يا عاتباً وعتابُه افْرَاقُ
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف القاف، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا عاتباً وعتابُه افْرَاقُ ... ما هكذَا يَتَحَاسبُ العُشَّاقُ
ما كِدتُ اعرفُ عيبَ من احببتُهُ ... حتى سلوتُ فصرتُ لا أَشْتَاقُ
واذا افاقَ الوجدُ وأَندَمَلَ الهَوى ... رأَتِ القــــلوبُ ولم ترَ الأَحدَاقُ
سَقياً لعيشٍ بالمَطِيْرَةِ غافِلٍ ... لم ينسِنيهِ الأَسرُ والاطْلاقُ
ومسارحِ الالحاظ بينَ حَدائِقٍ ... يستنُّ فيها ماؤُها الرَقْرَاقُ
وهَواجرٍ اظلالُهنَّ صَفيقَةٌ ... ونــــواســــمٍ أَنــــفــــاسَهُنَّ رِقَاقُ
وعلى الغُصونِ من الحَمامِ هواتفٌ ... يَصْدَحْن في اعناقِها الاطْوَاقُ
عَجباً عجبتُ لمن تَضيقُ فِجاجُهُ ... والشَّاــــمُ شــــامٌ والعراقُ عِرَاقُ
طيَّانَ يلصقُ بالحَصِيْرِ حصيرَه ... شرُّ المهادِ العَجزُ والامْلاقُ
حَاولْ جَسيماتٍ الامور ولا تَقُلْ ... انَّ المــــحــــامدَ والعُلا أَرزَاقُ
وارغبْ بنفسكَ أَنْ تكونَ مقصراً ... عن غايةٍ فيها الطِلابُ سبَاقُ
لا تَشفِقنَّ فانَّ يومكَ انْ أَتى ... مِيْقَاتُهُ لم ينفعِ الاشفَاقُ
واذا عَجَزْتَ عن العَدُوِّ فَدَارهِ ... وامـــــزج له انَّ المِـــــزَاج وِفَــــاقُ
فالنارُ بالماءِ الذي هو ضِدُّهَا ... تُعطِي النضاجَ وطبعُها الاحْرَاقُ
بأَبى وأُمى من حَلا في ناظرِي ... من بَيْنَهِنَّ وللعيونِ مَذَاقُ
يا مَنْ يُعَلّلُ نفسَهُ بلقائِنا ... يَفنى الحنينُ ويُذْهَلُ المُشَاقُ
لا كانَ آخِرَ عهدِكم ووصالِكم ... يومَ التَّفرُّقِ وَقْفَةٌ وعِنَاقُ
بينى وبينكم بلادٌ أهلُها ... عُوذُ النِّعاجِ سِلاحُها الأَروَاقُ
فيها البديلُ من الأوانس كالدُّمى ... عينُ المها ومن النِّعَاجِ نِيَاقُ
أُزجي بها قُلُصاً سُيُورُ رحالِها ... ونِعَالِها وسِجَالِها ارباقُ
تعتادها بعدَ القيادِ سَلاهبٌ ... من آل أَعوجَ والصريحِ عِتَاقُ
يَرقُمنَ بالبيداءِ كلَّ مضلّةٍ ... بسنابِكٍ آثارُهُنَّ حِقَاقُ
وعلى المَخَارم والصُوى من وَقْعِهَا ... مُلُسُ الجَلامِدِ والحَصى افْلاَقُ
وكــــأَنــــهــــنَّ صَوارمٌ هِنديةٌ ... يَسْتَلُّها من ليلهِ الاشْرَاقُ
وركبتُ بعدَكم السَّفينَ مُدَبِّراً ... لي من نواتِئِهِ النَّبيطِ رفَاقُ
أَنْمى الى شَرفِ الرجاءِ واحتمى ... بأجلِّ من تُنمى بهِ الأعْرَاقُ
وأَزوُر في دارِ الخِلافةِ مَنْزلاً ... كــــلُّ البــــلادِ لِرّبِّهــــِ رُسْــــتَــــاقُ
تَرمى بنا الهِمَمُ العظامُ الى الذي ... تَرمى اليهِ بأهلها الآفَاقُ
بالقادرِ المُعْطى أَزَمَّةَ أمرِنا ... عادتْ الى عيدانِها الاورَاقُ
ومَحى الالهُ به الضَّلالةَ والعَمىَ ... وشَفى قلوباً حَشْوُهُنَّ نِفَاقُ
ملك تضيقُ به الخيامُ فماله ... الا ظِــــلالُ المُــــرهَــــفــــاتِ رُوَاقُ
يُخْشَى تَباعُدُهُ ويُرهَبُ قُربُهُ ... ويُهابُ منه اللحْظُ والاطْرَاقُ
في كفِّهِ السيفُ الذي يُحَيي به ... ويُميتُ فهو السَمُّ والدِّرياقُ
ياأيها الملكُ الذي عن أَمْرِهِ ... تَـــــتَـــــصَــــرفُ الآجــــالُ والارْزَاقُ
بعداتكَ الارعادُ والابْرَاقُ ... ولكَ الصَّوارمُ والدَّمُ المُهْــــــــــرَاقُ
ولكَ النبوةُ والخِلافةُ والهُدَىٍ ... كل الفضَائلِ غيرهنَّ دِقَاقُ
فُتحتْ ثغورُ بنى الأُصيفرِ عَنْوَةً ... وبيمْنِ جَدِّك تُفتحُ الأغْلاقُ
أَبشرْ أَميرَ المؤمنينَ فانَّه ... قمرٌ بدا والبدرُ فيه مُحَاقُ
من بعدِ ما عَنَتِ البلادُ وأَذْعَنَتْ ... طاعاتُ أَهلِ الأَرضِ وهي شِقَاقُ
ما كانَ فيهم للاسنَّةِ مَطْمَعٌ ... حتّى استَطارَ لواؤُكَ الخَفَّاقُ
ورأى مساهمُك الكريهةَ أَنَّهُ ... لم ينجُ منكَ تَوقُّرٌ ونِزَاقُ
ولَّوا بهم ما بالقَنا من أَفكَلٍ ... لكـــــنَّ ذا خـــــبـــــبٌ وذاكَ وثـــــاقُ
وكأنَّما تلكَ الظُّبى باكفِّهمْ ... فيهم وذاكَ النزاعُ والاغْرَاقُ
عَلِقَتْ باسهُمِها القِسيُّ كأَنما ... أَوتــــارُهــــا لرقــــابِهم أَرْهَاقُ
لو يُنصتُونَ الى العلا قالتْ لهم ... انَّ الفِرارَ من الحِمامِ ابَاقُ
عاداتُ ربكَ في العدوِّ اذا طغَى ... ودمٌ بــــكــــفــــكَ لا يَزالُ يُرَاقُ
ونصرتَ قوماً ليس بينَ نفوسِهم ... وفُواقها بدمِ القُلوبِ فَواقُ
ايامُ ابناءِ الديالمِ بينَهم ... كأسٌ تُدارُ من المَنُونِ دِهَاقُ
بكَ بعد ما رجفت قواعدُ عزِّها ... ثَبَتَتْ وقامتْ بالخلافةِ سَاقُ
انْ ضَلَّ رأيُهم فانتَ شِهابُهم ... وثِــــمــــالُهــــم انْ عَــــزَّتِ الأورَاقُ
واليكَ مفزعُهم اذا باقَتْهُمُ ... بالشرِّ بائقةٌ وضاقَ خِنَاقُ
ضَمِنَ الحمايةَ والكفايةَ ماجدٌ ... فيهِ الشجاعةُ والندى اخلاقُ
وأجَارنا حينَ الجوارُ غنيمةٌ ... مـــــاضٍ عـــــلى غــــلوائِه سَــــبَّاــــقُ
مَنْ عنده الذِممُ المضاعةُ عندَهم ... محفوظةٌ والعَهدُ والميثَاقُ
وُصِلَتْ حبالُ عَطائِهِ بوفائِهِ ... وبمثلها فليعلَق العلاقُ
يعتاضُ من قدرى بما هو دونهِ ... والدر ليس يشينُه الانفاقُ
ما فيَّ الاَّ أَنْ يقالَ حميةٌ ... سَبَقَتْ ذُبابَ السيفِ ليس تُطاقُ
لا أَطمئِنُ ولا أَتوقُ الى هَوىً ... ولكل حَيٍّ في الحياةِ مَتَاقُ
واعيش بالبَلَلِ الذي لو أَنَّهُ ... دَمْــــعٌ لما رَويَتْ بهِ الآمَاقُ
وَيَزِيدُني عُدْمُ الدَّراهمِ عِفَّةً ... وعلى الدَّراهِمِ تُضربُ الأَعنَاقُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- احببته: حبب: الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ. وحُكِي عَنْ خَالِدِ بْنِ نَضْلَة: مَا هَذَا الحِبُّ الطارِقُ؟ وأَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَ … (لسان العرب)
- اظلالهن: ظلل: ظَلَّ نهارَه يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا يَظَلُّ ظَلًّا وظُلُولًا وظَلِلْتُ أَنا وظَلْتُ وظِلْتُ، لَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِي النَّهَارِ لَكِنَّهُ قَدْ سُمِعَ فِي بَعْضِ الشِّعْرِ ظَلَّ لَيْلَه، وظَلِلْت أَعْمَلُ كَذَا … (لسان العرب)
- اعناقها: عنق: العُنْقُ والعُنُقُ: وُصْلة مَا بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُمْ عُنُق هَنْعَاءُ وعُنُق سَطْعاءُ يَشْهَدُ بِتَأْنِيثِ العُنُق، وَالتَّذْكِيرُ أَغلب. يُقَالُ: ضَرَب … (لسان العرب)
- افراق: فرق: الفَرْقُ: خِلَافُ الْجَمْعِ، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً وفَرَّقه، وَقِيلَ: فَرَقَ لِلصَّلَاحِ فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْريقاً، وانْفَرَقَ الشَّيْءُ وتَفَرَّق وافْتَرقَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: لَا يُفَرَّقُ بَيْ … (لسان العرب)
- الاطواق: طوق: الطَّوْقُ: حَلْيٌ يُجْعَلُ فِي الْعُنُقِ. وَكُلُّ شَيْءٍ اسْتَدَارَ فَهُوَ طَوْقٌ كطَوْق الرَّحى الَّذِي يُدِير القُطْب وَنَحْوِ ذَلِكَ. والطَّوْقُ: واحدُ الأَطْواق، وَقَدْ طَوَّقْتُه فتَطَوَّقَ أَي أَلبسته الطَّوْق … (لسان العرب)
- الالحاظ: لحظ: لحَظَه يَلْحَظُه لَحْظاً ولَحَظاناً ولَحَظَ إِليه: نَظَرَهُ بمؤخِرِ عينِه مِنْ أَيّ جَانِبَيْهِ كَانَ، يَمِينًا أَو شِمَالًا، وَهُوَ أَشدّ الْتِفَاتًا مِنَ الشزْر؛ قَالَ: لَحَظْناهُمُ حَتَّى كأَنَّ عُيونَنا ... بِهَ … (لسان العرب)