من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الأمثال السائرة
. من شعر المتنبي جمعها الصاحب كافي الكفاءة لمخدومه فخر الدولة قال الصاحب كافي الكفاءة إسماعيل بن عباد رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي ضرب الأمثال للناس "لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" وصلى الله على أفصح العرب وسر عبد المطلب، صلى الله عليه وعلى آله أخيار الأمم، وأنوار الظلم، كم مثل ضرب فيه الحجة الواضحة؛ والحكمة البالغة. ثم إن الله قد أحيا بالأمير السيد شاهنشاه فخر الدولة، وفلك الأمة أطال الله بقاه، ونصر لواه داثر العلوم والآداب؛ وأقام برأيه ورايته أسواقهما، وكانت في يد الكساد بل الذهاب. فهو يقدم على المعرفة، ويقرب على التبصرة، لا كالملوك الذين يقال لهم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ومن نعم الله- أدام الله النعم لديه- إن الله قرن ألفاظه بفصل المقال، ووشح كلامه بضرب الأمثال، هي لب اللب، يضع فيه الهناء مواضع النقب. وهذا الشاعر مع تميزه وبراعته وتبريزه في صناعته، له في الأمثال خصوصا مذهب سبق به أمثاله. فأمليت ما صدر عن ديوانه من مثل واقع في فنه، بارع في معناه ولفظه، ليكون تذكرة في المجلس العالي؛ تلحظها العين العالية، وتعيها الأذن الواعية. ثم إن أمر أعلى الله أمره، أمليت- بمشيئة الله- ما وقع من الأمثال؛ في كل ديوان جاهلي أو مخضرم أو إسلامي، فما أجد من الأدباء من عمل في ذلك كتابا مقنعا، أو جمعا مسبعا. قرن الله السعادات بأيامه والمناجح بأعلامه.
قال المتنبي:
فعد بها لا عدمتها أبداخير صلات الكريم أعودها
إني لأعلم واللبيب خبيرأن الحياة وان حرصت غرور
صبرا بني إسحاق عليه تكرماإن العظيم على العظيم صبور
يممت شاسع دارهم عن نيةإن المحب على البعاد يزور
فموتي في الوغى عيشي لأنيرأيت العيش في أرب النفوس
خ أهون بطول الثواء والتلفوالسجن والقيد يا أبا دلف
خ لو سكناي فيه منقصةلم يكن الدر ساكن الصدف
خ غير اختيار قبلت برك بيوالسجن والقيد يا أبا دلف
خ إذا قيل رفقا للحلم موضعوحلم الفتى في غير موضعه جهل
يفنى الكلام ولا يحيط بوصفكمأيحيط ما يفنى بما لا ينفد
يفدي بنيك عبيد الله حاسدهمبجبهة العير يفدى حافر الفرس
خير الطيور على القصور وشرهايأوي الخراب ويسكن الناووسا
وما الكرام الطريف وإن تقوىبمنتصف من الكرم التلاد
وإن الجرح يفثي بعد حينإذا كان البناء على فساد
يجني الغنى للئام لو عقلواما ليس يجني عليهم العدم
هم لا موالهم وليس لهموالعار يبقى والجرح يلتئم
ودهر ناسه ناس صغاروإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا نهم بالعيش فيهمولكن معدن الذهب الرغام
خليلك أنت لا من قلت خليوإن كثر التجمل والكلام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلتجنب عنق صيقله الحسام
وسبه الشيء منجذب إليهوأشبهنا بدنيانا الطغام
ولو لم يرع غلا مستحقلرتبتهم أسامهم المسام
ولو لم يعل إلا ذو محلتعالى الجيش وانحط القتال
ومن خبر الغواني فالغوانيضياء في بواطنه ظلام
تلذ له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذ له الغرام
وقبض نواله شرف وعزوقبض نوال بعض القوم ذام
أقامت في الرقاب له أيادهي الأطواق والناس الحمام
وما الفضة البيضاء والتبر واحدنفوعان للمكدي وبينهما صرف
وزارك بي دون الملوك تحرجإذا عن بحر لم يجز لي التيمم
ولكن عين قرة في قربهحتى كأن مغيبه الأقذاء
خ ولن حبا خامر القلب في الصبايزيد على مر الزمان ويشتد
خ وأصبح شعري منهما في مكانهوفي عنق الحسناء يستحسن العقد
في سعة الخافقين مضطربوفي بلاد من أختها بدل
أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع وعند العمق الزلل
ومن يك ذا فم مريضيجد مرا به الماء الزلالا
ما كل من طلب المعالي نافذافيها ولا كل الرجال فحولا
خ الحب ما منع الكلام الألسناوألذ شكوى عاشق ما أعلنا
خ وانه المشير عليك في بضلةوالحر ممتحن بأولاد الزنا
خ ومكائد السفهاء واقعة بهموعداوة الشعر بئس المقتنى
لعنت مقارنة اللئيم فإنهاضيف يجر من الندامة ضيفا
وأنفس ما للفتى لبهوذو اللب يكره إنفاقه
لا افتخار إلا لمن لا يضاممدرك أو محارب لا ينام
خ ذل من يغبط الذليل بعيشرب عيش أخف منه الحمام
خ كل حلم أتى بغير اقتدارحجة لا جيء إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرح بميت إيلام
إن بعضا من القريض هذاءليس شيئا وبعضه أحكام
وربما فارق الإنسان مهجتهيوم الوغى غير قال خشية العار
أفاضل الناس أغراض لذا الزمنيخلوا من الهم أخلاهم من الفطن
فقر الجهول إلى عقل بلا أدبفقر الحمار إلى رأس بلا رسن
لا تعجبن مضيما حسن بزتهوهل يروق دفينا جودة الكفن
غلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتىيعود كما يبدي ويكري كما أرمى
إنعم ولذ فللأمور أواخرأبدا كما كانت لهن أوائل
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
خ في الناس أمثلة تدور حياتهاكمماتها ومماتها كحياتها
خ ولا ينفع إلا مكان غير سخاؤهوهل نافع لولا الأكف القنا السمر
ضروب الناس عشاق ضروبافاعذرهم أشفهم حبيبا
خ ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدوا له ما من صداقته بد
وأكبر نفسي عن جزاء بغيبةوكل اغتياب جهد من لا له جهد
فما في سجاياكم منازعة العلىولا في طباع التربة المسك والند
خ من الحلم أن يستعمل الجهل دونهإذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
خ إذا لم تكن نفس النسيب كأصلهفماذا الذي تغني الكريم المناصب
لو كان يمكنني سفرت عن الصبافالشيب قبل الأوان تلثم
والهم يخترم الجسيم نحافةويشيب ناصية الصبي ويهرم
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقينسى الذي يولى وعاف يندم
لا تخدعنك من عدو دمعةوارحم شبابك من عدو يرحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
يؤذي القليل من اللئام بطبعهمن لا يقل كما يقل ويلؤم
والظلم من شيم النفوس فإن تجدذا عفة فلعلة لا يظلم
ومن البلية عذل من لا يرعويعن جهله وخطاب من لا يفهم
والذل يظهر في الذليل مودةوأود منه لمن يود الأرقم
خ ومن العداوة ما ينالك نفعهومن الصداقة ما يضر ويؤلم
أفعال من تلد الكريم كريمةوفعال من تلد الأعاجم أعجم
خ ولكن الغيوث إذا توالتبأرض مسافر كره الغماما
خ فطعم الموت في أمر حقيركطعم الموت في أمر عظيم
خ يرى الجبناء أن العجز عقلوتلك خديعة الطبع اللئيم
خ وكل شجاعة في المرء تغنيولا مثل الشجاعة في الحكيم
خ وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذهان منهعلى قدر القرائح والفهوم
كلام أكثر من تلقى ومنظرهمما يشق على الأذهان والحدق
إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس إن الحمام مر المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجزوالأسى لا يكون بعد الفراق
والغنى في يد اللئيم قبيحقدر قبح الكريم في الإملاق
ومن قبل النطاح وقبل يلنيتبين لك النعاج من الكباش
خ ويظهر الجهل بي وأعرفهوالدر در برغم من جهله
فصرت كالسيف حامدا يدهلا يحمد السيف كل من حمله
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبان تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وقد يتزيا بالهوى غير أهلهويستصحب الإنسان من لا يلائمه
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتيبثانية والمتلف الشيء غارمه
وما خضب الناس البياض لأنهقبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
وما كل سيف يقطع الهام حدهوتقطع لزبات الزمان مكارمه
خ وإذا كانت النفوس كباراتعبت في مرادها الأجسام
فكثير من الشجاع التوقيوكثير من البليغ السلام
خ ولو جاز الخلود خلدت فرداولكن ليس للدنيا خليل
خ ومن لم يعشق الدنيا قليلولكن لا سبيل إلى وصال
خ نصيبك في حياتك من حبيبنصيبك في منامك من خيال
خ ولو كان النساء كمن فقدنالفضلت النساء على الرجال
خ وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
خ فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
إلام طماعية العاذلولا رأي في الحب للعاقل
خ يراد من القلب نسيانكموتأبى الطباع على الناقل
خذوا ما أتاكم به واغنموافإن الغنيمة في العاجل
خ أعلى الممالك ما يبنى على الأسلوالطعن عند محبيهم كا القبل
ولا يجير عليه الدهر بغيتهولا تحصن درع مهجة البطل
بذي الغباوة من إنشادها ضرركما تضر رياح الورد بالجعل
إذا ما تأملت الزمان وصرفهتيقنت أن الموت ضرب من القتل
هل الولد المحبوب إلا تعلةوهل خلو الحسناء إلا أذى البعل
وما الدهر أهل أن تؤمل عندهحياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
وربما قالت العيون وقدتصدق فيها ويكذب النظر
أعاذك الله من سهامهمومخطئ من رميه القمر
وإذا وكلت إلى كريم رأيهفي الجود بأن مذيقه من محضه
إن الرياح إذا عمدن لناظرأغناه مقبلها عن استعجاله
دون الحلاوة في الزمان مرارةلا تختطى إلا على أهواله
وهل تغني الرسائل في عدو=إذا ما لم يكن ظبي رقاقا.
وإن جزعنا له فلا عجبذا الجزر في البحر غير معهود
فما ترجى النفوس من زمنأحمد حاليه غير محمود
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعهاأو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا
خ وما ذاك بخل بالنفوس على القناولكن صدم الشر بالشر أحزم
أهل الحفيظة إلا أن تجربهموفي التجارب بعد الغي يجتدع
ليس الجمال لوجه صح مارنهأنف العزيز بقطع العز يجتدع
والمشرفية ما زالت مشرفةدواء كل كريم أوهي الوجع
خ لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقفليس يأكل إلا الميت الضبع
خ من كان فوق محل الشمس موضعهفليس يرفعه شيء ولا يضع
خ فقد يظن شجاعا من به خرقوقد يظن جبانا من به زمع
إن السلاح جميع الناس تحملهوليس كل ذوات المخلب السبع
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتىوما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
خ وحيد من الخلان في كل بلدةإذا عظم المطلوب قل المساعد
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
وكل يرى طرق الشجاعة والندىولكن طبع النفس للنفس قائد
فإن قليل الحب بالعقل صالحوإن كثير الحب بالجهل فاسد
وقد فارق الناس الأحبة قبلناوأعيا دواء الموت كل طبيب
وللترك للإحسان خير لمحسنإذا جعل الإحسان غير ربيب
فرب كئيب ليس تندى جفونهورب كثير الدمع غير كئيب
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءهاويجهد أن يأتي لها بضريب
خ أعيذها نظرات منك صادقةإن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
خ وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلم
خ إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنن أن الليث يبتسم
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةإن المعارف في أهل النهي ذمم
شر البلاد مكان لا صديق بهوشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
وإن كان ذنبي كل ذنب فإنهمحا الذنب كل المحو من جاء تائبا
وما صبابة مشتاق على أملمن اللقاء كمشتاق بلا أمل
والهجر أقتل لي مما أراقبهأنا الغريق فما خوفي من البلل
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
إ كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوامنها رضاك ومن للعور بالحول
خ لعل عتبك محمود عواقبهفربما صحت الأجسام بالعلل
لأن حلمك حلم لا تكلفهليس التكحل في العينين كا لكحل
وما ثناك كلام الناس عن كرمومن يسد طريق العارض الهطل
خ وليس يصح في الإفهام شيءإذا احتاج النهار إلى دليل
خ وما كمد الحساد شيئا قصدتهولكنه من يزحم البحر يغرق
خ وإطراق طرف العين ليس بنافعإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
خ ومن كنت بحرا له يا علي لا يقبل الدر الإكبارا.
ليالي بعد الظاعنينا شكولطوال وليل العاشقين طويل
وبتن بحصن الران رزحى من الوجىوكل عزيز للأمير ذليل
فإن تكن الأيام أبصرن صولةفقد علم الأيام كيف تصول
أبدري ما أرابك من يريبوهل ترقى إلى الفلك الخطوب
يجشمك الزمان أذى وحباوقد يؤذى من المقة الحبيب
خ لكل أمريء من دهره ما تعوداوعادات سيف الدولة الطعن في العدى
خ وما قتل الأحرار كالعفو عنهمومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في وضع السيف بالعليمضر كوضع السيف في موضع الندى
وقيدت نفسي في ذراك محبةومن وجدا الإحسان قيدا تقيدا
وأتعب من ناداك من لا تجيبهوأغيظ من عاداك من لاتشاكل
وما تركوك معصية ولكنيعاف الورد والموت الشراب
ترفق أيها المولى عليهمفإن الرفق بالجاني عتاب
خ وما جهلت أياديك البواديولكن ربما خفي الصواب
خ وكم ذنب مولده دلالوكم بعد مولده اقتراب
خ وجرم جره سفهاء قوموحل بغير جارمه العذاب
على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام المكارم
تفيت الليالي كل شيء أخذتهوهن لما يأخذن منك غوارم
ومن طلب الفتح الجليل فإنمامفاتيحه البيض الخفاف الصوارم
أينكر ريح الليث حتى يذوقهوقد عرفت ريح الليوث البهائم
وما تنفع الخيل الكرام ولاالقناإذا لم يكن فوق الكرام كرام
فإن كنت لا تعطي الذمام طواعةفعوذ الأعاذي بالكريم ذمام
وشر الحمامين الزؤامين عيشةيذل الذي يختارها ويضارم
خ وما الحسن في وجه الفتى شرفا لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
وما يوجع الحرمان من كف حارمكما يوجع الحرمان من كف رازق
ولو لم يبق لم تعش البقاياوفي الماضي لمن بقى اعتبار
لعل بينهم لبنيك جندفأول قرح الخيل المهار
وما في سطوة الأرباب عيبولا في ذلة العبدان عار
لك إلف يجره وإذا ماكرم الأصل كان للألف أصلا
إن خير الدموع عينا لدمعبعثته رعاية فاستهلا
وإذا لم تجد من الناس كفؤاذات خدر تمنت الموت بعلا
ولذيذ الحياة أنفس للنفس وأشهى من أن تمل وأحلى
وإذا الشيخ قال أفٍّ فما مل حياة وإنما الضعف ملا.
آلة العيش صحة وشبابفإذا وليا عن المرء ولا
أبدا تسترد ما تهب الدنيا فيا ليت جودها كان بخلا
وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا.
كل دمع يسيل منها عليهاوبفك اليدين عنها تخلى
رب أمر أتاك لا تحمد الفعال فيه وتحمد الإفعالا.
والعيان الجلي يحدث للظنزوالا وللمراد انفعالا
وإذا ما حلا الجبان بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
أقسموا لا رأوك إلا بقلبطالما غرت العيون الرجالا
إنما أنفس الأنيس سباعيتفارسن جهرة واغتيالا
من أراد التماس شيء غلاباواغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كل غاد لحاجة يتمنىأن يكون الغضنفر الرئبالا
ورفلت في حلل الثناء وإنماعدم الثناء نهاية الإعدام
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أول وهي المحل الثاني
ولربما طعن الفتى أقرانهبالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغمأدنى إلى شرف من الإنسان
وتوهموا لعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمماذا يزيدك في إقسامك القسم
لا تطلبن كريما بعد رؤيتهإن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعرهقد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وما عاقني غير قول الوشاةوإن الوشايات طرق الكذب
ومن ركب الثور بعد الجواد أنكر أظلافه والغبب
وإذا خامر الهوى قلب صبفعليه لكل عين دليل
زودينا من حسن وجهك ما دام فحسن الوجوه حال تحول
إن تراني أدمت بعد بياضفحميد من القنا الذبول
وكثير من السؤال اشتياقوكثير من رده تعليل
ما الذي عنده تدار المناياكالذي عنده تدار الشمول
غدرت يا موت كم أفنيت من عددبمن أصبت وكم أسكت من لجب
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإن في الخمر معنى ليس في العنب
وعاد في طلب المتروك تاركهأنا لنغفل والأيام في الطلب
فلا تنلك الليالي أن أيديهاإذا ضربن كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدوا أنت قاهرهفإنهن يصدن الصقر بالخرب
وإن سررن بمحبوب فجعن بهوقد أتينك في الحالين بالعجب
وربما احتسب الإنسان غايتهاوفاجأته بأمرٍ غير محتسب
وما قضى أحد منها لبانتهولا انتهى أرب إلا إلى أرب
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهمإلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمةوقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن تفكر في الدنيا ومهجتهأقامه الفكر بين العجز والتعب
كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن أرىصديقاً فاعيا أو عدواً مداحيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطوىولا تنفى حتى تكون ضواريا
فإن دموع العين غدر بربهاإذا كن أثر الغادرين جواريا
إذا الجود لم يرزق خلاص من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
وللنفس أخلاق تدل على الفتىأكان سخاء ما أتى أم تساخيا
خلقت الوفا لو رحلت إلى الصبالفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قواصد كافور توارك غيرهومن قصد البحر استقل السواقيا
حسن الحضارة مجلوب بتطريةوفي البداوة حسن غير مجلوب
فما الحداثة من حلم بمانعةقد يوجد الحلم في الشبان والشيب
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمهفما طلبي منها حبيبا ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيراتكلف شيء في طباعك ضده
وأتعب خلق الله من زاد همهوقصر عما تشتهي النفس وجده
خ فلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشهومركوبه رجلاه والثوب جلده
وما الصارم الهندي إلا كغيرهإذا لم يفارقه النجاد وغمده
وما منزل اللذات عندي بمنزلإذلم أبجل عنده وأكرم
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدق مل يعتاده من توهم
أصادق نفس المرء من قبل جسمهواعرفها في فعله والتكلم
وأحلم عن خلي وأعلم أنهمتى أجزه حلما على الجهل يندم
وإن بذل الإنسان لي جود عابسجزيت بجود الباذل المتبسم
وما كل هاو للجميل بفاعلولا كل فعال له بمتمم
ولم أرج إلا أهل ذاك ومن يردمواطر من غير السحائب يظلم
فأحسن وجه في الورى وجه محسن=وأيمن كف في الورى كف منعم.
خ وأشرفهم من كان أشرف همةوأكثر إقداماً على كل معظم
خ لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرور صديق أو إساءة مجرم
ولكن ما يمضي من الدهر فائتفجد لي بحظ البادر المتغنم
إنما تنجح المقالة في المرء إذا وافقت هوى في الفؤاد
قد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ويشوي الصواب بع اجتهاد
وإذا الحلم لم يكن في طباعلم يحلم تقدم الميلاد
خ وإطاعتك أسد دهرك والطاعة ليست خلائق الآساد
وإذا كان في الأنابيب خلفوقع الطيش في صدور الصعاد
كيف لاي ترك الطريق لسيلضيق عن أتيه كل واد
خ وما الخيل إلا كالصديق قليلةوإن كثرت في أعين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيب
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكبفكل بعيد الهم فيها معذب
وكل أمريء يولي الجميل محببوكل مكان ينبت العز طيب
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتهاولكن من الأشياء ما ليس يوهب
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدالمن بات في نعمائه يتقلب
وقد يترك النفس التي لا تهابهويخترم النفس التي تتهيب
فما يديم سرور ما سررت بهولا يرد عليك الفائت الحزن
يا من نعيت على بعد بمجلسهكل بما زعم الناعون مرتهن
ما كل ما يتمنى المرء يدركهتجري الرياح بما لا تشتهي السفن
غير أن الفتى يلاقي المناياكالحات ولا يلاقي الهوانا
ولو أن الحياة تبقى لحيلعددنا أضلنا الشجعانا
خ وإذا لم يكن من الموت بدفمن العجز أن تكون جبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
فإن يك إنسانا مضى لسبيلهفإن المنايا غاية الحيوان
قال الزمان قولا له فاسمعهإن الزمان على الإمساك عذال
القاتل السيف في جسم القتيل بهوللسيوف كما للناس آجال
يروعهم منه دهر صرفه أبدامجاهر وصروف الدهر تغتال
خ لطفت رأيك في وصلي وتكرمتيعن الكريم على العلياء يحتال
لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتال
وإنما يبلغ الإنسان طاقتهما كل ماشية بالرجل شملال
إنا لفي زمن ترك القبيح بهمن أكثر الناس إحسان وإجمال
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهما قاته وفضول العيش أشغال
ولما صار ود الناس خباجزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن أصطفيهلعلمي أنه بعض الأنام
خ وآنف من أخي لأبي وأميإذا لم أجده من الكرام
أرى الأجداد تغلبها كثيراعلى الأولاد أخلاق اللئام
عجبت لمن له قد وحدوينبو نبوة العضب الكهام
ومن يجد المطي إلى المعاليفلا يذر المطي بلا سنام
ولم أرى في عيوب الناس شيئاكنقص القادرين على التمام
ويصدق وعدها والوعد شرإذا ألقاك في الكرب العظام
فإن لثالث الحالين معنىسوى معنى انتباهك والمنام
وللسر منه موضع لا ينالهنديم ولا يفضي إليه شراب
وما العشق إلا غرة وطماعةيعرض قلب نفسه فيصاب
وغير فؤادي للغواني رميةوغير بناني للزجاج ركاب
خ أعز مكان في الدنيا سرج سابحوخير جليس في الزمان كتاب
خ أيا أسدا في جسمه روح ضيغموكم أسد أرواحهن كلاب
وقد تحدث الأيام عندك شيمةوتنعمر الأوقات وهي يباب
ولكنك الدنيا إلي حبيبةفما عنك لي إلا إليك ذهاب
أنوك من عبد ومن عرسهمن حكم العبد على نفسه
ما من يرى أنك في وعدهكمن يرى أنك في حبسه
ولا يرجى الخير عند امرئمرت يد النخاس في رأسه
فقل ما يلؤم في ثوبهإلا الذي يلؤم في غرسه
خ لاشيء أقبح من فحل له ذكرتقوده أمة ليست لها رحم
وإذا أتت الإساءة من وضيعولم ألم المسيء فمن ألوم
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبهاأني بما أنا باك منه محسود
جود الرجال من الأيدي وجودهممن اللسان فلا كانوا ولا الجود
العبد ليس لحر صالح بأخلو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معهإن العبيد لأنجاس مناكيد
إن امرءاً أمة حبلى تدبرهلمستضام سخين العين مفؤود
خ من علم الأسود المخصي مكرمةأقومه البيض أم آباؤه الصيد
خ أم أذنه في يد النخاس داميةأم قدره وهو بالفلسين مردود
خ وذاك أن الفحول الفحول البيض عاجزةعن الجميل فكيف الخصية السود
فتى زان في عيني أقصى قبيلةوكم سيد في حلة لا يزينها
وما كل منة قال قولا وفيوما كل من سيم خسفا أبى
ولابد للقلب من آلةورأي يصدع صم الصفا
وكل طريق أتاه الفتىعلى قدر الرجل فيه الخطى
خ لقد كنت أحسب قبل الخصي أن الرؤوس محل النهى.
خ فلما نظرت إلى عقلهرأيت النهى كلها في الخصى
ومن جهلت نفسه قدرهرأى غيره منه ما ل يرى
خ الحزن يقلق والتجمل يردعوالدمع بينهما عصي طيع
خ إني لا أجبن من فراق أحبتيوتحس نفسي بالحمام فأشجع
خ ويزيدني غضب الأعادي قسوةويلم بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقيقة نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثريبكي ومن شر السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكافحشاك رعن به وخدك تقرع
خ قبحا لوجهك يا زمان فإنهوجه له من كل قبيح برقع
ومن ضاقت الأرض على نفسهحرى أن يضيق بها جسمه
تسود الشمس منا بيض أوجهناولا تسود بيض العذر والمم
وكان حالهما في الحكم واحدةلو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
خ حتى رجعت وأقلامي قوائل ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم
توهم القوم أن العجز قربناوفي التقريب ما يدعو إلى التهم
خ ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةبين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
هون على بصر ما شق منظرهفإنما يقظات العين كالحلم
ولا تشك إلى خلق فتشتمهشكوى الجريح إلى العقبان والرخم
وكن على حذر للناس تسترهولا يغرك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدةوأعوز الصق في الإخبار والقسم
إن أوحشتك المعاليفإنها دار غربة
كدعواك كل يدعي صحة العقلومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل
دريني أنل مالا ينال من العليفصعب العلي في الصعب والسهل في السهل
خ تريدين لقيان المعالي رخيصةولابد دون الشهد من إبر النحل
وليس الذي يتبع الوبل رائداكمن جاءه في داره رائد الوبل
وما أنا ممن يدعي الشوق قلبهويحتج في ترك الزيارة بالشغل
تحاذر هزل المال وهي ذليلةوأشهد أن الذل شر من الهزل
قد كنت أحذر بينهم من قبلهلو كان ينفع حاذرا أن يحذرا
إن في الموج للغريق لعذراواضحا أن يفوته تعداده
ما سمعنا بمن أحب العطاياوأشتهي أن يكون فيها فؤاده
خ وغيظ على الأيام كالنار في الحشاولكنه غيظ الأسير على القد
خ وليس حياء الوجه في الذئب شيمةولكنه من شيمة الأسد الورد
خ يعللنا هذا الزمان بذا الوعدويخدع عما في يديه من النقد
كل جريح ترجى سلامتهإلا فؤادا دهته عيناها
وخل زيا لمن يحققهما كل دام جبينه عابد
لابد للإنسان من ضجعةلا تقلب المضجع عن جنبه
ينسى بها ما كان من عجبهوما أذاق الموت من كربه
نحن بنوا الموتى فما بالنانعاف ما لابد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هي من كسبه
لو أفكر العاشق في منتهىحسن الذي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشمس في شرقهفشكت الأنفس في غربة
يموت راع الضان في جهلهميتة جالينوس في طبه
خ وربما زاد على عمرهوزاد في الأمن على سربه
خ وغاية المفرط في سلمهكغاية المفرط في حربه
فلا قضى حاجته طالبفؤاده يخفق من رعبه
ما كان عندي أن بدر الدجىيوحشه المفقود من شهبه
إن النفوس عدد الآجالورب قبح وحلى ثقال
أحسن منها الحسن في المعطالفخر النفس بالنفس والأفعال
من قبله بالعم والأحوال.
هذا أخر ما استخرجه الصاحب كافي الكفاة رحمه الله تعالى من شعر المتنبي من الأمثال، وإنما أثبتناها برمتها هنا لتكون عمد لأهل الإنشاء وغيرهم إذا أوردوها في ترسلاتهم وكلامهم وشواهدهم على اختلاف أنواعها فإن المدار عليها كما ذكرناها سابقا، وليس ذلك لعمري مخصوصا بأمثاله فقط، بل جميع شعره يتداوله أصناف الناس، في فنون الأغراض، كما قال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر: ليست اليوم مجالس الدرس، أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الإنس ولا أقلام كتاب الرسائل؛ أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل؛ ولا لحون المغنين والقوالين، أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين. انتهى.
وقال ابن رشيد العمدة: ليس في المولدين أشهر اسماً من الحسن ابن هاني؛ ثم حبيب والبحتري؛ ويقال أنهما أخملا خمسمائة شاعر في زمانهما كلهم مجيد؛ ثم يتبعهما في الاشتهار ابن الرومي وابن المعتز؛ ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا. انتهى.
ولأبي الفضل أحمد بن محمد بن يزيد السكري المروزي من شعراء اليتيمة مزدوجة ترجم فيها أمثالا للفرس، منها قوله:
أحسن ما في ضفة الليل وجدالليل حبلى ليس يدري ما تلد
من مثل الفرس ذوي الأبصارالثوب رهن في يد القصار
إن البعير يبغض الخشاشالكنه في أنفه ما عاشا
نال الحمار بالسقوط في الوحلما كن يهوى ونجى من العمل
نحن على الشرط القديم المشترطلا الزق منشق ولا العير سقط
في المثل السائر للحمارقد ينفق الحمار للبيطار
العنز لا يسمن إلا بالعلفلا يسمن العنز بقول ذي لطف
البحر غمر الماء في العيانوالكلب يروي منه باللسان
لا تك من نصحي ذا ارتيابما بعتك الهرة في الجراب
من لم يكن في بيته طعامفماله في محفل مقام
منيتني الإحسان دع إحسانكاترك بحشو الله باذنجانك
كان يقال من أتى خوانامن غير أن يدعى إليه هانا
وكان الشاعر المذكور مولع بنقل أمثال الفرس إلى العربية، فمن ذلك قوله في غير المزدوجة:
إذا الماء فوق غريق طمافقاب قناة وألف سوا
إذا وضعت على الرأس التراب فضعمن أعظم التل أن النفع منه يقع
في كل مستحسن عيب بلا ريبما يسم الذهب الإبريز من عيب
ما كنت لو أكرمت أستقصيلا يهرب الكلب من القرص
طلب الأعظم من بيت الكلابكطلاب الماء في لمع السراب
هو الثعلب الرواغ في مهمه سلكيرى إليه فيه ما أن يرى الشبك
من مثل الفرس سار في الناسالتين يسقي بعلة الآس
تبختر إخفاء لما فيه من عرجوليس له فيما تكلفه فرج
ولأبي عبد الله الأبيودري قصيدة ترجم فيها أمثال الفرس، منها قوله:
صيامي إذا أفطرت بالسحت ضلةوعلمي إذا لم يجد ضرب من الجهل
وتزكيتي مالا جمعت من الربارياء وبعض الجود أخزى من البخل
كسارقة الرمان من كرم جارهاتعود به المرضى وتطمع من الفضل
ألا رب ذئب مر بالقوم خاويافقالوا علاه البهر من كثرة الآكل
وكم عقعق قد رام مشية قبجةفأنسى ممشاه ولم يمش كالحجل
ولبعض الأدباء قصيدة أيضاً في ذلك، منها:
ما أقبح الشيطان لكنهليس كما ينقش أو يذكر
يكفي قليل الماء رطب الثرىوالطين رطبا بله أيسر
إلى شفا النار أماشي أخيكنني أن خاضها أصدر
أنتهز الفرصة في حينهاوألتقط الجوز إذ ينثر
يطلب أصل المرء من فعلهففعله عن أصله يخبر
كم ماكر حاق به مكرهوواقع في بعض ما يحفر
فررت من قطر غلى مشغبعلي بالوابل يثعنجر
أن تأت عورا فتعاور لهموقل أتاكم رجل أعور
خذه بموت يغتنم عنده اللحمى فلا يشكو ولا يجأر
الكلب لا يذكر في مجلسألا تراءى عندما يذكر
هذا ما اختره منها جاحظ نيسابور في يتيمة الدهر؛ وما أردنا بإثبات ذلك إلا التفنن في الأمثال. وأما المثال الواقعة في أشعار العرب؛ فأكثر من أن تحصى؛ وأوفر من أن تستقصى؛ وقد ذكرنا منها ما فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
تنبيه- قال العلامة الزمخشري في الكشاف: المثل في أصل كلامهم، بمعنى المثل وهو النظير، يقال: مثل وممثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه؛ ثم قيل للقول الممثل مضربه بمورده: مثل. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق؛ حتى تريك الخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن؛ والغائب كأنه مشاهد؛ وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي. ولمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين؛ وفي سائر كتبه أمثاله؛ وفشت في كلام رسول الله ﵌، وكلام الأنبياء ﵈ والحكماء، قال الله تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتيسر، ولا جديرا بالقبول؛ إلا قوله فيه غرابة من بعض الوجوه؛ ومن ثم حوفظ عليه؛ وحمي عن التغيير. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى في هذا النوع قوله:
رجوتكم نصحاء في الشدائد ليلضعف رشدي فاستسمنت ذا ورم
فقوله: استسمنت ذا ورم، من الأمثال السائرة، يضرب لمن يخيب الرجاء فيه. قال الحريري في المقامة الثانية: لقد استسمنت يا هذا ذا ورم ونفخت في غير ضرم. وأشار إليه المتنبي في قوله:
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وبيت بديعية الموصلي قوله:
أنوار بهجته إرسالها مثلاتلوح أشهر من نار على علم
فقوله: أشهر من نار على علم، من الأمثال السائرة؛ يضرب للبالغ من الشهرة غايتها. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة:
وكم تمثلت إذا أرخوا شعورهموقلت بالله خلو الرقص في الظلم
فارقص في الظلم من الأمثال، لكنه مثل عامي لا يؤثر عن العرب؛ على أنه ليس هذا مضربه؛ فإن هذا المثل غنما يضرب لمن يفعل الشيء عبثا في غير محله، بحيث لا ينتفع به. كقول البهاء زهير:
يا أيها الباذل مجهودهفي خدمة أف لها خدمه
إلى متى في تعب ضائعبدون هذا تؤكل اللقمة
تشقى ومن تشقى له غافلكأنك الراقص في الظلمة
فتراه كيف تمثل به لمن يذهب فعله ضائعا. وأما التمثيل به حال إرخاء الأحباب للشعور فلا وجه له، فإن إرخاء الشعور أمر مستحسن من الحبائب والأحباء، لم يفعل في غير موقعه حتى يمثل له الرقص في الظلم، فقوله في شرحه: أن قولي لهم بعد إرخاء الشعور: خلوا الرقص في الظلم، لا يخفى على حذاق الأدب؛ أنما لاحظ فيه تشبيه الشعور بالظلم، ولم يتألم مضرب المثل؛ فأخطأ الصواب ولم يشعر.
والشيخ عبد القادر الطبري انتحل بيت الشيخ عز الدين الموصل فقال:
كما لهم ظاهر إرسالهم مثلايلوح أشهر من نار على علم
وبيت بديعيتي قولي:
أرسلت إذ لذ لي حبيهم مثلاوقد يكون نقيع السم في الدسم
فالسم في الدسم من المثال السائرة، يضرب للمحبوب يكون فيه المكروه. قال صاحب البردة:
كم حسنت لذة للمرء قاتلةمن حيث لم يدر أن السم في الدسم
وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله:
طالت مسافة الليل لا منامة بهولا منام لمقروح على ألم
بسقم عينيك اسقم كل جارحةفرب داء دفين صح بالسقم
هذا هو قول أبي الطيب (فربما صحت الأجسام بالعلل).
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع