تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التهكم

تهكما قلت للواشين لي بهملقد هديتم لفصل القول الحكم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

قال في القاموس: التهكم: التهدم في البئر ونحوها، والاستهزاء، والطعن المتدارك، والتبختر، والغضب الشديد؛ والتندم على الأمر الفائت والمطر الكثير الذي لا يطاق، والتغني. انتهى.

والمقصود هنا: المعنى الثاني وهو الاستهزاء، وفي كونه منقولا من التهدم- ما قال بعضهم- أو الغضب- كما قال آخرون- نظر، لأنه قد ورد التهكم بمعنى الاستهزاء في اللغة، فأي داع إلى كونه منقولا من معنى أخر؟ نعم في الاصطلاح أخص منه في اللغة، لأنه في اللغة بمعنى الاستهزاء مطلقا، وفي الاصطلاح هو الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير؛ والوعد في مكان الوعيد، والعذر في موضع اللوم؛ والمدح في معرض السخرية، ونحو ذلك.

فمن الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير، قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ومن البشارة في موضع التحذير، قوله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) وقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) ومن الوعد في موضع الوعيد، قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل) وهذا ضد الإغاثة.

ومن العذر في موضع اللوم، قول ابن أبي الحديد:

عذرتكما إن الحمام لمبغضوان حياة النفس للنفس محبوب

ومن أمثلة هذا النوع في الشعر، قول ابن الرومي:

فيا له من عمل صالحيرفعه الله إلى أسفل

وقول أبي بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي يتهكم برجل زعم أنه ينال الخلافة:

أمير المؤمنين نداء شيخأفادك من نصائحه اللطيفه
للشاعر الأبيض الإشبيلي، اقرأ القصيدة
تحفظ أن يكون الجذع يوماسريرا من أسرتك المنيفه
للشاعر الأبيض الإشبيلي، اقرأ القصيدة

وقول جاسوس الملك في الوزير أبي القاسم الجرجاني، وكان أقطع اليدين من المرافق:

وأقمت نفسك في الثقاةوهبك فيما قلت صادق
فمن الأمانة والتقىقطعت يداك من المرافق

وقول بعضهم:

بجيش يناطح زهر النجوم إذا ما طلعت به أسفلا

وقول المتنبي في كافور: من علم الأسود المخصى مكرمة=أقومه البيض أم آباؤه الصيد.

وقول ابن الذروي في ابن أبي حصينة وكان أحدب، وهو من شاهد المدح في معرض السخرية:

يا أخي كيف غيرتنا اللياليوأحالت ما بيننا بالمحال
حاش الله أن أصافي خليلافيراني في وده ذا اختلال
زعموا أنني نظمت هجاءمعربا فيك عن شيع القتال
كذبوا إنما وصفت الذي حزت من فضلها والبها والكمال
لا تظنن حدبة الظهر عيباوهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودباتوهي أنكى من الظبى والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيهلقروم الجمال أي الجمال

وأرى الانحناء في مخلب البازي ولم يعد مخلب الرئبال.

كون الله حدبة إن شئت من الفضل أو من الأفضال
فأتت ربوة على طود علموأتت موجة ببحر رمال
ما رأتها النساء إلا تمنتأنها حلية لكل الرجال
وأبو الغصن أنت لا شك فيهوهو رب القوام ذو الاعتدال
عد إلى ودنا القديم ولاتضع لقيل من الوشاة وقال
وتذكر لياليا حين ولتأودعت حسنها عقود اللآلي
أترى بالرجال يجمع شمليأم رجائي مخيب وابتهالي
وإذا لم يكن من الهجر بدفعسى أن تزورنا في الخيال

ولأبي الفتح ابن دانيال قصيدة في رجل أحدب على هذا النمط، وأنا أفضلها على هذه القصيدة وأرى الاستشهاد بها أقعد من تلك في هذا النوع وهي:

قسما بحسن قوامك الفتانيا أوحد الأمراء في الحدبان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
أنت الحسام زها برونق حدبةفزها على الخطية المران
يا مخجلا شكل الهلال يقدهحاشاك أن تعزى إلى نقصان
وممايلاً قد القضيب إذا مشىمن حدبتيه يميس كالريان
ما عاب قامتك الحسود جهالةإلا أجبت مقاله ببيان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
هل يحسن الجو كان إلا أن يرىمع أكره في حلبة الميدان
أو هل يزين المتن إلا ردفهحسنا فكيف بمن له ردفان
والعود أحدب وهو ألهى مطربوالقد سمعت بنغمة العيدان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وكذا سفين البحر لولا حدبةفي ظهره لم يقو للطوفان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وإذا اكتسى الإنسان قيل تمثلافي المدح قامت حدبة الإنسان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
يفديك في الحدبان كل مكوبجيمشي الهوينا مشية السرطان
متجمع الكتفين اقنص قد بدافي هيبة المتشجع الصفعان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة

وإذ قد ذكرنا هاتين القصيدتين في صفة الأحدب، فلنذكر ما حضرنا في معنى ذلك وإن كان خارجا من النوع، ليقترن بما قبله، وينضم إلى ما في معناه، فإنما هذا الكتاب مجموع أدب، ولابد فيه من الاستطراد، فنقول: أين هذه الصفات المذكورة.

من قول ابن عنين في القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني وكان أحدب:

حاشى لعبد الرحيم سيدنا القاضي مما يقوله السفل
يكذب من قال أن حدبتهفي ظهره من عبيده حبل

ومن بدائع ابن خفاجة الأندلسي في ساق أسود أحدب:

وكاس أنس قد جلتها المنىفباتت النفس بها معرسه
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وكأس أنس قد جلتها المنى»
طاف بها أسود محدودبيطرب من يلهو به مجلسه
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وكأس أنس قد جلتها المنى»
فخلته من سبج ربوةقد أنبت من ذهب نرجسه
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وكأس أنس قد جلتها المنى»

ولعبد الله بن الطباخ في أحدب:

قصرت أخادعه وغاض قذالهفكأنه متوقع أن يصفعا
وكأنه قد ذاق صفعا مرةوأحس ثانية بها فتجمعا

ويحكى أن الأسعد بن مماتي دخل على القاضي الفاضل يوما، فوجد غلى جانبه أترجة غريبة الشكل، فجعل يرمقها بطرفه، فقال له القاضي: أراك تطيل النظر إليها، قال: أتعجب من شكلها، وبديع خلقها. فقال القاضي: وأيضا لها نسبة بنا، فقال: سبحان الله، وخجل، ثم قال: إنما أطلت النظر إليها لأني نظمت فيها بيتين، قال: وما هما؟ فأنشد:

لله بل للحسن أترجةقد أذكرتنا بجنان النعيم
كأنها قد جمعت نفسهامن هيبة الفاضل عبد الرحيم

فأعجبه ذلك وزال ما كان عنده، ثم خرج الأسعد فذكر القصة لبعض إخوانه الظرفاء فقال: أحمد الله للذي أنشدتهما من لفظك، ولم تكتبهما إليه، فإنه ربما صحف لفظة (هيبة) بهيئة بالهمز فازداد حنقا.

رجع- ولم أسمع في نوع التهكم أظرف من قول أبي نواس يتهكم على نفسه، وقد أظهر التوبة والإقلاع عن المعاصي على يد الفضل بن الربيع:

أنت يا ابن الربيع علمتني الخير وعودتنيه والخير عاده
فارعوى باطلي وراجعني الحلم وأحدثت توبة وزهاده
من خشوع أزينه بنحولواصفرار مثل اصفرار الجراده
التسابيح في ذراعي والمصحف في لبتي مكان القلاده
فادع بي لا عدمت تقويم مثليوتأمل بعينيك السجادة
تر أثرا من الصلاة بوجهيتوقن النفس أنه من عبادة
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك»
لو رآها بعض المرائين يومالاشتراها يعدها للشهادة
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك»
ولقد طالما أبيت ولكنأدركتني على يديك السعادة

ومن الحكايات اللطيفة في هذا النوع، أن أبا دلامة دخل على المهدي وسلمة الوصيف واقف بين يديه، فقال أبو دلامة: قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه؛ فخرج وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون محطم أعجف هرم.

فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ فقال: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك، فإنما تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو يعد عندك وصيفا؟ فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه، والمهدي يضحك، ثم قال سلمة: ويحك إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل؛ فضحك؛ فقال أبو دلامة: أي والله يا أمير المؤمنين؛ لأفضحنه، فليس أحد في مواليك إلا وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط. ثم إن المهدي أصلح بينهما. وهذا من التهكم الذي يعد من النوادر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.