من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
إبليس ينادم إبراهيم الموصلي
قال إبراهيم الموصلي: استأذنت الرشيد في أن يهب لي في كل أسبوع يوماً، أخلو فيه مع جواري، فأذن لي في يوم الأحد وقال: هو يوم أستثقله؛ فلما كان في بعض الآحاد أتيت الدار، فدخلت الحجاب ألا يأذنوا لأحد علي وأغلقت الأبواب.
فما هو إلا أن جلست حتى دخل علي شيخ حسن السمت والهيئة، على رأسه قلنسوة لاطئة، وفي رجله خفان أحمران، وفي يده عكازة مقمعة بفضة، وعليه غلالة سكب.
فلما رأيته امتلأت غيظاً، وقلت: ألم آمر الحجاب ألا يأذنوا لأحد، فسلم. فأفكرت وقلت: لعلهم علموا من الشيخ ظرفاً وهيئة، فأحبوا أن يؤنسوني به في هذا اليوم؛ فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال: يا إبراهيم ألا تغنيني صوتاً؟ فامتلأت عليه غيظاً ولم أجد إلى ردة سبيلاً؛ لأنه في منزلي، وحملته منه على سوء أدب العامة؛ فأخذت العود وضربت وغنيت ووضعت العود. فقال لي: لم قطعت هزارك؟ فزادني غيظاً، وقلت لا يسيدني ولا يكنيني ولا يقول: أحسنت! فأخذت العود فغنيت الثانية، فقال لي: أحسنت، فكدت والله أشق ثيابي، فغنيت تمام الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال: ناولني العود، فوالله لقد استجابه، فوضعه في حجره، ثم جسه من غير أن يكون ضرب بأنملة، فوالله لقد خلت زوال نعمتي في حبسه، ثم ضرب وغنى:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجدلقد زادني مسراك وجداً على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضّحىعلى فنن غضّ النبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكنجليداً وأبديت الذي لم أكن أُبدي
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنايملّ وأنّ النأي يسلي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بناعلى أن قرب الدار خيرٌ من البعد
فوالله لقد خلت كل شيء في الحضرة يتغنى معه حتى الأبواب والستور، ثم ضرب وغنى:
ألا يا حمامات اللّوى عدن عودةًفإني إلى أصواتكنّ حزين
فعدن فلما عدن كدن يمتننيوكدت بأسراري لهنّ أُبين
دعون بترداد الهدير كأنماشربن حميّا أو بهنّ جنون
فلم تر عيني مثلهنّ حمائماًبكين ولم تدمع لهنّ عيون
ثم ضرب وغنى:
قفا ودعا نجداً ومن حلّ بالحمىوقلّ لنجدٍ عندنا أن يودّعا
وأذكر أيام لحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجعإليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وأعذر فيها النفس إن حيل دونهاوتأبى إليها النفس إلاّ تطلّعا
فوالله لقد تغنى كل شيء معه بالحضرة، حتى النمارق والوسائد وقميصي الذي على بدني؛ فقال: يا أبا إسحاق! هذا الغناء الماخوري، تعلمه وعلمه جواريك، ثم وضع العود من حجره وقام إلى الدار فلم أره، فدفعت أبواب الحرم فإذا هي مغلقة؛ فقلت: ويحكن هل سمعتن ما سمعت، أو رأيتن ما رأيت؟ قلن: نعم! سمعنا وأعدن الأصوات علي وقد لقنها؛ فسألت الحجاب عن الرجل؛ فقالوا لي: لم يدخل عليك أحد حتى يخرج، فأمرت بدابتي فأسرجت، فركبت من فوري إلى دار الخليفة واستأذنت؛ فلما رآني قال: ألم تنصرف آنفاً على نية المقام في منزلك والخلوة بأهلك؛ قلت: يا سيدي؛ جئت بغريبة؛ وقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها، فضحك حتى رفع الوسائد برجليه، وقال لي: كان نديمك اليوم أبو مرة، وددت أنه لوم متعنا بنفسه كما متعك.
واشتهر إبراهيم بهذا الطريق، واشتهته الناس فلم تبق جارية لقنته من إبراهيم إلا زيد في ثمنها؛ قال اللاحقي:
لا جزى الله الموصليّ أبا إسحاق عنّا خيراً ولا إحسانا
جاءنا مرسلاً بوحيٍ من الشيطان أغلى به علينا القيانا
من غناءٍ كأنه سكرات الحب يصغي القلوب والآذانا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع