سَــقَــامٌ مـا يُـصَـابُ له طَـبـيـبُ
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَــقَــامٌ مـا يُـصَـابُ له طَـبـيـبُ — وأَيــامٌ مَــحَــاسِــنُهَــا عُــيُــوبُ
ودهـرٌ ليـس يَـقْـبـلُ مـن نَـصِـيْحٍ — كـمـا لا يَـقـبلُ التَّأْدِيْبَ ذِيبُ
يُـحَـبُّ على المَصَائبِ والرزايا — فـلا كـانَ المُحِبُّ ولا الحَبيبُ
أَلا لا تَـدْنُ مـن أَربي وخَالبْ — رجــالاً يَــســتـفـزُّهـمُ الخَـلُوبُ
خَـفِـيـتَ عـليـهـم والسُّمـُ يُـخفى — مَـرارةَ طَـعْـمِهِ العَـمَلُ المَشُوْبُ
ومــغــرورٍ بـوصْـلكَ ليـسَ يَـدْري — مـتـى يُـدعـى بِهِ ومـتـى يُـجـيبُ
يَـظُـنُّ العـيـشَ ليـس يَـضُرُّ يوماً — اذا مــا ســرَّ والبـلوى ضُـرُوبُ
نـظـرتُ فـمـا أرَى الاَّ غَـفُـولاً — يَــمُـدُّ رَجَـاءَهُ الطَّمـَعُ الكَـذُوبُ
أَبــعـدَ الأَريـحـيِّ أَبـي شُـجـاعٍ — يُـسَـرُّ بـعـيـشـهِ الفَطِنُ اللبيبُ
وقـد مـلكَ البلادَ وما أَديرتْ — عـليـه الشّـمـسُ تطلُعُ أَو تَغِيبُ
رأَيــتُ جـنـودَه لم تـغـن عـنـه — وقـد جَـعَـلَتْ بـوفـرتـهـا تَـثُوبُ
دَعَـاهُـم وهـي تَـصْـعَـدُ في حَشَاهُ — فما نَفَعَ البعيدُ ولا القَريبُ
ولا مــا جــمَّعـَتْ مـن كـل وفـرٍ — يــداه والمـنـونُ لهـا نَـصِـيـبُ
يَـعِـزُّ عـليَّ أَنْ تَـنْـقَـادَ طَـوعـاً — وأنـتَ لكـلِّ مـا جَـدَحُـوا شَـرُوبُ
يَـرِقُّ عـليـكَ مَـنْ قَدْ كانَ يَخْشَى — ذُبــابَــكَ انَّ ذا عَــجَـبٌ عَـجـيـبُ
فـمـا عَـلِمَ المُـنَجّمُ حين يَقضي — بِـبُـرئكَ مـا تُـجَـمْـجِمُهُ الغُيُوبُ
ولا عَـرَفَ الطـبـيـبُ دواءَ داءٍ — سَــواءٌ أَنــتَ فــيـه والطـبـيـبُ
غَـداةَ يـقـول انَّ السـقـمَ رَكـضٌ — وانَّ البــرءَ مــمــشــاهُ دَبِـيـبُ
تَـجـرأتِ الحَـوادثُ واسـتَـطَـالَتْ — عـليـنـا بـعـد فُـرْقَتِك الخُطُوبُ
وَجَــاهَـدْنـا العـدوَّ فـكـلُّ يـومٍ — عــليـنـا مـنـه نـائبـةٌ تَـنُـوبُ
ومـا تـنـفـكُّ تَـسـمـعُ مـن غـبـيٍّ — مَـقَـالاً كـانَ بـرهـبـه الخطيب
لعـمـر أبـي لقـد سـكـنت وقرت — قـلوب كـان يـألفُهـا الوَجِـيـبُ
ونـامـت أَعـيـنٌ كـانَ التَّغـاضِي — يـريـبُ جُـفُـونَهـا فـيـمـا يرِيبُ
عَـرَفْـنَ النـومَ مَـضْـمَـضَةً وَمَذْقاً — فــقــد أَلَوى بِهـنَّ كَـرىً غَـرِيـبُ
كـرى يـزدادُ فيه الطيفُ وهناً — ولا واشٍ عــليــه ولا رَقــيــبُ
كــفــى حُـزنـاً بـأنَّكـَ كـلَّ يـومٍ — يَــؤُوبُ الغــائبـونَ ولا تَـؤُوبُ
بــأَرضٍ صِــرْتَ جــارَ أَبـي تُـرَابٍ — بـهـا وكـلاكُـمـا فـيـهـا غَريبُ
فــلا سـئمَ الغَـريَّ وسـاكـنـيـه — مــن الأنــواءِ سَـارِيَـةٌ سَـكُـوبُ
تُـفـرقُهـا الشَّمـالُ اذا أَراقَتْ — مَـدَامِـعَهـا وتَـجـمـعهَا الجَنُوبُ
أُسَــرُّ بــأَنْ تـجـادَ عـليـكَ أَرْضٌ — عِـظـامُـكَ تَـحْـتَ جـامـدِهـا تَذُوبُ
وأَفــرحُ بــالريـاحِ ولا ركـودٌ — يُــحِــسُّ بــه صَــداكَ ولا هُـبُـوبُ
عـسـى اليومَ الذي غاداكَ منَّا — قــريــبٌ كــلمــا يـأتـي قَـريـبُ
فَـبـعْـدَكَ وُشِّيـَتْ حُـلَلُ المَـراثي — وَعُــطــلتِ المــدائحُ والنَّسـِيـبُ
وأُعـفـيـتِ السَّوابـقُ فاستَراحَت — ونـامـتْ بـعـدَ يَقْظَتِهَا الحُروبُ
جَـيـادُكَ فـي الريـاضِ مُـعَـطَّلاتٌ — جَـفَـاهَا السيرُ بعدَكَ واللغُوبُ
فـلا مـضـغ الشـكيم لها قضيم — ولا شــم الجـنـوب لهـا ذَنـوبُ
وكــنَّ بِــمُــعْــضِـلاتِـكَ كـلَّ يـومٍ — على الأَعداءِ تجلبها الجَلُوبُ
تُـقـاد الى الركـابِ مُـجـنَّبـاتٍ — ومـا لهـوانـهِ قِـيْـدَ الجَـنِـيـبُ
وقـد أكـلتْ سنابكَهَا المَوامى — فـلان المـشـيُ مـنها والدَّبيبُ
مـقـاعـدُ فـتـيـةٍ هجروا كَراهُمْ — الى أَنْ يُـدرِكَ التِّرَةَ الطَّلـُوبُ
أَحُـرِّمـتِ المـضـاجـعُ أَمْ أُضِـيعَتْ — أمِ الفـتـيـانُ ليـس لهم جُنُوبُ
كـأَنـهـم عـلى فِـقَـرِ المـطـايا — أَنــابــيــبٌ تُـسـانـدُهـا كُـعُـوبُ
ذكـرتُ فـليـسَ يُـنْـسِـيـنـيِكَ شيءٌ — وهـل يَـنْـسَـى تَـجَـارِبَهُ اللبِيبُ
عـلى حـينَ استلانَ القومُ مَسِّي — وأَعـلنَ فـي وجـوهِهـم القُـطُـوبُ
ومـا لكَ مـن اباءِ الضيمِ حَامٍ — اذا لم يَـحْـمِكَ الأنِفُ الغَضُوبُ
أَلاَ يـا عـيـنُ فـاحْتَفِلي عليهِ — وانْ قَـرِحَـتْ جُـفُـونُـك والغُـروبُ
ويـا دُرَراً غَـسَـلْنَ سَـوادَ عيني — كـذاكَ بِـلِمَّتـي صـنـعَ المَـشِـيـبُ
فـان أَكُ قـد جَـزعْـتُ وسُـرَّ قَـومٌ — بــأَنــي للنَّوائِبِ مُــســتَــجـيـبُ
فـلي نـفـسٌ عـلى الزفراتِ باقٍ — وصـبـرٌ ليـس تـفـنـيـهِ الكُـرُوبُ
وقــد تَـتَـأَوَّدُ الصُّمـُ العَـوالي — كـمـا يَـتَـأَوَّدُ الغُـصْـنُ الرَّطِيبُ
كَـعُـودِ النـبـعِ يُحْسَبُ فيه أَينٌ — وَتَــحْــتَ لِحَــائِهِ مــتــنٌ صَـلِيـبُ
بـتـاجِ المـلَّةِ اقـتَسَرَتْ دموعي — وأَسـرعَ فـي تَـجـمّـلِيَ النَـحـيـبُ
حـفـظْـتُ له يَـداً خَـطَـبَتْ ثَنائِي — وَشُــمُّ الهُـضْـبِ دونـي والسُّهـُوبُ
وقـولُ الكـاشِـحـينَ وقد عَصَاهُمْ — فـتـى يُـصـغـي لقـولك أو تُنيبُ
فَـخَـالَفَهُـمْ مـعـيـدُ النَّفْثِ رَاقٍ — بــه وبــمــثــلهِ خُـدِعَ الأَريـبُ
أُمـورٌ لا يُـخـاطِـرُ فـي هَـواهَا — بِـــسَـــورَةِ عِــزَّةٍ الاّ نَــجِــيــبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخلوب: الخَلُوبُ : الخادِع بلطيف الكلام؛ هُو وهي خَلُوبٌ.
- الطمع: طمع: الطَّمَعُ: ضِدُّ اليَأْسِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَلَّمْنَ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وأَنَ اليَأْسَ غِنًى. طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ طَمَعاً وطَماعةً وطَماعِيةً، مخفَّف، وطَماعِيَّةً، فَهُوَ …
- الكذوب: الكَذوبُ : الكذّابُ، الكثير الكذب الذي لا يقول الصدق؛ (إنْ كنت كَذوبًا فَكُنْ ذكورًا) ج كُذُبٌ.
- المشوب: المَشُوبُ : مفعـ. ـ: الذي خالطه شيءٌ آخر؛ هذا اللَّبن مَشُوبٌ بالماء.
- بوصلك: وصل: وَصَلْت الشَّيْءَ وَصْلًا وَصِلَةً، والوَصْلُ ضِدُّ الهِجْران. ابْنُ سِيدَهْ: الوَصْل خِلَافُ الفَصْل. وَصَلَ الشيءَ بِالشَّيْءِ يَصِلُه وَصْلًا وَصِلَةً وصُلَةً؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ جِنِّي، قَالَ: لَا أَدري أَمُطَّ …