تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

السماع وما ينبغي له من الشعر

قلت أنا: وليت شعري إذا كان السماع داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي ينهكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، المنقذ له من الكرب، الداخل عليه من غير تعب، والوارد إليه بغير نصب، وقد قال أرسطا طاليس: لما حددنا المنطق وجدنا فيه ما لا يبلغه اللسان إلا آلة، فركبنا العود على الطبائع، لاستخراج تلك الودائع، فلما قابلت النفس استماع ما ظهر منه عشقته بالعنصر.

وقالوا: كل شراب بلا سماع الدن أولى به؛ فما باله لا تستخرج له الأشعار الرقيقة، ذات المعاني الدقيقة الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في الأبيات الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات الجيوش والمقانب، والغارات والكتائب، والأحزان والمصائب؛ فلأن يسمع من كان ثملاً جذلاً:

ظفرت بقبلةٍ منه اختلاساًوكنت من الرقيب على حذار
ألذّ من الصبوح على غمامٍومن برد النسيم على خمار
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

أحب إليه من أن يسمع:

إنّ السنان وحدّ السيف لو نطقالحدّثا عنك يوم الروع بالعجب
أنفقت مالك تعطيه وتبذلهيا متلف الفضّة البيضاء والذهب

إلا أن يكون سامعه كمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ هذا على أن هذا الشعر ليس بتحسين الحظ في فصاحة اللفظ، ولا قاصر المرمى عن إدراك المعنى، كقول مروان بن صرد أخي أبي بكر بن صرد في يزيد بن يزيد فيه يقول:

أما أبوك فأندى العالمين يداًوكان عمّك معنٌ سيد العرب
عيدانكم خير عيدان وأطيبهاعيدان نبع وليس النبع كالغرب
وإنكم سادةٌ أوليتم حسباًوأنتم قالةٌ للشّعر والخطب

ولكن لكل مكان ما يليق بموضعه، ويحسن بموقعه؛ فأشبه أوقات اللهو والشراب، ذكر التغزل بالأحباب.

وقد قال بعض البلغاء: لولا العشق والهوى، لم توجد لذة الصبا، ولم يكن الطرب والغناء، ولنقص نعيم أهل الدنيا.

وكان ابن الرومي يقول: لو ملكت الأمر وأدركت ملحن هذا الشعر لقتلته:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر جرماً منك ضرّج بالدّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
رمى ضرع ناب فاستمرت بطعنةٍكحاشية البرد اليمانيّ المسهّم

وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوماً إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير المأموني، فكرهت ذلك، ورأى الكراهة في وجهي. فقال: يا ثمامة، ما لك؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنا إذا غنانا عمير ذكر مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا غنتنا فلانة انبسط أملي، وقوي جذلي، وانشرح صدري، وذكرت الجنان. كم يا أمير المؤمنين بين أن تغنيك جارية غادة، كأنها غصن بان، بمقلة وسنان، كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من درة، بشعر عكاشة العمي:

من كفّ جاريةٍ كأنّ بنانهامن فضّةٍ قد طرّزت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بهاتلقي على يدها الشمال حسابا

وبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير:

رأيت زهيراً تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
للشاعر ورقاء بن زهير، من قصيدة «رأيت زهيراً تحت كلكل خالد»

وكم بين من يحضرك من تشتهي النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتبسم المأمون. وقال: إن الفرق لواضح، وإن المنهج لفسيح، يا غلام؛ لا تأذن له! وأحضر قينة. قال: فظللنا في أمتع يوم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من ملح البخلاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.