من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الكلام الجامع
من رام رشد أخي غي هدى واتىكلامه جامعا للصدق لا التهم
الكلام الجامع هو عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت يكون جملته حكمة، أو موعظة، أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال. هكذا قال غير واحد من البديعيين. وقال الطيبي في التبيان: هو أن يحلي المتكلم كلامه بشيء من الحكمة والموعظة، وشكاية الزمان والإخوان، وهذا اعم من الأول........
تعلم يا فتى والعود رطبوطينك لين والطبع قابل
فأن الجهل واضع كل عالوأن العلم رافع كل خامل
فحسبك يا فتى شرفا وعزاسكوت الحاضرين وأنت قائل
ومنها ما كتب به الصاحب بهاء الدين الجويني إلى ابنه شمس الدين:
بني اجتهد في اقتناء العلومتفز باجتناء ثمار المنى
ألم تر في رقعة بيدقاإذا جد في سيره فززنا
فأجدادنا الغر قد أسسوامن المجد شم المباني لنا
فأن لم نشدها بمجهودناسينهار والله ذاك البنا
وقول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضاما كان يعرف طيب عرف العود
وقول الآخر:
من عاشر الشرفاء شرف قدرهومعاشر السفهاء غير مشرف
فانظر إلى الجلد الحقير مقبلابالثغر لما صار جار المصحف
وقول ابن الرومي:
وما الشرف الموروث لادّر درّهبمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبةمن المثمرات اعتده الناس في الحطب
وقول التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمةلمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهموطولهم في المعالي لا بطولهم
وقول أبي فراس:
كانت مودة سلمان لهم نسباولم تكن بين نوح وابنه رحم
وقول الآخر:
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاعلى طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياتمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقول الآخر:
على المرء أن تسعى لما فيه نفعهوليس عليه أن يساعده الدهر
فأن نال بالسعي المنى تم أمرهوأن عرض المقدور كان له عذر
وقول الآخر:
غرست غروسا كنت أرجو لقاحهاآمل يوما أن تطيب جناتها
فأن أثمرت لي غير ما كنت آملافلا ذنب لي أن حنظلت نخلاتها
وقول الآخر:
حاول جسيمات الأمور ولا تقلأن المحامد والعلى أرزاق
فارغب بنفسك أن تكون مقصرافي غاية فيها الطلاب سباق
وقول العتابي يخاطب محبوبته:
تحبين أني نلت ما نال جعفرمن الملك أو نال يحيى بن خالد
فقالت: نعم، فقال:
وأن أمير المؤمنين أحلنيمحلهما بالمرهفات البوارد
فقالت: لا، فقال:
دعيني ميتتي مطمئنةولم أتجثم هول تلك الموارد
فأن جسيمات الأمور منوطةبمستودعات في بطون الأساود
هذه جملة ما أورده الطيبي من أمثال الحكمة، ونزيد نحن عليها فنقول: منها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه، بعد أن قال له: يا بني إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستقثلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله أجود منك. واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك.
ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فانيسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا
والعلم زين وتشريف لصاحبهفاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدبحتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخي عي وطمطةفدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
في بيت مكرمة آباؤه نجبكانوا رؤوسا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أربنال المعالي بالآداب والرتبا
أضحى عزيزا عظيم الشأن مشتهرافي خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاذ لهنعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع ما لا ثم يسلبهعما قليل فيلقى الذل والحربا
وحامل العلم مغبوط به أبداولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعهلا تعدلن به درا ولا ذهبا
وقول الآخر:
إذا قل ماء الوجه قل بهاؤهولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياؤك فاحفظه عليك فإنمايدل على فضل الكريم حياؤه
وقول ابن دريد في مقصورته:
من لم يعظه الدهر لم ينفعه ماراح به الواعظ يوما أوغدا
من لم تفده عبرا أيامهكان العمى أولى به من الهدى
من قاس ما لم يره بما رأىأراه ما يدنوا إليه ما نأى
من ملك الحرص القياد لم يزليكرع في ماء من الذل صرى
من عارض الأطماع باليأس رنتإليه عين العز من حيث رنا
من عطف النفس على مكروههاكان الغنى قرينه حيث انتوى
من لم يقف عند انتهاء قدرهتقاصرت عنه فسيحات الخطا
من ضيع الحزم جنى لنفسهندامة ألذع من سفع الذكا
من ناط بالعجب عرى أخلاقهنيطت عرى المقت إلى تلك العرى
من طال فوق منتهى بسطتهأعجزه نيل الدنا بله القصل
من رام ما يعجز عنه طوقهملعب يوما آض مخزول المطا
والناس ألف منهم كواحدوواحد كالألف أن أمر عنى
وقول الشنفرى في لاميته وهي المعروفة بلامية العرب:
من الأرض منأى للكريم عن الأذىوفيها لمن خاف القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئسرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
وقول مؤيد الدين الطغرائي في لامية العجم:
حب السلامة يثني هم صاحبهعن المعالي ويغري المرء بالكسل
فأن جنحت إليه فاتخذ نفقافي الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين علىركوبها واقتنع منهن بالبلل
ومنها:
أعدى عدوك أدنى من وثقت بهفحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاص الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل
وحسن ظنك بالأيام معجزةفظن شرا وكن منها على وجل
وقال آخر:
بقدر الصعود يكون الهبوطفإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقطت تقوم ورجلاك في عافية
وقول ابن الشبل البغدادي وأجاد:
غاية الحزن والسرور انقضاءما لحي من بعد ميت بقاء
غير أن الأموات مروا فأبقواغصصا لا يسيغها الأحياء
نتمنى وفي المنى يذهب العمر فيغدو بما يسر يساء
إنما الناس قادم إثر ماضبدء قوم لآخرين انتهاء
موت ذا العالم المؤيد بالنطق وذا السارح البهيم سواء
لا شقي بفقده تبسم الأرض ولا للتقى تبكي السماء
صحة المرء للسقام طريقوطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحياأقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كانت ولا كان أخذها والعطاء
راجع جودها عليها فمهمايهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري حلما تمر به الأيام أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يكون في عالم الكون فما للنفوس منه اتقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجسم ففيم الشقا وفيم العناء
قبح الله لذة لشقانانالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فإيجادنا علينا بلاء
وقول أبي تمام:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةنزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بهاأهلاُ بأهل وجيرانا بجيران
ومن الموعظة قول الصعلوكي:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا أخضر منها جانب جف جانب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرةعلى ذاهب منها فأنك ذاهب
وقال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعةوأيامنا تطوى وهن مراحل
وما أقبح التفريط في زمن الصبافكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقىفعمرك أيام تعد قلائل
وقال الآخر:
وما الليل والأيام إلا منازليسير بها سار إلى الموت قاصد
فيا عجبا منها وتلك عجيبةمنازل تسري والمسافر قاعد
وقال ابن هاني
وما الناس إلا ظاعن ومودعوثاوٍ قريح الجفن يبكي لراحل
وما هذه الأيام إلا كما ترىوهل نحن إلا كالقرون الأوائل
نساق من الدنيا إلى غير دائمونبكي من الدنيا على غير طائل
فما عاجل نرجوه إلا كآجلولا آجل نخشاه إلا كعاجل
وقيل عاش عبيد الجرهمي ثلثمائة سنة، وأدرك زمن معاوية، فدخل عليه وقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا.
فاغرورقت عيناي وتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب أنك من أسماء مغرورفاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
فلست تدري وما تدري أعاجلهاأدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
واستقدر الله خيرا وارضين بهفبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطاإذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحي مسرور
فقيل لي: أتعرف قائلها؟ قلت: لا، قيل: قائلها: هذا المدفون، وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما وأسرهم بموته، فقال معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري.
وقريب من هذا الاتفاق، ما حكاه القاضي ابن خلكان في تاريخه_وفيات الأعيان_قال: أخبرني بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع: أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي ﵁ ببغداد وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وخلقت ديباجتها؛ وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة؛ فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان.
وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور:
ولقد وقفت على ربوعهموطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضج من لغبٍنضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيتعني الديار تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق.
وانشد بديع الزمان في مقاماته، لزين العابدين بن الحسين ﵉:
هم في بطون الأرض بعد ظهورهامحاسنهم فيها بوال دوائر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهموساقتهم نحو المنايا المقادر
وأضحوا رميما في التراب وأقفرتمجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلو بدور لا تزاور بينهموأنى لسكان القبور تزاور
يرى مغردا في لحده وتوازعتمواريثه أرحامه والأواصر
وأضحوا على أمواله يهضمونهاولا حامد منهم عليه وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لهاويا آمنا من أن تدور الدوائر
على خطر تمسي وتصبح لاهياأتدري بماذا لو عقلت تخاطر
أتخرب ما يبقى وتعمر فانيافلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضيودينك منقوص ومالك وافر
وكيف يلذ العيش من هو موقنبموقف عدل يوم تبلى السرائر
وأن امرءاً يسعى لدنياه دائباويذهل عن أخراه لا شك خاسر
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعببدور السرور ودور الفرح
فشبهت سرعة أيامهمبسعة قوس يسمى قزح
تلون معترضا في السماء فلما تمكن منها نزح
هذا ما أورده الطيبي من أمثال الموعظة.
قلت: ومنها ما أنشده العلامة النيسابوري في كتاب خلق الإنسان، قال كان الحسين بن علي سيد الشهداء كثيرا ما ينشد هذه الأبيات، وتزعم الرواة أنها مما أملته نفسه الطاهرة على لسان مكارمها الوافرة:
لأن كانت الأفعال يوما لأهلهاكما لا فحسن الخلق أبهى وأكمل
وإن كانت الأرزاق رزقا مقدرافقلة جهد المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الدنيا تعد نفيسةفدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت=فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأموال للترك جمعهافما بال متروك به المرء يبخل
وأنشد لأحمد بن أبي طاهر في التوسط بين الدنيا والدين، وقضاء كل واحد منهما في حينه:
ركبت الصبا حتى إذا ما ونى الصبانزلت من التقوى بأكرم منزل
ودين الفتى بين التماسك والنهىودنيا الفتى بين الهوى والتغزل
وقال آخر:
جمعوا فما أكلوا الذي جمعواوبنوا مساكنهم فما سكنوا
وكأنهم كانوا بها ظعنالما استراحوا ساعة ظعنوا
وقال آخر:
وما الدهر إلا شره قبل خيرهولذات عيش غالبتها الفجائع
فثغر بأيام المسرة ضاحكطرف بأيام الحوادث دامع
وقال آخر:
غنى المرء ما يكفيه عن سد خلةفإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
وقال آخر:
أيا جامع المال وفرتهلغيرك إذ لم تكن خالدا
فإن قلت أخشى صروف الزمان فكن من تصاريفه واحدا
وقال آخر:
ومن البلاء وللبلاء علامةأن يرى لك عن هواك رجوع
والعبد عبد النفس في شهواتهاوالعبد يشبع مرة ويجوع
ومن الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي ﵇:
وما الدهر والأيام إلا كما ترىرزية مال أو فراق حبيب
وإن امرءاً قد جرب الدهر لم يخفتقلب حاليه لغير لبيب
ومنه:
فرض على الناس أن يتوبوالكن ترك الذنوب أو جب
والدهر في صرفه عجيبوغفلة المرء فيه أعجب
والصبر في النائبات صعبلكن فوت الثواب أصعب
وكل ما يرتجى قريبوالموت من كل ذاك أقرب
ومنه:
أرى الدنيا ستؤذن بانطلاقمشمرة على قدم وساق
فما الدنيا بباقية لحيولا حي على الدنيا بباق
ومنه:
فمن يحمد الدنيا لعيش يسرهفسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أقبلت كانت على المرء حسرةوإن أدبرت كانت كثيرا همومها
وقال آخر:
تعالى الله يا سلم بن عمروأذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفواأليس مصير ذاك إلى زوال
أخر:
ألا يا نفس أن ترضي بقوتفأنت عزيزة أبدا غنيه
دعي عنك المطامع والأمانيفكم أمنية جلبت منية
آخر:
نهاية أهواء القلوب بعيدةومن دونها للحدثات مصائد
فنحن كطير يبتغي الحب مسرعاودون الذي يبغيه فخ وصائد
آخر:
يجد بنا الزمان ونحن نلهوولا ندري متى يرد الحمام
ويخدعنا الهوى في ظل عيشيمر بنا كما مر الغمام
كركب سفينة في لج بحرتسير بهم وهم فيها نيام
(قال) أبو الفتح البستي:
يا من يؤمل في دنياه عافيةأبعدت ما أنت في دار المعافاة
دنياك ثغر فكن منها على حذرفالثغر مأوى مخافات وآفات
(وقال) عبدة بن الطبيب:
المرء ساع لأمر ليس يدركهوالعيش شح وإشفاق وتأميل
آخر:
متى تنقضي حاجات من ليس بالغاإلى حاجة حتى تكون له أخرى
آخر:
تموت مع المرء حاجاتهوحاجات من عاش لا تنتهي
وقال آخر:
دنياك دار غرورومتعة مستعارة
ودار كسب ولبسومغنم وتجارة
ورأس مالك نفس فاحذر عليها الخسارة
فلا تبعها بأكلوطيب عيش وشاره
فأن ملك سليمان لا يقي يشراره
وقال محمد بن ظفي المكي صاحب سلوان المطاع:
يا متعبا كده الحرص في الفضول وكاده
لو حزت ما حاز كسرىوما حوى وأفاده
ما كنت إلا معنىومغرما بالزيادة
لم يصف في الأرض عيشإلا لأهل الزهاده
فرض على الزهد نفسافإنما الخير عادة
وقلت أنا في نوع الموعظة:
لا تجزعن إذا نابتك نائبةولا تضيقن من خطب إذا نابا
ما يغلق الله بابا دون قارعةإلا ويفتح بالتيسير أبوابا
ومن الكلام الجامع في شكاية الزمان قول أبو العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصدود رضىمن ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعتمن الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشا في شبيبتهفما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كل بمشبههفما وجدت لأيام الصبا عوضا
الشاهد في البيت الثالث.
وقول الشريف الرضي ﵁:
واها على عهد الشباب وطيبهوالغض من ورق الشباب الناضر
واها له ما كان غير دجنةقلصت صبابته كظل الطائر
وأرى المنايا إن رأت بك شبيهجعلتك مرمى نبلها المتواتر
كان السواد سواد عين حبيبهفغدا البياض بياض طرف الناظر
لو يفتدى ذاك السواد فديتهبسواد عيني بل سواد ضمائري
أبياض رأس واسوداد مطالبصبرا على حكم الزمان الجائر
وقال آخر:
فسلام على المروة والدين وربعي ذراهما المأنوس
حيث فعل الأيام ليس بمذموم ووجه الأيام غير عبوس
وقال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبتهفسرهم وأتيناه على الهرم
وذيله السيد علي بن الأبزر من شعراء العصر فقال:
فهم على كل حال أدركوا هرماونحن جئناه بعد الموت والعدم
وقال أبو العلاء المعري:
تمتع أبكار الزمان بأسرهوجئنا بوهن بعد ما خرف الدهر
فليت الفتى كالبدر جدد عمرهيعود هلالا كلما فني الشهر
وقال أيضاً:
كأنما الخير ماء كان واردهأهل العصور وما ابقوا سوى العكر
وقال ابن شماخ:
صفا للأولى قبلي أتوا در دهرهمفلم يصف لي مذ جئت بعدهم غير
فجاؤا إلى الدنيا وعصرهم ضحىوجئت وعصري من تأخره عصر
وقال ابن قاسم المحدث:
لقي الناس قبلنا غرة الدهر ولم نلق منه إلا الذنابى
وقال ابن الخياط المكفوف الأندلسي:
لم يخل من نوب الزمان أديبكلا فشأن النائبات تنوب
وغضارة الأيام تأبى أن يرىفيها لأبناء الذكاء نصيب
ولذاك من سأل الليالي طالباجدا ًوفهما ًفاته المطلوب
(وقال) ابن لنكك البصري:
عجبت للدهر في تصرفهوكل أفعال دهرنا عجب
يعاند الدهر كل ذي أدبكأنما ناك أمه الأدب
(وقال) ابن نباتة السعدي:
سقام لا يصاب له طبيبوأيام محاسنها عيوب
ودهر ليس يقبل من أديبكما لا يقبل التأديب ذيب
يحب على المصائب والرزايافلا كان المحب ولا الحبيب
فائدة_قال زكريا بن محمد القزويني في عجائب المخلوقات: اعتقد الحكماء أن الحوادث أسبابها أوضاع الفلك، فلذلك يشكون من الزمان ومن الدهر.
كما قال قائلهم:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرىفكيف بمن يرمي وليس برام
ولو أنها نبل إذن لا تقيتهاولكنني أرمى بغير سهام
فلما ورد الشرع نبه على أن الأمر ليس كما اعتقدوا بل الحوادث بقضاء الله تعالى، وقال ﵌: لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله. انتهى كلام صاحب العجائب.
وقد خطر لي هنا سؤال وجواب ذكرتهما في رسالتي التي سميتها (نفثة المصدور) ولا بأس بذكرهما هنا لما (فيهما من) الغرابة.
أما السؤال- فهو أنه إذا كان شكوى الزمان وذمه هو رأي الحكماء وقد ورد الشرع بالنهي عن هذا الرأي والاعتقاد، فكيف يستجيز متشرع ذم الزمان وشكواه؟ وقد وقع ذلك في كلام كثير من علماء المسلمين نظما ونثرا.
والجواب: أنا لا ندم الزمان من حيث أنه سبب للحوادث كما هو اعتقاد الحكماء، بل من حيث أنه ظرف للحوادث المكروهة، وهذا كما يذم الإنسان السنة المجدية، واليوم الشديد الحر، والبلدة الوخمة ألهواء الكريهة الماء، ونحو ذلك، وعلى هذا ورد ذم الدنيا في الأحاديث الشريفة، فلا يرد علينا ما ذكره من هذه الجهة، فافهم وبالله التوفيق.
وأما شكاية الإخوان فمنها قول أبي العلاء المعري:
وليس صبا يفاد وراء شيببأعوز من أخي ثقة يفاد
وقول أبي فراس بن حمدان:
أراني وقومي فرقتنا مذاهبوإن جمعتنا في الأصول المناسب
فأقصاهم أقصاهم من مساءتيوأقربهم مما كرهت الأقارب
غريب وأهلي حيث ماكر ناظريوحيد وحولي من رجالي عصائب
وأعظم أعداء الرجال ثقاتهاوأهون من عاديته من تحارب
وما أحسن قول أحمد بن نظام الملك:
ولما بلوت الناس أطلب منهمأخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطعنت من حالي رخاء وشدةوناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامتولم أر فيما سرني غير حاسد
وكتب المعتصم إلى ابن عمار:
وزهدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرنيمباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمةمن الدهر إلا كان إحدى النوائب
فأجابه بقطعة طويلة أولها:
فديتك لا تزهد فثم بقيةسيرغب فيها عند وقع التجارب
وقال آخر:
أناس أمناهم فنموا حديثنافلما كتمنا السر عنهم تقولوا
ولم يحفظوا الود الذي كان بينناولا حين هموا بالقطيعة أجملوا
وقال آخر:
أحذر عدوك مرةوأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان أعرف بالمضرة
وقال آخر:
وما أكثر الإخوان حين تعدهمولكنهم في النائبات قليل
(وقال) آخر:
دعوى الإخاء على الرخاء كثيرةبل في الشدائد تعرف الإخوان
(وقال) آخر:
أخلاء الرخاء هم كثيرولكن في البلاء هم قليل
فلا تغررك خلة من تواخيفمالك عند نائبة خليل
(وقال) أبو العلاء المعري:
جربت دهري وأهليه فما تركتلي التجارب في ود امرئ غرضا
(وقال) أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبهومن أين للحر الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ذئابا على أجسادهن ثياب
وقد أنصف من قال:
خليلي جربت الزمان وأهلهفما نالني منهم سوى الهم والعنا
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجدخليلا يوافي بالعهود ولا أنا
ولنكتف في هذا المعنى بهذا المقدار. وقد عقدت لكل من ذم الزمان وذم أبناء فصلا في (نفثة المصدور) وذكرت فيهما من النثر والنظم ما يشفي الصدور، فمن أراد بذلك فعليه بها.
تنبيه- قد بينا لك أن تعريف صاحب التبيان للكلام الجامع أعم من تعريف سائر البديعيين له، وعلى تعريفه جرى كثير من هذه الأمثلة التي ذكرها وذكرناها، وفيها ما هو جار على طريقتهم أيضاً، وإني لأستحسن تعميمه هذا تبعا للعلامة الكرماني شارح التبيان.
وأما أصحاب البديعيات فلم يبنوا أبياتهم إلا على ذلك فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
من كان يعلم أن الشهد مطلبهفلا يخاف للدغ النحل من ألم
هذا المعنى مطروق جدا لكنه أحسن الأتباع، وجاء فيه من الكلام الجامع والرقة والانسجام ما شنف الأسماع وأبهج الطباع.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
كلامه جامع وصف الكمال كمايهيج الشوق أنواعا من الرتم
قال ابن حجة: قد تقرر أن الكلام الجامع، أن تأتي الناظم ببيت حلته حكمة أو موعظة أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال، وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة، ولم أر لجريان المثل دخولا في باب هذا البيت. انتهى، وهو انتقاد في محله.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمتهوجوده عند أهل الذوق كالعدم
قال ناظمه: حكمة هذا البيت، ما أجريت مثلها على هذا النمط، إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين، فإني قررت أن ليس في كلامه الجمع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال، فوجوده كالعدم. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
من حام حول الحمى يا ذاك يوشك أنيرعى به أن ذا من جامع الكلم
هذا اقتباس من الحديث المشهور، وهو: من رتع حول الحمى يوشك أن يخالطه. ولا يخفى تداعي بناء هذا البيت.
وبيت بديعيتي قولي:
من رام رشد أخي غي هدى واتىكلامه جامعا للصدق لا التهم
إني خاطبت العاذل ببيت التفويف وقلت له:
أحسن أسيء ظن حقق ادن أقص أطلحك وش فوف أبن اخف ارتحل أقم
والمعنى: أن كل ما تفعله من هذه الأفعال غير مقبول، ولا ملتفت إليه.
حسن إيراد هذا البيت وهو بيت الكلام الجامع بعده، وقام مقام التعليل لعدم الالتفات إليه، وصح إجراؤه مجرى المثل، لأن معناه، أن من يروم إرشاد الغاوي ينبغي أن يهديه، وان يكون كلامه جامعا للصدق لا للتهم فكلام العاذل لما كان متهما فيه لم يلتفت إليه. وهذا البيت يصح أن يتمثل به لكل من أظهر النصيحة والإرشاد وهو منطو على خلاف ذلك.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
لا يدرك الرتبة العلياء ذو دعةلا بد من تعب فيها ومن سأم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع