تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من حياة المهلبي

والمدح في أبي محمد المهلبي كثير، وإنما يؤخذ من كل شيء ما اختير. وكان قبل تعلقه بحبل السلطان سائحاً في الأرض على طريق الفقر والتصوف. قال أبو علي الصوفي: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في بعض طرقاته؛ فضجر لضيق الحال، فقال:

ألا موتٌ يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا رحم المهيمن روح حرّتصدّق بالوفاة على أخيه

قال: فاشتريت له رطل لحم وطبخته له. ثم تصرف بنا الدهر وبلغ المهلبي مبلغه؛ قال أبو علي: فاجتزت البصرة واجتزت بأسلمان، فإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيارات في عدة وعدة. فقلت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير أبي محمد المهلبي، فنعتوا لي صاحبي، فتوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت رقعة واحتلت حتى دخلت، فسلمت وجلست، حتى إذا خلا المجلس رفعت إليه الرقعة، وفيها:

ألا قل للوزير بلا احتشاممقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر أن تقول لضيق عيشٍألا موتٌ يباع فأشتريه

فنظر إلي، وقال: نعم! ونهض وأنهضني معه في مجلس أنسه، وجعل يذكر لي كيف توافت حاله؛ وقدم الطعام فأطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر، ومع آخر تخوت وثياب رفيعة، ومع آخر طيب وبخور؛ وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال لي: يا أبا علي؛ تفضل بقبول هذه، ولا تتأخر عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت؛ فلما هممت بالخروج من الباب استردني وأنشدني بديهاً:

رقّ الزمان لفاقتيورثى لطول تحرّقي
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فأنالني ما أرتجيوأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له القديم من الذنوب السّبّق
إلاّ جنايته لمافعل المشيب بمفرقي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من ملح البخلاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.