تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الطباق

إن أدن ينأوا وما قلبي كقلبهموهل يطابق مصدوع بملتئم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الطباق ويسمى المطابقة والتطبيق والتضاد والتكافؤ- وهو الجمع بين معنيين متضادين، أي معنيين متقابلين في الجملة، قالوا: ولا مناسبة بين معنى المطابقة لغة، ومعناها اصطلاحا، فإنها في اللغة الموافقة، يقال: طابقت بين الشيئين: إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر، وطابق الفرس في جريه: إذا وضع رجليه مكان يديه، والجمع بين الضدين ليس موافقة.

قال ابن الأثير في المثل السائر: ولا أعلم من أي شيء اشتقوا هذا الاسم، ولا وجه للمناسبة بينه وبين مسماه، ولعلهم قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. انتهى.

واغرب ابن أبي الحديد في قوله: الطبق في التحريك في اللغة، هو المشقة، قال الله ﷾ "لتركبن طبقا عن طبق" أي مشقة بعد مشقة، فلما كان الجمع بين الضدين على الحقيقة شاقا بل متعذرا، ومن عادتهم أن تعطى الألفاظ حكم الحقائق في أنفسها توسعا، سموا كل كلام جمع فيه الضدين مطابقة وطباقا. انتهى.

وقال السعد التفتازاني في شرح المفتاح: إنما سمي هذا النوع مطابقة لأن في ذكر المعنيين المتضادين معا توفيقا، وإيقاع توافق بين ما هو في غاية التخالف كذكر الأحياء مع الإماتة، والإبكاء مع الضحك ونحو ذلك. انتهى.

وكأن ابن الأثير ظهر له وجه المناسبة فيما بعد فقال في كفاية الطالب: المطابقة هي عند الجمهور: الجمع بين المعنى وضده، ومعناها أن يأتلف في اللفظ ما يضاد في المعنى، وكأن كل واحد منهما وافق الكلام فسمي طباقا.

قال: وذكر الأصمعي المطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع وأنشد:

وخيل تطابقن بالدراعينطباق الكلاب يطأن الهراشا

الهراش كحطام الشوك، ولذلك خص الوطأ فيه، لأن الكلب إذا مشى فيه رأى أين يضع يده فيضع رجله موضعها، وفي ذوات الأربع ما لم تجاوز رجله موضع يده، وقد يطابق من ثقل يحمله، أو شيء يتقيه، وقد يطابق بعضها على كل حال.

قال: وأحسن بيت قيل في ذلك لزهير:

ليث بعثر يصطاد الرجال إذاما كذب الليث عن أقرانه صدقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقال الخليل: يقال: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حد واحد وألصقتهما.

وقدامة يسمي المطابقة تكافؤا، والطباق عنده اجتماع المعنيين في لفظة مكررة، وأنشد عليه قول الأودي:

وأقطع الهوجل مستأنساًبهوجل عيرانة عنتريس
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إما ترى رأسي أزرى به»

فهوجل الأول: المفازة البعيدة. والثاني: الناقة بها هوج من سرعتها وهذا عند سائر أهل هذا العلم تجنيس مستوفي. وقد يجمع بين قول الخليل وقدامة، بأن يجعل الشيئان في كلام الخليل المعنيين، والحد الواحد اللفظة ويكون مطابقة اللفظة للمعنى أي موافقته، ومنه قولهم: فلان يطابق فلانا على كذا أن يوافقه ويساعده، فيكون مذهب قدامة أن اللفظة وافقت معنى ثم وافقت معنى آخر. انتهى كلام ابن الأثير.

وجمعه بين قول الخليل وقدامة ليس بصواب، فقد قال الأخفش: ممن قال أن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد، فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال سبحان الله، من كان أعلم منهما بطيبه وخبيثه؟. انتهى.

وما أحسن ما أتى في الجواب بالطباق بين الطيب والخبيث، وعلى هذا فتفسير الخليل المذكور للمطابقة لغوي لا اصطلاحي.

والطباق قسمان، حقيقي ومجازي، ويخص بعضهم الثاني باسم التكافؤ. وكل منهما إما لفظي أو معنوي، وإما طباق إيجاب أو طباق سلب. فالطباق الحقيقي- ما كان بألفاظ الحقيقة، سواء كان من اسمين أو فعلين أو حرفين، كقوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) وقوله تعالى: (وما يسوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور) وقوله تعالى: (وإنه هو أضحك وأبكى وأنه هو آمات وأحيا) وقوله تعالى: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء).

وقول الني ﵌ للأنصار: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.

وقل أبي صخر الهذلي:

أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
للشاعر أبو صخر الهذلي، اقرأ القصيدة

وقول ابن الدمينة:

لأن سائني أن نلتني بمساءةلقد سرني أني خطرت بالك

وقول كثير عزة:

وواله ما قاربت إلا تباعدتبصرم ولا أكثرت إلا أقلت

وقول أبي الحسن التهامي:

طبعت على كدر وأنت تريدهاصفوا من الأقذاء والأكدار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»
ومكلف الأيام ضد طباعهامتطلب في الماء جذوة نار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

ومن لطيف قول الأرجاني:

وقد نزلت من الملوك بماجدفقر الرجال إليه مفتاح الغنى

وقول الفرزدق:

لعن الإله بني كليب أنهملا يغدرون ولا يفنون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهموتنام أعينهم عن الأوتار

وفي البيت الأول مع الطباق تكميل حسن، إذ لو اقتصرت على قوله: لا يغدرون، لاحتمل الكلام المدح، إذ ترك العذر قد يكون عن عفة، فقال: ولا يفنون، ليفيد أنه للعجز، كما أن ترك الوفاء للؤم، وحصل مع ذلك إيغال حسن لأنه لو وقف على قوله: ولا يفون، لتم المعنى، لكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا، حيث قال: لجار، لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من تركه لغيره.

والطباق بالحروف كقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

وقول الشاعر:

على أنني راض بأن أحمل الهوىوأخلص منه لا عليَّ ولا ليا

وقول الآخر:

ويوم علينا ويوم لناويوم نساء ويوم نسر
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

والطباق المجازي- ما كان بألفاظ المجاز، كذا قالوا، والذي أراه: أنه يشترط فيه أن يكون المعنيان المجازيان متقابلين أيضاً، وإلا دخل فيه إيهام الطباق- وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين أيضاً، عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان، وقد جعلوه نوعا أخر غير المجازي.

فمثال الطباق المجازي قوله تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه، فالموت والإحياء متقابل معناهما المجازيان، وهما الضلال والهدى، ومعناهما الحقيقيان المعروفان.

ومثله قول علي ﵇: احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. قال ابن أبي الحديد: ليس يعني بالجوع والشبع ما يتعارفه الناس وإنما المراد: احذروا صولة الكريم إذا ضيم وامتهن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم. انتهى.

فعبر عن الضيم بالجوع، وعن الإكرام بالشبع، وهو مجاز، وكلا معنييهما متقابلان، الحقيقان والمجازيان.

وقول التهامي:

لقد المكارم بعد موتوشاد بناءها بعد انهدام
للشاعر التهامي، من قصيدة «بعثن غداة تقويض الخيام»

فالإحياء والموت، والشيد والانهدام متقابلة معانيها الحقيقة والمجازية إذ المراد: أنه أعطى بعد أن منع الناس كلهم.

ومنه قولي:

يهلك المال بالعطاء ويحياميت فضل فاعجب لمحيٍ مميت
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يهلك المال بالعطاء ويحيا»

ومثال إيهام الطباق قول دعبل:

لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أين الشباب وأية سلكا»

فضحك المشيب هنا عبارة عن ظهوره ظهورا تاما، ولا تقابل بين البكي وظهور المشيب، لكنه عبر عنه بالضحك الذي يكون معناه الحقيقي مضاد لمعنى البكاء.

وقول ابن رشيق:

وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوانجوم العوالي في سماء عجاج
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

فإن التقابل غنما هو في معنيي الإطفاء والإيقاد الحقيقيين، وأما المجازيان فلا، لأن إطفاء الشمس عبارة عن إثارة العجاج حتى غطى على الشمس، وإيقاد نجوم العوالي عبارة عن تشريع أسنة رماحهم، ولا مضادة بين هذين المعنيين. وغلط ابن حجة في عده هذا البيت من التكافؤ.

ويعجبني من هذا النوع قول أبي العرب المغربي:

من كل مشتمل بمنصل عزمهذي همة يطأ السماء همام
نشوان من خمر الكرى صاحي الندىريان من ماء المحامد ظام

فالتقابل في هذا أيضاً بين المعاني الحقيقة لا المجازية كما لا يخفى. وأما الطباق المعنوي فهو متقابلة الشيء بضده في المعنى لا اللفظ، كقوله تعالى: (إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) معناه: ربنا ليعلم إنا لصادقون، وقوله تعالى: (جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء) قال أبو علي الفارسي: لما كان البناء رفعا للمبني قوبل بالفراش الذي هو خلاف البناء.

وقول المقنع الكندي:

لهم جل مالي أن تتابع لي غنىوإن قل مالي لا أكلفهم رفدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»

فقوله: إن تتابع، في قوة قوله: إن كثر، والكثرة ضد القلة، فهو إذن طباق بالمعنى لا باللفظ.

وقول هدبة بن الخشرم:

فإن تقتلوني في الحديد فإننيقتلت أخاكم مطلقا لم يقيد

فإن معناها، فإن تقتلوني مقيدا، وهو ضد الطلق، فطابق بينهما في المعنى. وطباق الإيجاب كجميع ما تقدم من الأمثلة.

وأما طباق السلب، فهو الجمع بين فعلي مصدر واحد، مثبت ومنفي أو أمر ونهي، كقوله تعالى "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وقوله "أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" وقوله "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" فالمطابقة بين هذه الآيات حاصلة بين إثبات العلم ونفيه. وقوله تعالى "فلا تخشوا الناس واخشون" فالمطابقة حاصلة بين النهي عن الخشية والأمر بها.

ومثاله من الشعر قول امرئ القيس:

جزعت ولم أجزع من البين مشفقاوعزيت قلبا بالكواعب مولعا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «جزعت ولم أجزع من البين مجزع»

وقول آخر:

وننكر عن شئنا على الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول

وقول البحتري:

يقيض لي من حيث لا أعلم النوىويسري إلي الشوق من حيث أعلم

وقول أبي الطيب:

ولقد علمت وما علمت حقيقةولقد جهلت وما جهلت خمولا

ومن المستطرف في ذلك قول بعضهم:

خلقوا وما خلقوا لمكرمةفكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يدفكأنهم رزقوا وما رزقوا

فالمطابقة بين ذلك كله بين الإيجاب والسلب.

ومن الطباق نوع يسمى الطباق الخفي، والملحق بالطباق، وهو الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر، نوع تعلق مثل السببية واللزوم كقوله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة لكنها مسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة، وقوله تعالى "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" فإن ابتغاء الفضل وإن لم يكن مقابلا للسكون لكنه يستلزم الحركة المضادة للسكون، ومنه قوله تعالى "اغرقوا فأدخلوا نارا" لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المضاد للإغراق، وقيل لأن الغرق من صفات الماء، فكأنه جمع بين النار والماء.

قال ابن منقذ: وهي أخفى مطابقة من القرآن.

قال ابن المعتز: من أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" لأن معنى القصاص القتل، فصار القتل سبب الحياة.

ومن أمثلته في الشعر قول التهامي:

والهون في ظل الهوينا كامنوجلالة الأخطار في الأخطار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

فإن جلالة الأخطار وإن لم تكن مقابلة للهون، لكنها لازمة للعز المقابل للهون.

وقول الآخر:

وجهه غاية الجمال ولكنفعله غاية لكل قبيح

فإن ضد الجمال الدمامة، لكنها لما كانت تستلزم القبح طابقه بينه وبين الجمال.

وكذا قول الطغرائي:

وشان صدقك عند الناس كذبهموهل يطابق معوج بمعتدل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

لأن المعوج إنما يطابقه المستقيم، والمعتدل يطابقه المائل، لكن الاعتدال لازم للمستقيم المطابق للمعوج.

وأما قول أبي الطيب:

لمن تطلب الدنيا إذ لم ترد بهاسرور محب أو إساءة مجرم

فاتفقوا على أنه طباقه بين المحب والمجرم فاسد، لأن المجرم ليس ضد المحب، وإنما ضده المبغض، وأما طباقه بين السرور والإساءة، فقد يقال من الملحق بالطباق، لان من أحسن إلى شخص فقد سره.

وفساد المطابقة أمر محذور.

وعد منه ابن الأثير في كفاية الطلب قول زهير:

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخناأصبت حليما أو أصابك جاهل
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

قال: فإن الحلم ليس بضد الجهل والخنا، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم أو المعرفة وما شاكلها. انتهى.

ووقع هذا للتهامي في قوله:

ولربما اعتضد الحليم بجاهللا خير في يمنى بغير يسار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

على أنه ما جهل المطابقة بين الجهل والعلم في قوله:

ومن الرجال معالم ومجاهلومن النجوم غوامض ودراري
للشاعر علي بن محمد التهامي، من قصيدة «حكمُ المنيَّة في البريَّة جارِ»

وممن طابق بين السفه والحلم، والجهل والعلم، أبو تمام في قوله:

سفيه الرمح جاهله إذا مابدى فضل السفيه على الحليم

وقوله:

ينال الفتى من عيشه وهو جاهلويكدي الفتى من دهره وهو عالم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم»

وقال الشريف الرضي:

خطط يجبن المش......جع أو يسفهن الحليما.

وقال:

رأيت المال يرفع من سفيهوعدم المال ينقص من حليم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أرى نفسي تتوق إلى النجوم»

ومقابلة النقص بالرفعة من الملحق بالطباق للزومه الضعة المقابلة لها.

وقال أيضاً:

في رفقة لا يستطيل سفيههاأبدا ولا يدري المقال حليمها

قال الصفدي: وعدم المطابقة في شعر أبي الطيب كثير، من ذلك قوله:

ولكل عين قرة في قربهحتى كأن مغيبه الأقذاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

فإن القرة ضدها السخنة، والقذى ضد الجلاء.

قوله أيضاً:

ولم يعظم لنقص كان فيهولم يزل الأمير ولن يزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

فإن العظم ضد الحقارة، والنقص ضد الكمال، فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، كان أصنع. انتهى.

قلت: ويجاب عنه أنه من الملحق بالطباق لاستلزام النقص الحقارة.

قال: وكذا قوله:

وإنه المشير عليك في بضلةٍوالحر ممتحن بأولاد الزنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

فإن الحر ضده اللئيم. انتهى.

ومنه قوله:

رأيتك في الذين أرى ملوكاكأنك مستقيم في محال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

حكى أبو الحسن الواحدي في شرحه قال: قال أبو الحسن محمد بن أحمد المعروف بالشاعر المغربي: كان سيف الدولة يسر بمن يحفظ شعر المتنبي، فأنشدته يوما (رأيتك في الذين أرى ملوكا) وكان أبو الطيب حاضرا، فقلت: هذا لبيت والذي يتلوه لم يسبق إليه، فقال سيف الدولة: كذا حدثني الثقة، أن أبا الفضل محمد بن الحسين قال كما قلت.

فأعجب المتنبي واهتز، فأردت أن أحركه فقلت: إلا إن في أحدهما عيبا في الصنعة، فالتفت إلي التفات حنق وقال: ما هو؟ فقلت: قولك: مستقيم في محال، والمحال ليس ضد الاستقامة، وإنما ضدها الاعوجاج، فقال الأمير: هب أن القصيدة جيمية وقلت: كأنك مستقيم في اعوجاج، فكيف تعمل في تغيير البيت الثاني وهو:

فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن البيض بعد دم الدجاج

فضحك وضرب بيده وقال: حسن مع هذه السرعة، إلا أن يصلح أن يباع في سوق الطير، لا مما يمدح به أمثالنا يا أبا الحسن. انتهى.

تنبيه- جعل الخطيب القزويني في الإيضاح والتلخيص، من أنواع المطابقة التدبيج ومثل له.

بقول أبي تمام:

تردى ثياب الموت حمرا فما أتىلها الليل إلا وهي من سندس خضر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

ومنع بعضهم كون مطلق التدبيج من الطباق، وقال: ليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غير البياض والسواد، لأنهما ضدان بخلاف غيرهما.

قال ابن الأثير: وقد زعم بعضهم أن أفضل مطابقة وقعت قول ابن كلثوم:

أنا نورد الرايات بيضاونصدرهن حمرا قد روينا

وليس كما زعم، لأن الناس متفقون على أن جميع المخلوقات مخالف وموافق ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو في سبيل المسامحة.

قال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض هو ضد السواد على الحقيقة، لأن كل واحد منهما كلما قوي زاد بعدا من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوي زاد قربا من السواد، فإذا ضعف زاد قربا من البياض، ولأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا يتصبغ، وليس سائر الألوان كذلك، لأنها تصبغ، وهذا ظاهر فمن شك فيه لا يعد من العقلاء فضلا عن العلماء. انتهى كلام ابن الأثير.

والحق أن التدبيج داخل في تفسير الطباق لما بين اللونين من التقابل، فإنهم فسروا المتضادين في حد الطباق بالمعنيين المتقابلين في الجملة.

قال السعد التفتازاني: يعني ليس المراد بالمتضادين، الأمرين الوجوديين المتواردين على محل واد بينهما غاية الخلاف، كالسواد والبياض، بل أعم من ذلك، وهو ما يكون بينها تقابل وتناف في الجملة وفي بعض الأحوال، سواء كان التقابل حقيقيا أو اعتباريا، وسواء كان تقابل التضاد أو تقابل الإيجاب والسلب، أو تقابل العدم والملكة، أو تقابل التضايف، أو ما يشبه شيئا من. انتهى.

وعلى هذا فبين كل لونين من الألوان غير البياض والسواد تقابل، وإن لم يكن تقابل التضاد فهو داخل في الطباق، وسيأتي الكلام على التدبيج مستوفي في محله إن شاء الله تعالى.

تتميم- أحسن الطباق ما ترشح بنوع آخر من البديع يكسوه طلاوة وبهجة لا توجد عند فقده، وإلا فمجرد مطابقة الضد بالضد ليس تحته كبير أمر، وما وقع في القرآن العظيم منه أكثره مشتمل على ما ذكرناه كقوله تعالى: "هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً" فقابل بين الخوف والطمع مع التقسيم البديع، إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع والأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين وقوله تعالى: "له الحمد في الأولى والآخرة" فإن فيه مع المطابقة إدماجا لأن الغرض من هذه الآية تفرده تعالى بوصف الحمد، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء، وسيأتي عليها مزيد كلام في نوع الإدماج إن شاء الله تعالى. وكذلك قوله تعالى: "تولج الليل في النهار تولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب" فترشحت المطابقة فيها بالعكس الذي لا يدرك لو جازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير القدرة الإلهية، فإن في العطف بقوله: وترزق من تشاء بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال التي لا يقدر عليها غيره، قادر على أن يرزق من يشاء من عباده بغير حساب، وهذا من مبالغة التكميل المشحونة بالقدرة الربانية، وقوله تعالى: "جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" فإن فيه المطابقة بين الليل والنهار اللف والنشر المرتب، فإن السكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار، وأنت إذا تأملت ما وقع في كلام الله تعالى من هذا النوع، رأيته جميعه أو أكثره من هذا القبيل.

وأما أمثلته في الشعر فمن بديعة يقول أبي الطيب المتنبي:

برغم شبيب فارق السيف كفهوكانا على العلات يصطحبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
كأن رقاب الناس قالت لسيفهرفيقك قيسي وأنت يماني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

فإنه رشح الطباق بالتورية التي كسته بهجة كان عاريا عنها، والطباق بين قوله: قيسي ويماني، لان العداوة بين قيس ويمن معلومة، والتورية في قوله: يماني، لأنه أراد السيف فورى به عن الرجل المنسوب إلى اليمن.

ومثاله قول الصاحب بن عباد يرثي كثير بن أحمد الوزير:

يقولون قد أودى كثير بن أحمدوذلك رزء في الأنام جليل
فقلت دعوني والعلى نبكه معافمثل كثير في الأنام قليل

وأبو العلاء المعري كساه ديباجة الجمع مع التقسيم في قوله:

لا تطويا السر عني يوم نائبةفإن ذلك ذنب غير مغتفر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»
والخل كالماء يبدي لي ضمائرهمع الصفاء ويخفيها مع الكدر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

والقاضي الأرجاني ضوع أرجه في اللف والنشر المرتب في قوله:

تعلق بين الوصل والهجر مهجتيفلا أربى في الحب أقضي ولا نحبي

وهذا البيت من قصيدة جيدة له مطلعها:

أسائل عنها الركب وهي مع الركبواطلبها من ناظري وهي في القلب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أسائل عنها الركب وهي مع الركب»

وبعده البيت المستشهد به وبعده:

فلله ربع من أميمة عاطلتوشحه الأنداء باللؤلؤ الرطب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أسائل عنها الركب وهي مع الركب»
رميت محيا دارهم عن صبابةبسافحة الإنسان سافحة الغرب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أسائل عنها الركب وهي مع الركب»
أروي بها خدي وفي القلب غلتيوقد يتخطى الغيث أمكنة الجدب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أسائل عنها الركب وهي مع الركب»
فسر نتعلل بالحديث عن الهوىونسند إلى أحبابنا أثر الحب
ولا تتعجب أني عشت بعدهمفإنهم روحي وقد سكنوا قلبي
وحرف تجوب القاع والوهد والربىكحرف مديم الرفع والجر والنصب
نجائب يقدحن الحصى كل ليلةكأن بأيديها مصابيح للركب
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أسائل عنها الركب وهي مع الركب»

ومن المطابقة باللف والنشر المرتب أيضاً قول الشريف الرضي ﵁:

يا روض ذي الأثل من شرقي كاظمةقد عاود القلب من ذكراك أشجانا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا روض ذي الأثل من شرقي كاظمة»
أوسعت عيني دموعا والحشا حرقافكيف ألفت أماها ونيرانا

وما أحسن قوله بعده وهو من المرقص المطرب:

أشم منك نسيما لست أعرفهأظن ظمياء جرت فيك أردانا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا روض ذي الأثل من شرقي كاظمة»

ومنها:

ألقاك والقلب صاح من رجيع هوىوأنثني عنك بالأشواق نشوانا
وما تداويت من قرح على كبديولا سقاني راقي الحب سلوانا

ومن المطابقة على الوجه المذكور قوله أيضاً:

تلذ عيني وقلبي منك في ألمفالقلب في مأتم والعين في عرس
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «خذي حديثك من نفسي عن النفس»

وقوله في المعنى أيضاً:

قلبي وطرفي منك هذا في حمىقيظ وهذا في رياض ربيع
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى»

وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى، فقال أبو تمام:

أفي الحق أن يضحى بقلبي مأتممن الحب والبلوى وعيناي في عرس

وقول المتنبي:

حشاي على جمر ذكي من الهوىوعيناي في روض من الحسن ترتع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

وقال آخر وهو شاهد لما نحن فيه من المطابقة باللف والنشر غير أنه معكوس الترتيب:

تصلى الفؤاد بنور من محاسنهافالعين في جنة والقلب في نار

وأبو تمام رفع طبقة المطابقة بالاستعارة في قوله:

وأحسن من نور تفتحه الصبابياض العطايا في سواد المطالب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وألبسها حلة المشاكلة وملكها رق الاستعارة في قوله:

فتى عنده خير الثواب وشرهومنه الإباء المر والكرم العذب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»

وأما المتأخر ون فأكثروا من إبرازها في أشعار التورية التي هي أعلى وأحلى أنواع البديع على القول المتصور.

فمن ذلك قول الصاحب فخر الدين بن مكانس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

يا بن عم النبي إن إناساقد توالوك بالسعادة فازوا
أنت للعلم في الحقيقة بابيا إمامي ومن سواك مجاز

وقول جمال الدين بن نباتة:

يا غائبين تعللنا لغيبتهمبطيب عيش ولا والله لم يطب
ذكرت والكأس في كفي لياليكمفالكأس في راحة والقلب في تعب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا غائبين تعللنا لغيبتهم»

وقوله:

إني إذا آنست همسا طارقاعجلت باللذات قطع طريقه
ودعوت ألفاظ الحبيب وكأسهفنعمت بين حديثه وعتيقه

وقول العفيف التلمساني:

وفي الحي هيفاء المعاطف لو بدتمع البان كان الورق فيها تغننت
للشاعر العفيف التلمساني، اقرأ القصيدة
عجبت لها في حسنها إذا تفردتلآية معنى بعده قد تثنت

وقول الصالح الصفدي:

وأهيف حاز قداقد حار فيه المعنى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وأهيف حاز قدا»
تراه في الحسن فردالكنه يتثنى

وقول البدر الذهبي:

وحديقة مطلولة باكرتهاوالشمس ترشف ريق أزهار الربى
للشاعر ابن لؤلؤ، من قصيدة «وحديقة مطلولة باكرتها»
يتكسر الماء الزلزال على الحصىفإذا غدا بين الرياض تشعبا

وقول السراج الوراق:

وبي من البدو كحلاء الجفون بدتفي قومها كمهاة بين آساد
بنت عليها المعالي من ذوائبهابيتا من الشعر لم يمدد بأوتاد
وأوقدت وجناتها النار لا القرىلكن لأفئدة منا وأكبادا
فلو بدت لحسان الحضر قمن لهاعلى الرؤوس وقلن الفضل للباد

وقول ابن حجر:

خليلي ولى العمر منا ولم تنبوننوي فعال الصالحين ولكنا
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «لك الحمد حمدا باللغات جميعها»
فحتى متى بنبي بيوتا مشيدةوأعمارنا منا تهد وما تبنا

وقوله:

أتى من أحيبابي رسول فقال ليتذلل وهن واخضع تغز برضانا
فكم عاشق قاسى الهوان بحبنافصار عزيزا حين ذاق هوانا
للشاعر ابن حَجَر العسقلاني، اقرأ القصيدة

وقول البدر الذهب:

يا عاذلي فيه قل ليإذا بدا كيف أسلو
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة
يمر بي كل وقتوكلما مر يحلو
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

وقول ابن سناء الملك:

وفي الحي من صيرتها نصب خاطريفما أذنت في نازل الشوق بالرفع
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «فراق قضى للهم والقلب بالجمع»
تنيه بفرع منه أصل بليتيولم أرى أصلا قط يعزى إلى فرع

وقول مؤلفه عفا الله عنه:

إلى الله مما يقاسي المحببليلي وما نال في الحب نيلا
قضى العمر بين بكى واشتياقفيبكي نهارا ويشتاق ليلا

وقول بدر الدماميني:

أمنيتي أنت يا مليحاما مثله في الوجود ثاني
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة
فكيف يبدي جفاك خوفاوأنت لي غاية الأماني
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة

قوله:

وعزيز الجمال أوجب ذليوهواه علي أصبح فرضا
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة
فهو في الحسن والجمال سماءصرت يا صاح منه بالذل أرضا
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة

ولنكتف من ذلك بهذا المقدار، خوف السأم من الإكثار.

والشيخ صفي الدين الحلي جاء بالمطابقة محلاة باللف والنشر، وبيته:

وطال ليلي وأجفاني به قصرتعن الرقاد فلم أصبح ولم أنم

وغلط ابن حجة في قوله: إن المطابقة فيه مجردة، فإن قوله: فلم أصبح راجع إلى طول الليل، وقوله: ولم أنم، راجع إلى قصر الأجفان، وهذا هو اللف والنشر المرتب.

وبين بديعية ابن جابر الأندلسي، المطابقة فيه مجردة، وهو:

وأسهر إذا نام جفنا وامض حيث ونىواسمح إذا شح نفسا واسران يقم

وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:

أبكي فيضحك عن در مطابقحتى تشابه منثور بمنتظم

قال ابن حجة: لعمري أن بيت الصفي والعميان يتنزلان عند هذا البيت العامر من المحاسن منزلة الأطلال البالية، فإن الشيخ عز الدين جمع فيه بين تسمية النوع من جنس الغزل وبين غرابة المعنى وحسن الانسجام، ورقة التشبيب وبديع اللف والنشر، ولم يأت كل منهما بغير مجرد المطابقة. وأما قول العميان في آخر بيته: واسر أن يقم، فهو من بقية ما سقط من حجارة البيت. انتهى.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

بوحشة بدلوا أنسي وقد خفضواقدري وزادوا علو في طباقهم

والشيخ عبد القادر الطبري أغار على بيت العز الموصلي فهدمه وعمره بالركة والعقادة فقال:

يبكي المحب وّذا المحبوب يضحك عندر فطابق منثورا بمنتظم

ما أقبح قوله: وذا المحبوب.

وبيت بديعيتي هو:

إن أدنوا ينأوا وما قلبي كقلبهموهل يطابق مصدوع بملتئم

المطابقة هنا مرشحة بالتذييل وهو قولي: وما قلبي كقلبهم، فإنه لما أخبر عن نأيهم إذا دنا ذيله بقوله: وما قلبي كقلبكم، يعني أن قلبي واجد بهم مشغوف بحبهم، فهو يهوى الدنو منهم، وليس كذلك قلبهم؛ فهم ينأون تعززا وتدللا كما هو شأن المحبوب مع المحب، والمعشوق مع العاشق. ثم اتبع ذلك بحسن التعليل مدمجا في التمثيل، فإنه مثل قلبه بالظرف المصدوع وقلبهم بالملتئم، وأخرج الكلام مخرج المثل السائر، والتعليل فيه ظاهر؛ وفيه مع ذلك بديع اللف والنشر والتورية بتسمية النوع من جنس الغزل، والله أعلم.

وبيت الشيخ شرف الدين المقري منحوت من الجبال وهو:

أحييت وجدي وأفنيت العزا وساء الود حزني وسر المعتدي سقمي

الشيخ أكثر من المطابقة في هذا البيت، لكنها من الكثرة الكثرة التي لا تعجب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.