من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
طرف من أخبار المهلبي
وعلى ذكر المهلبي أذكر طرفاً من ظريف أخباره، وشريف آثاره، وإنما أسلسل أخبار أمثاله من أشراف العصر، وأفراد الدهر، تعمداً للذة الجدة، ورونق الحداثة؛ إذا كان ما لم يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما تكرر حتى تكدر.
والمهلبي هو أبو محمد الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وكان المطيع لله الفضل بن جعفر المقتدر، لما ولي الخلافة بعد المستكفي، قام بجميع أموره معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، وصحبه أجمل صحبة من أول ولايته إلى سنة موته وهي سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وعقد الديلمي أمر وزارته للمهلبي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان المهلبي من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعزائهم، وفيه يقول أبو إسحاق الصابىء:
نعم الله كالوحوش وما تألف إلاّ أخايراً نسّاكا
نفّرتها أيام قومٍ وصيّرت لها البرّ والتّقى أشراكا
وفيه يقول:
قل للوزير أبي محمد الذيقد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المجالس منطقٌ يشفي الجوىويسوغ في أذن الأديب سلافه
وكأنّ لفظك لؤلؤ متنخّلوكأنما آذاننا أصدافه
وفيه يقول أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة السعدي:
أنا عبد من لو قال للشمس اغربيغربت وقد طلعت على الأشهاد
المستقل من الوزارة رتبةًإشراقها فوق الخلافة بادي
عقّ الكماة لخوفه هيجاءهموهم لطاعته من الأولاد
وتقنعوا بالنزر من أيامهمحتى ظنناهم من الزهاد
ومن التراب عجاجهم وعجاجهممّا يحطّم من قناً وجياد
القائد الخيل العتاق كأنهاأسد مخالبها صدور صعاد
كذب المحدّث بالشجاعة والندىعن خندف وربيعة وإياد
لو أبصرت عيناه آل مهلبوالخيل راوية النحور صوادي
يخرجن من رهج العجاج كأنماأسيافهم خرجت من الأغماد
أوما رأيت جنابهم متدفّقاًمتوسعاً لتضايق الرّوّاد
ووجوههم للبذل من إشراقهاقد قنّعت شمس الضحى بسواد
لرأيت أو كادت جفونك أن ترىلجج البحار وآنف الأطواد
وعلمت أنهم على رغم العدىذهبوا بكل ندىً وكلّ جلاد
يا من نصغّره إذا قلنا لهملك الملوك وماجد الأمجاد
وذباب سيفك إنه قسم الوغىوالموت في ثوب من الفرصاد
لأطرزنّ بك الزمان مدائحاًتختال بين الشدو والإنشاد
تدع المسامع والقلوب لحسنهاعند الرواة تشدّ بالأصفاد
وقال فيه:
ألكني إلى آل المهلب إنهملأرفع من زهر النجوم وأثقب
إذا سلبوا الأموال من شنّ غارةأغار عليها المجتدون ليسلبوا
فلا زالت الأملاك تطلب رفدهمفتدنى وتعطى فوق ما تتطّلب
ولا برحت حمر المنايا وسودهاإلى بأسهم يوم الوغى تتحزّب
فما استمطروا للجود إلاّ تدفّقواولا استصرخوا للطّعن إلاّ تلبّبوا
إليك أمين الله في الأرض شمّرتعزيمة صبحٍ بالدّجى تتجلبب
يرى حظّه مستأخراً وهو أوّلٌوآماله مغلوبة وهو أغلب
وأنت شبابٌ للذي شاب مقبلٌإليه ووجهٌ للذي خاب ملحب
تقود أبيّات الأمور كأنّهاإليك أسارى في الأزمّة تجنب
وتطعن في صدر الكتائب معلماًكأنك في صدر الدواوين تكتب
نداؤك أملى والجياد منابرٌوأبطالها بالمشرفّية تخطب
أذمّ زياداً في ركاكة رأيهوفي قوله: أيّ الرجال المهذب
وهل يحسن التهذيب منك خلائقاًأرقّ من الماء الزلال وأعذب
تكلّم والنعمان بدر سمائهوكلّ مليكٍ عند نعمان كوكب
ولو أبصرت عيناه شخصك مرّةلأبصر منه شمسه وهي غيهب
إذا ذكرت أيامك الغرّ أظلمتتميم وقيس والرباب وتغلب
لقد صرّحوا بالمال لي وهو مبهموقد عرّضوا بالقول لي وهو موجب
ولي همةٌ لا تطلب المال للغنىولكنها منك المودّة تطلب
فإن كان قولي دون قدرك قدرهفما أنا فيه في امتداحك مذنب
إذا كانت الأشياء دونك قدرهافغير ملومٍ أن يقصّر مسهب
زياد: هو النابغة الذبياني؛ وإنما عنى قوله في اعتذاره للنعمان بن المنذر:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّهعلى شعثٍ أيّ الرجال المهذب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةًترى كل ملكٍ دونها يتذبذب
بأنّك شمسٌ والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وإنما أخذ النابغة هذا من قول شاعر من كندة قديم:
تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوالعمرو بن هند غضبةً وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم دجنٍ فأفضلتعلى كل نورس والملوك كواكب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع