من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بين أبي فراس وسيف الدولة
وكتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد سار إلى منزله: كتابي أطال الله بقاء الأمير من منزلي، وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر وفراً وشكراً؛ فاستحسن سيف الدولة بلاغته فقال:
هل للفصاحة والسماحة والعلا عنّي محيد
في كل يوم استقيد من العلاء وأستفيد
ويزيد فيّ إذا رأيتك في الندى خلقٌ جدي
وأهدى الناس إلى سيف الدولة في بعض الأعياد فأكثروا؛ فاستشارهم أبو فراس فيما يهديه إليه، فكل أشار بشيء، فخالهم وكتب إليه:
نفسي فداؤك قد بعثت بمهجتي بيد الرسول
أهديت نفسي، إنمايهدى الجليل إلى الجليل
وجعلت ما ملكت يديبشرى المبشّر بالقبول
ووقع بين أبي فراس وبين بني عمه عداء وهو صغير؛ فمزح سيف الدولة معه بالتعصب عليه فقال:
قد كنت عدّتي التي أسطو بهاويدي إذا خان الزمان وساعدي
فرميت منك بضدّ ما أمّلتهوالمرء يشرق بالزّلال البارد
فصبرت كالولد التقيّ لبرّهأغضى على مضضٍ لضرب الوالد
وقال يفخر:
لنا بيتٌ على طنب الثريابعيد مذاهب الأكناف سامي
تظلّله الفوارس بالعواليوتفرشه الولائد بالطعام
وقال يصف السبي.
وخريدة كرمت على آبائهاوعلى بوادر خيلنا لم تكرم
خطبت بحدّ السيف حتى زوّجتكرهاً وكان صداقها للمقسم
راحت وصاحبها بعرس حاضرٍيرضي الإله وأهلها في مأتم
وقال:
ما كنت مذ كنت إلاّ طوع خلاّنيليست مؤاخذة الخلاّن من شاني
يجني الصديق فأستحلي جنايتهحتى أدلّ على عفوي وإحساني
ويتبع الذّنب ذنباً حين يعرفنيعمداً فأُتبع غفراناً بغفران
يجني عليّ فأحنو صافحاً كرماًلا شيء أحسن من حانٍ على جان
وقال:
فوالله ما أضمرت في الحبّ سلوةًووالله ما حدّثت نفسي بالصبر
وإنك في عيني لأبهى من الغنىوإنك في قلبي لأحلى من النّصر
فيا حكمي المأمول جرت مع الهوىويا ثقتي المأمون جرت مع الدهر
وقال:
سكرت من لحظه لا من مدامتهوما بالنوم عن عيني تمايله
وما السّلاف دهتني بل سوالفهولا الشّمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بصبري أصداغٌ لوين لهوغلّ صدري ما تحوي غلائله
وقال:
وظبي غرير في فؤادي كناسهإذا كنست عين الفلاة وحورها
فمن خلقه لبّاتها ونحورهاومن خلقه عصيانها ونفورها
وقال:
ألزمني ذنباً ولا ذنب ليولجّ في الهجران والعتب
أُحاول الصبر على هجرهوالصبر محظورٌ على الصبّ
من لي بكتمان هوى شادنٍعيني له عينٌ على قلبي
عرّضت صبري وعلوّي لهفاستشهدا في طاعة الحبّ
وقال:
لبسنا رداء الليل، والليل راضعٌإلى أن تردّى رأسه بمشيب
وبتنا كغصني بانةٍ عطفتهمامع الصبح ريحاً شمألٍ وجنوب
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنّهمبادي نصولٍ في عذار خضيب
فيا ليل قد فارقت غير مذمّمويا صبح قد أقبلت غير حبيب
وقال:
قل لأحبابنا الجفاة رويداًدرّجونا على احتمال الملال
إنّ ذاك الصدود من غير جرمٍلم يدع في موضعاً للوصال
أحسنوا في هواكم أو أسيئوالا عدمناكم على كلّ حال
وقال:
ومغضٍ للمهابة عن جوابيوإنّ لسانه العضب الصقيل
أطلت عتابته عنتاً وظلماًفدمّع ثم قال: كما تقول
وقال:
بتنا نعلّل من ساقٍ أغنّ لنابخمرتين من الصهباء والخدّ
كأنّه حين أزكى نار وجنتهسكراً وأسبل فضل الفاحم الجعد
يعدّ ماء عناقيد بطرّتهبماء ما حملت خدّاه من ورد
وقال:
أيا سافراً ورداء الخجلمقيمٌ بوجنته لم يزل
بعيشك ردّ عليك اللثامأخاف عليك جراح المقل
فما حقّ حسنك أن يجتلىولا حقّ وجهك أن يبتذل
أمنت عليك صروف الزمانكما قد أمنت عليّ الملل
وقال:
لا غرو إن فتنتك بالألحاظ فاترة الجفون
فمصارع العشاق مابين الفتور إلى الفتون
اصبر فمن سنن الهوىصبر الضنين على الضنين
وقال:
سقى ثرى حلب، ما دمت سانهايا بدر، غيثان منهلٌّ ومنبجس
كأنّما البدر والولدان موحشةوربعها دونهنّ العامر الأنس
أسير عنها لأمرٍ ما فيزعجنيحتى يعود إليها الخدّر الكبس
مثل الحصاة التي يرمى بها أبداًإلى السماء فترقى ثم تنعكس
وقال أبو فراس في رسول ملك الروم إذ جاء يطلب الهدنة، فأمر سيف الدولة بالركوب بالسلاح، فركب من داره ألف غلام مملوك بألف جوشن مذهب على ألف فرس عتيق بألف تجفاف، وركب الناس والقواد على تبعيتهم وسلاحهم وراياتهم، حتى طبق الجيش جبل جوشن وما حوله. فقلت:
علونا جوشناً بأشد منهوأثبت عند مشتجر الرماح
بجيش جاش بالفرسان حتّىظننت البرّ بحراً من سلاح
فألسنةٌ من العذبات حمرتخاطبنا بأفواه الرياح
وأروع جسمه ليلٌ بهيمٌوغرّته عمودٌ من صباح
صفوحٌ عند قدرته كريمٌقليل الصّفح ما بين الصفاح
كأن ثباته للقلب قلبٌوهيبته جناحٌ للجناح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع