ عصارتهلمجّ عودك فينا المسك والبانا
مسلم بن الوليد:
سبقتْ مواهبهُ منى مرتادهاواستحدثتْ همماً لمن لم يرتدِ
يتجنبُ الهفواتِ في خلواتهِعفُّ السّريرةِ غيبهُ كالمشهدِ
ولأنتَ أمضى في اللقاء وفي الندىمن باسلٍ وغدٍ وغادٍ مرعدِ
أعطيتَ حتّى ملَّ سائلكَ الغنىوعلوت حتّى ما يقالُ لك ازددِ
علي بن مرزوق:
أنتَ الذي تنزل الأيامَ منزلهاوتنقل الدهرَ من حالٍ إلى حالِ
تزورّ سخطاً فتمسي البيض راضيةًوتستهلّ فتبكي أوجه المال
وما نظرتَ بطرقٍ عن مدى أملٍإلاّ قضيتَ بأرزاقٍ وآجالِ
أبو علي البصير:
كفاني عبيد الله لا زال كافياًبه الله همّاً كان ضاق به صدري
فتًى لا يفيد المال إلاّ لبذلهولا يتلقى صفحة الحق بالعذرِ
علي بن جبلة وأجاد:
ولا عتب للأيام عندي ولا يدبعتبي وعندي من أبي دلف حبلُ
على كلّ نشرٍ وطأةٌ من نكالهوفي كلّ حيّ من مواهبه سجلُ
هو الأملُ المبسوطُ والأجلُ الذييمرّ على أيامهِ الدهرُ أو يحلو
فعشْ واحداً أمّا الثراءُ فمسلمٌمباحٌ وأّما الجار فهو حمًى بسلُ
علي بن الجهم:
يعاقبُ تأديباً ويعفو تطوُّلاًويجزي على الحُسنى ويُعطي فيجزلُ
ولا يُتبع المعروفَ منّاً ولا أذًىولا البخلُ من أخلاقهِ حينَ يُسألُ
تأمَّل تجدْ للهِ فيهِ بدائعاًمن الحسنِ لا تخفى ولا تتبدَّلُ
إذا نحنُ شبَّهناكَ بالبدرِ طالعاًبخسناكَ حظّاً أنتَ أبهى وأجملُ
وتُظلم إنْ قسناكَ بالليثِ في الوغىلأنَّك أحمى للحريمِ وأبسلُ
ولست ببحرٍ أنت أعذبُ مورداًوأنفعُ للراجي نداكَ وأسهلُ
فلا وصفَ إلاّ قد تجاوزتَ حدَّهولا عرفَ إلاّ سيْبُ كفّكَ أفضلُ
رعاكَ الذي استرعاكَ أمرَ عبادهِوكافاكَ عنَّا المُنعمُ المتفضِّلُ
أبو تمام:
مجرَّدٌ سيفَ رأيٍ من عزيمتهِللدهرِ صيقلهُ الإطراقُ الفكرُ
عضباً إذا هزَّه في وجهِ نائبةٍجاءتْ إليه صروفُ الدهرِ تعتذرُ
إبراهيم بن العباس وأجاد:
أسدٌ ضارٍ إذا مانعتهُوأبٌ برٌّ إذا ما قدرا
يعرف الأقصى إذا أثرى ولايعرف الأدنى إذا ما افتقرا
عبد الله بن قيس الرقيات:
إنَّما مصعبٌ شهابٌ من اللهِتجلَّت عن وجهه الظلماءُ
مُلكهُ ملكُ رأفةٍ ليس فيهجبروتٌ منه ولا كبرياءُ
يتَّقي الله في الأمور وقد أفلحَ من كانَ شأنهُ الاتّقاءُ
آخر:
فتًى مثل صفو الماء ليس بباخلٍعليك ولا مهدٍ سلاماً لباخلِ
ولا قائل عوراء تؤذي رفيقَهولا رافعٍ رأساً لعوراء قائلِ
ولا مسلم مولًى لأمرٍ يضيمهولا خالطٍ حقّاً مضيئاً بباطلِ
أبو تمام:
ونفى عنكَ زخرفَ القولِ سمعٌلم يكنْ فرصةً لغيرِ السّدادِ
ضربَ الحلمُ والوقارُ عليهدونَ عمرِ الكلامِ بالأسدادِ
وحوانٍ أبتْ عليها المعاليأنْ تُسمى مطيّةَ الأحقادِ
حملَ العبءَ كاهلٌ لك أمسىلصروفِ الزمانِ بالمرصادِ
عاتقٌ معتقٌ من الهونِ إلاّمن مقاساةِ مغرمٍ أو نجادِ
ملأتك الأحسابُ أيّ حياءٍوحيا أزمةٍ وحيّة وادِ
آخر:
فتًى مثل عذب الماء أمّا لقاؤهفبشرٌ وأمّا وجهه فجميلُ
غنيّ عن الفحشاء أما لسانهفعفّ وأمّا طرفهُ فكليلُ
آخر:
يذكرنيك الجود والبخل والنُّهىوقول الخنا والحلم والعلم والجهلُ
آخر:
فألقاك عن مذمومها متنزهاًوألقاك في محمودها ولك الفضلُ
وأحمد من أخلاقك البخل إنهبعرضك لا بالمال حاشى لك البخلُ
النابغة الذبياني:
أخلاقُ مجدكَ جلّتْ ما لها خطرٌفي البأسِ والجودِ بينَ البدوِ والحضرِ
متوَّجٌ بالمعالي فوقَ مفرقهِوفي الوغى ضيغمٌ في صورةِ القمرِ
وقد أحسن أبو العتاهية حيث يمدح الرشيد وولده ويصفهم بالحسن والشجاعة، وقد تقدم أمثال هذا وسيأتي فيما بعد ما يخطر إن شاء الله تعالى:
بنو المصطفى هارونُ حولَ سريرهِفخيرُ قيامٍ حولهُ وقعودِ
يقلِّب ألحاظَ المهابةِ بينهمعيونُ ظباءٍ في قلوبِ أسودِ
وقال بعض الأعراب في رجل: ما دفعته في سواد إلاّ محاه ولا قابلت به مهماً إلاّ كفاه. وقال آخر:
فذلّل أعناق الصّعاب ببأسهوأعناق طلاّب الندى بالفواضلِ
فما انقبضت كفّاه إلاّ بصارمٍوما انبسطت كفّاه إلاّ بنائلِ
وقال محمد بن بشر الأزدي:
فتًى وقف الأيام بالعتب والرضىعلى بذل مال أوْ على حدّ منصل
وما إنْ له من نظرة ليس تحتهاغمامة غيثٍ أوْ صبابة قسطلِ
وقال آخر وأجاد:
فتًى دهره شطران فيما ينوبهففي بأسهِ شطرٌ وفي جوده شطرُ
فلا من بغاة الخير في عينه قذىولا من زئير الأُسد في سمعه وقرُ
وقال أبو عبادة البحتري:
هو العارضُ الثجّاجُ أخضلَ جودهُوطارت حواشي برقهِ فتلهّبا
إذا ما تلظَّى في وغًى أصعقَ العدىوإنْ فاضَ في أكرومةٍ غمرَ الدُّبى
رزينٌ إذا ما القومُ خفّتْ حلومهمُوقورٌ إذا ما حادثُ الدهرِ أحلبا
حياتُك أنْ يلقاكَ بالجودِ راضياًوموتُك أنْ يلقاكَ بالبأسِ مُغضبا
حرونٌ إذا عازرْته في مُلمّةٍوإنْ جئتهُ من جانبِ الذُّلِّ أصحبا
إذا كفَّ لم يقعدْ به العجزُ مَقعداًوإنْ همَّ لم يذهبْ به الخرقُ مذهبا
قال المفضل: أتاني رسول المهدي، فقال أجب أمير المؤمنين فهالني ذلك فمضيت حتّى دخلت وعنده علي بن يقطين والمعلى مولاه فسلمت فردوا، وقال: اجلس، فجلست، فقال: أخبرني بأمدح بيت قالته العرب، فتحيرت ساعة ثم جرى على لساني قول الخنساء:
وإنَّ صخراً لمولانا وسيِّدناوإنَّ صخراً إذا نشتو لنحَّارُ
أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداةُ بهِكأنَّه علمٌ في رأسهِ نارُ
فقال: أخبرت هؤلاء فأبوا، فقلت: يا أمير المؤمنين كنت أحق بالصواب، واعترض ابن الرومي قولها فقال:
هذا أبو الصقرِ فردٌ في مكارمهِمن نسلِ شيبانَ بين الطلحِ والسلمِ
كأنَّه الشمس في البرجِ المنيفِ بهِعلى البريّةِ لا نارٌ على علمِ
أبو تمام:
كم من وساعِ الخطوِ في طلقِ الندىلمّا جرى وجريتَ كانَ قَطوفا
أحسنتُما صفدي ولمن كنتَ ليمثلَ الربيعِ حياً وكانَ خريفا
وكلاكما اقتعد العُلى فركبْتهافي الذروة العليا وكانَ رديفا
وقال أمية بن الصلت وأجاد:
عطاؤك زينٌ لامرئ إن حبوتهبسيبٍ وما كلّ العطاء يزينُ
وليس بشينٍ لامرئٍ بذلُ وجههِإليكَ كما بعضُ السؤالِ يشينُ
وقال زهير بن أبي سلمى:
منْ يلقَ يوماً على علاّتهِ هرماًيلقَ السماحةَ منه والنَّدى خلقا
لو نالَ حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍأُفقَ السماءِ لنالتْ كفُّه الأُفقا
قد يجعلُ المبتغون الخيرَ في هرمٍوالسائلونَ إلى أبوابه طُرقا
وقال آخر:
خلقت أنامله لقائم مرهفٍولبثّ فائدةٍ وذروة منبر
يلقى الرماحَ بوجههِ وبصدرهِويقيمُ هامتهُ مقامَ المغفرِ
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنافهدمتُ ركن المجد إن لم تُعقرِ
وإذا تأمَّل شخص ضيفٍ مقبلٍمتسربل سربال ليلٍ أغبرِ
أوْمى إلى الكوماء هذا طارقٌنحرتنيَ الأعداءُ إنْ لم تُنحري
هذه الأبيات قد استحسنها أبو هلال والأقسام التي فيها يمجها طبعي وينفر عنها حتّى يعافها نقدي.
مروان بن أبي حفصة:
تفاضل يوماهُ علينا فأشْكلافما نحنُ ندري أيُّ يوميه أفضلُ
أيومَ نداهُ الغمرُ أم يومَ بأسهِوما منهما إلاّ أغرُّ مُحجّلُ
وقال آخر:
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجدخلقاً سواك إلى المكارم يُنسبُ
فاصبر لعادتنا التي عوّدتناأو لا فأرشدنا إلى منْ نذهبُ
التنوخي:
وفتيةٍ من حميرٍ حمر الظبابيض العطايا حين يسودّ الأملْ
شموس مجدٍ في سماوات علًىوأُسد موت بين غابات الأملْ
السري:
ملكٌ إذا مدَّ خمسَ أناملٍفي الجودِ فاضَ لنا بخمسةِ أبحرِ
تلقاه يومَ الروعِ فارسَ معركٍضنْكٍ ويومَ السلمِ فارسَ منبرِ
وقال أيضاً:
تألَّق والخطوبُ لها ظلامٌوأسفرَ والظلامُ لها قطوبُ
إذا شيمتْ بوارقهُ استهلّتْسماءً من مواهبهِ يصوبُ
فمن حزمٍ تدينُ له اللياليومن رأيٍ تبينُ لهُ الغيوبُ
وقال:
وإذا تبسَّم واستهلّ فعارضٌلاحتْ بوارقهُ وفاضَ غمامهُ
ووصلتَ للإسلامِ بأسكَ مُقدماًبيضاء عزمكَ فاستنارَ ظلامهُ
أخذ البيت الأول ابن هود البوازيجي فقال من قصيدة وأجاد:
إذا ما أتاه سائلٌ برق الحيابعارضهِ ثمَّ استهلَّت غمائمُه
وقلت من أبيات في الصاحب شمس الدين، عز نصره:
وإذا افترَّ لراحٍ ثغرهسال صوبُ العُرف من ديمته
وقال السري:
فتًى شرَّعَ المجدَ المؤثَّلَ فالعلىمآربهُ والمكرماتُ شرائعهْ
فلا الجودُ إلاّ ما تفيدُ يمينهُولا مجد إلاّ ما تشيدُ وقائعهْ
إذا وعدَ السراءَ أنجزَ وعدهُوإنْ وعدَ الضرَّاءَ فالعفوُ مانعهْ
يحنُّ إلى وردِ المنيةِ حاسراًإذا جادَ عن وردِ المنيةِ دارعهْ
هو الدهرُ يجري في البرية بأسهُببُؤسي وتجري بالسعودِ صنائعهْ
يعود إلى الرمح الرديني ماؤهويورق إن ضُمت عليه أصابعه
ملكتَ زمامَ الدهرِ في كلّ حالةٍفليسَ يضرُّ الدهرُ منْ أنتَ نافعهْ
البيت الثالث مأخوذ من قول الأول:
وإني إذا أوعدتُهُ أو وعدتُهُلمخلفُ إيعادي ومُنجزُ موعدي
وأما قوله:
يحنُّ إلى ورد المنيّة حاسراً
فقد وصفه بالخرق وترك الحزم، ومثل هذا ما يقال إن الأعشى مدح ممدوحاً فقال:
وإذا تكونُ كتيبةٌ ملمومةٌشهباءُ يخشى الرائدون نِزالها
كنتَ المقدّمُ غيرَ لابسِ جُنّةٍبالسيفِ تضربُ مُعلماً أبطالها
ومدح كثيّر عبد الملك بن مروان فقال:
لآلِ أبي العاصي دلاصٌ حصينةٌأجادَ المُسدِّي نسجها فأذالها
فقال له هلاّ قلت فيّ كما قال الأعشى وأنشد البيتين فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم. وقد أحسن القائل وظرف:
ألج العجاج إلى المقنع حاسراًوأزورها خوفَ الوشاةِ مقنّعا
وقال السري:
أمضى من القدرِ المحتومِ صارمهُإلى النفوسِ وأمضى منه حاملهُ
مجرّدُ العزمِ في طاغٍ يقارعهُعن حرمةِ الدينِ أو باغٍ يناضلهُ
فأعملَ السيفَ حتّى احمرَّ أبيضهُوأنهلَ الرمحَ حتّى اخضرَّ ذابلهُ
وقال:
طلوبٌ لغاياتِ الكرامِ لحوقُهاركوبٌ لأعلامِ النّجادِ طلوعُها
إذا عدَّ من آلِ المهلّبِ أسرةًمعاقلها أسيافُها ودروعُها
رأيتَ العلى منثالةً عن شعابهاعليهِ ومجموعاً لديهِ جميعُها
هُمامٌ وقى الأعداءَ من سطواتهِتباعدُها من سخطهِ ونزوعُها
فعدَّته أسيافهُ ورماحهُوعدَّتها إذعانها وخضوعُها
وقال:
أغرُّ ما في أناتهُ عجلُيُخشى ولا في عداته مهلُ
صاعقةٌ رعدُ بأسِها قصفٌوعارضٌ صوبُ مُزنهِ هطلُ
وقال:
ملكٌ إصاختهُ لأولِ صارخٍوسجالُ أنعمهِ لأولِ طالبِ
كالغيثِ يلقى الطالبينَ بوابلٍسحٍّ ويلقى الحاسدينَ بحاصبِ
وقال في سيف الدولة:
اللهُ جاركَ ظاعناً ومُقيماًوضمينُ نصركَ حادثاً وقديما
أنْ تسرِ كانَ لك النجاحُ مُصاحباًأو تثوِ كانَ لك السرورُ نديما
تغشاكَ بارقةُ السحابِ إذا سرتْغيثاً وتلقاكَ الرياحُ نسيما
للهِ همّتكَ التي رجعتْ بهاهممُ الملوكِ الصاعداتُ هُموما
ورياحكَ اللاتي تهبُّ جنائباًولربَّما أجريتهنَّ سُموما
وخلالكَ الزُّهرُ التي أنفتْ لهاقممُ المراتبِ أنْ تكونَ نجوما
ألبستني نعماً رأيتُ بها الدجىصُبحاً وكنتُ أرى الصباحَ بهيما
فعدوتُ يحسدُني الصديقُ وقبلَهاقد كانَ يلقاني العدوّ رحيما
وقال، وهي من محاسن شعره، يمدحه أيضاً:
فتحٌ أعزَّ به الإسلامَ صاحبهُوردَّ ثاقبَ نورِ الملكِ ثاقبُهُ
سارتْ به البُردُ منشوراً صحائفهُعلى المنابرِ محموداً عواقبُهُ
فكلُّ ثغرٍ له ثغرٌ يضاحكهُوكلُّ أرضٍ بها ركبٌ يصاحبُهُ
عادَ الأميرُ به خُضراً مكارمهُحُمراً صوارمهُ بيضاً مناقبُهُ
يومٌ من النصرِ مذكورٌ فواضلهُإلى التنادي ومشكورٌ مواهبُهُ
هبَّتْ شمائلهُ من طِيبها أرجاًعلى القلوبِ وضاهتْها جنائبُهُ
سلِ الدمستقَ هل عنَّ الرُّقاد لهُوهل يعنُّ له والرعبُ ناهبُهُ
لمّا تراءى لكَ الجمعُ الذي نزحتْأقطارهُ ونأتْ بُعداً جوانبُهُ
تركتَهم بين مصبوغٍ ترائبهُمن الدماءِ ومخضوبٍ ذوائبُهُ
فحائدٍ وشهابُ الرُّمحِ لاحقهُوهاربٍ وذبابُ السيفِ طالبُهُ
يهوي إليه بمثلِ النجمِ طاعنهُوينتحيه بمثلِ البرقِ ضاربُهُ
يكسوهُ من دمهِ ثوباً ويسلبهُثيابهُ فهو كاسيهِ وسالبُهُ
يا ناصرَ المجدِ لمّا عزَّ ناصرهُوخاطبَ الحمدِ لمّا قلَّ خاطبُهُ
حتّامَ سيفكَ لا تُروى مضاربهُمن الدماءِ ولا تُقضى مآربُهُ
أنتَ الغمامُ الذي تُخشى صواعقهُإذا تنمَّر أو تُرجى سحائبُهُ
وقال من أخرى يمدح الوزير المهلبي:
ومبتسمٌ والطعنُ يخضبُ رمحهُكأنْ قد رأى منه بناناً مخضَّبا
رأيناهُ يومَ الجودِ أزهرَ واضحاًويومَ قِراع البيضِ أبيضَ مِقضبا
فخلْناهُ في بذلِ الألوفِ قبيصةًوخلناهُ في سل السيوفِ المهلبا
منها يصف الجيش:
ومجرٍ تردُّ الخيلُ رأدَ ضحائهِبإرهاجها قطعاً من الليلِ غيهَبا
كأنَّ سيوفَ الهندِ بينَ رماحهِجداولُ في غابٍ سما وتأشَّبا
تضايقَ حتّى لو جرى الماءُ فوقهُحماهُ ازدحامُ البيضِ أنْ يتسرَّبا
وقفتَ به تُحيي المُغيرة ضارباًبسيفِكَ حتّى ماتَ حدّاً ومضربا
إليكَ ركبتُ فرداً ولم أقُللعاذلَتي ما أحسنَ الليلَ مركبا
ليصدرَ عنكَ الشعرُ مالاً مسوَّماًإذا نحنُ أوردْناهُ درّاً مثقَّبا
يقول فيها:
تركتُ رحابَ الشامِ وهي أنيقةٌتقولُ لطلاّبِ المكارمِ مرحبا
مدبّجةُ الأقطارِ مخضرَّةُ الثرىمصقّلةُ الغدرانِ موشيّةُ الرُّبى
أبو فراس التغلبي في سيف الدولة:
وما زلتُ مذْ كنتَ تأتي الجميلَوتحمي الحريمَ وترعى الحسبْ
وتغضبُ حتّى إذا ما ملكتَأطعتَ الرِّضى وعصيتَ الغضبْ
وقال فيه:
لسيفِ الدولةِ القدحُ المعلَّىإذا ازدحمَ الملوك على القداحِ
لأوسعهم مذانب ماءِ وادٍوأغزرهم مدافعِ سيبٍ راحِ
وأروعَ جيشهُ ليلٌ بهيمٌوغرَّتهُ عمودٌ من صباحِ
صفوحٌ عندَ قدرتهِ كريمٌقليلُ الصَّفحِ ما بينَ الصّفاحِ
كأنَّ ثباتهُ للقلبِ قلبٌوهيبتهُ جناحٌ للجناحِ
وقال فيه:
ألا قلْ لسيفِ الدولةِ القرمِ إنَّنيعلى كلّ شيءٍ غيرِ وصفكَ قادرُ
فلا تلزمَنِّي خطةً لا أُطيقُهافمجدكَ غلاّبٌ وفضلكَ باهرُ
ولو لم يكنْ فخري وفخرُك واحداًلما سارَ عنِّي بالمدائحِ سائرُ
وقال أبو الطيب المتنبي:
هذا الذي أفنى النُّضارَ مواهباًوعداهُ قتلاً والزَّمانَ تجاربا
ومخيِّبُ العذَّال فيما أمَّلوامنه وليسَ يردُّ كفّاً خائبا
كالبدرِ من حيثُ التفتَّ رأيتَهيُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا
كالبحرِ يقذفُ للقريبِ جواهراًجُوداً ويبعثُ للبعيدِ سحائبا
كالشمسِ في كبدِ السماءِ وضوؤهايغشى البلادَ مشارقاً ومغاربا
وقال:
سرْ حيثُ شئت تحلُّه النوّارُوأرادَ فيكَ مرادك المقدارُ
وإذا ارتحلتَ فشيَّعتكَ سلامةٌحيثُ اتَّجهتَ وديمةٌ مدرارُ
وأراكَ دهركَ ما تحاولُ في العِدىحتّى كأنَّ صروفهُ أنصارُ
وصدرتَ أغنمَ صادرٍ عن موردٍمرفوعةً لقدومكَ الأبصارُ
أبو نصر بن نباتة السعدي:
وقد زعموا أنِّي حنقتُ عليهموما حنقي إلاّ على الدهرِ وحدهُ
فلستُ أخافُ الدهرَ بعدَ تشبُّثيبأثوابهِ فليبلغ الدهر جهدهُ
رميتُ به في نحرهِ وكأنَّهحسامٌ غداةَ الروعِ فارقَ غمدهُ
وحكّمني حتّى لو أنِّي سألتهشبابي وقد ولَّى به الشيبُ ردَّهُ
ولولا قصور الشعر عن كُنه وصفهلكنتُ أظنُّ الشعر يعشق مجدهُ
فيا منْ إذا أفردته من جنودهِرأيتَ المعالي والمحامدَ جندهُ
وقال أيضاً:
تخطَّتْ أكفَّ الباخلين فعرَّستْبأروع معشوقِ الشمائلِ والفعلِ
يفرّق ما بين المكارم والغنىويجمع ما بينَ الشجاعةِ والعقلِ
هو الماءُ للظمآن والنارُ للقِرىوحدُّ الظُّبى في الحرب والغيثُ في المحلِ
حباني ولم أستحبهِ متطوّلاًيرى جوده بعدَ السؤالِ من البخلِ
سأشكرُ ما أوليتني من صنيعةٍومثلُ الذي أوليتَ يشكرهُ مثلي
ومنها:
كشفتَ لها ثغراً نقيّاً وساعداًحميّاً وعيناً لا تنامُ على ذحلِ
تركتَ لهم صحنَ الرهانِ ونقعهُوفزتَ بغاياتِ السوابقِ والخصلِ
كما ترك الظبيُ المنفّر ظلَّهلقانصهِ لو كانَ يقنعُ بالظلِّ
وقال:
جنى وهو طفلٌ ثمارَ العلىوسادَ الورى وهو لم يحتلمْ
تضام لرؤيته سجّداًوجوهُ الملوكِ التي لم تُضمْ
وفي التاجِ أبلجُ زانَ الجمالُديباجتي خدَّه بالشّممْ
قليل على المال إبقاؤهوما آفةُ المالِ إلاّ الكرمْ
وقال:
ولقد زهدتُ فكنتُ أكرمَ زاهدٍولقد رغبتُ فرمتُ خيرَ مرامِ
ومدحتُ من ولد الملوك متوّجاًمتقابلَ الأخوالِ والأعمامِ
تسري قواضبهُ إلى أعدائهِحتّى تعرِّسَ في مقيلِ الهامِ
ما زلتَ بالنعمِ الجسامِ تعمُّنيوتخصّني بالبشرِ والإكرامِ
حتّى جرى جريالُ حبّكَ في دميومشى ودادكَ في مَشاشِ عظامِ
وقال:
غلبتَ على البلاغةِ كلَّ نطقٍوعلّمتَ الإصابةَ كلَّ رامِ
وبات وميض برقك مستطيليبشّرني بأنعمكَ الجسامِ
وقال:
ورجالٍ من فوز قدحك شكواكنتَ منهم بالله أحسنَ ظنّا
كن عليهم في الجهر سيفاً ورمحاًوعليهم في السرّ عيناً وأُذنا
وقال:
فقل للطوالِ الشُّمِّ كعبِ بنِ عامرٍوخصَّ سراةَ الحيِّ من غطفانِ
رِدوا وانزلوا عرضَ الفلاةِ فإنَّنينزلتُ من الدنيا أعزَّ مكانِ
فأصبحتِ الأقدارُ ترهبُ أسهميوتأخذُ أحداثُ الزمانِ أماني
وإنَّ الخنا والغدرَ في الناسِ شيمةٌكفى الله وهباً شرّها وكفاني
حماني من الظّنِّ الكذوبِ وقالَ ليهمومُك من همّي وشأنُك من شاني
السري:
دعوْنا مفرِّقَ شملِ اللُّهىسماحاً وجامعَ شملِ الثناءِ
بكفٍّ تُرقرقُ ماءَ الحياةِووجهٍ يُرقرقُ ماءَ الحياءِ
نزلْنا بعقوتِه منزلاًخَصيبَ الجنابِ رحيبَ الفناءِ
أهبَّ لنا فيهِ ريحَ الندىرخاءً تُخبِّرنا بالرَّخاءِ
وقال:
أنا حرٌّ إذا انتسبتُ ولكنْجعلتْني لكَ المكارمُ عبدا
لا أقولُ الغمامُ مثلُ أياديك ولا السيفُ مثلُ عزمكَ حدّا
أنت أمضى من الحسامِ وأصفىمن حيا المزنِ في المُحولِ وأندى
وقال:
فكفَّاكَ الغمامُ الجونُ يسريوفي أحشائهِ ماءٌ ونارُ
يسارٌ من سجيّتها المناياويُمنى من عطيّتها اليسارُ
حضرْنا والملوكُ له قيامٌتغضُّ نواظراً فيها انكسارُ
مكارمُ تعجزُ المدَّاحُ عنهافجلُّ مديحهم فيها اختصارُ
وقال:
منْ ذا يُنازعكم كريماتِ العُلىوهي البروجُ وأنتمُ أقمارُها
الحربُ تعلمُ أنَّكم آسادُهاوالأرضُ تشهدُ أنَّكم أمطارُها
فلتشكرنَّكَ دولةٌ جدَّدتهافتجدَّدتْ أعلامُها ومنارُها
حلَّيتها وحميتَ بيضةَ ملكِهافغرارُ سيفكَ سورها وسوارُها
وقال:
مكارمُ وضَّاحٍ إذا ما تكرَّمتْملوكُ الورى في المكرُماتِ تنوّعا
شمائل أبهى من حُلى الروضِ منظراًوأحسنُ من فعلِ السحائبِ موقعا
وقال:
غيث العُفاة إذا ما الغيثُ أخلفهمفما ربيعُهم إلاّ مراجعُه
يباشرُ الحربَ محمرّاً صوارمهُويلبسُ السِّلم مبيضّاً صنائعُه
يا واصلَ الحمدِ مهجوراً محاسنهُوذاكرَ الجودِ منسيّاً شرائعُهُ
وقال:
أعليُّ آثرتَ العُلى فتجمّعتْوأهنتَ مالَكَ بالنَّدى فتفرَّقا
فاخضِبْ يمينكَ بالمدامِ فطالماخضبتْ أناملُها السنانُ الأزرقا
وكِلِ الهمومَ إلى الحسودِ فحسبهُأنْ يقطعَ الليلَ البهيمَ تأرُّقا
فضلُ الفتى يُغري الحسودَ بسبِّهِوالعودُ لولا طيبُهُ ما أُحرقا
وقال:
أنتَ الحيا الجودُ الذي آفاقُهُينهلُّ بالمعروفِ أو يتهلَّلُ
علمتْ ربيعةُ أنَّكَ العلمُ الذيتُهدي إلى سنَنِ الهُدى من يَجهلُ
فرغت من تعليقه بحمد الله وعونه من رابع عشر شهر رمضان المعظم من سنة ثلاث وتسعين وستمائة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بمدينة بغداد، ولم يقع إلي الدوبيتات والموشحات والمواليا التي وعد الجامع لهذا الكتاب بها لأثبتها، وإن رأيتها سطرتها إن شاء الله تعالى فيما بعد، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً.
كتبه أضعف العباد وأحوجهم إلى رحمة الكريم الجواد علي بن محمد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع