من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الافتنان
إن افتنانهم في الحسن هيمنيقدما وقد وطئت فرق السها قدمي
الافتنان - هو الإتيان بفنين مختلفين من فنون الكلام في بيت واحد فأكثر، مثل النسيب والحماسة، والمدح والهجو، والتهنية والتعزية، ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات، مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام.
ومنه ما حكي أنه لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد لعنة الله، فلم يعرف أحد ما يقول، ولم يقدروا على الجمع بين التعزية والتهنية، حتى أتى عبد الله بن همام السلولي فدخل فقال ليزيد: آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزيت عظيماً؛ وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزيت، فقد فقدت الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلا، ووهبت جليلا، أن قضى معاوية ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لمصالح الأمور.
ثم أنشد:
فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةواشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الأقوام نعلمهكما رزئت ولا عقبى كعقباكا
وفي معاوية الباقي لنا خلفإذا نعيت فلا نسمع بمعناكا
ففتح للناس باب القول.
فقال أبو نواس يعزي الفضل عن الرشيد ويهنيه بالأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالكبأكرم حي كان أو هو كائنُ
حوادث أيام تدور صروفهالهن مساوٍ مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرىفلا الملك مغبون ولا الموت غابن
وتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام، بقوله للواثق ويهنيه بالخلافة ويعزيه بالمعتصم. صرف القول فيها كيف شاء وأطنب كما أراد، واحتج وأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الطريقة من الشعر.
يقول فيها:
لله أي حياة انبعثت لنايوم الخميس وبعد أي حمامِ
أودى بخير أمام اضطربت بهشعب الرجال وقام خير إمامِ
تلك الرزية لا رزية مثلهاوالقسم ليس كسائر الأقسام
إن أصبحت هضبات قدسَ أزالهاقدرٌ فما زالت هضاب شمام
أو يفتقد ذو النون في الهيجا فقددفع الإله لنا من الصمصام
أوجب منا غارب غدرا فقدرحنا بأتمك ذروة وسنام
هل غير بؤسي ساعة ألبستها=بنداك ما لبست من الأنعام
نقض كرجع الطرف قد أبرمتهيا بن الخلائف أيما إبرام
ما أن رأى الأقوام شمساً قبلهاأفلت ولم تعقبهم بظلام
أكرم بيومهم الذي ملكتهمفي صدره وبعامهم من عام
وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على قوله:
قد قلت إذا غيبوك واصطفقتعليك أيدٍ بالترب والطينِ
أذهب فنعم المعين كنت علىالدنيا ونعم الظهير للدين
لن يجبر الله أمة فقدتمثلك إلا بمثل هارون
والجمع بين التهنية والتعزية في باب الافتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض.
ومن رائق ذلك قول أبي الفتيان محمد بن حيوس، يخاطب نصر بن محمود صاحب حلب مهنياً له بالملك، ومعزياً له في أبيه، وهي في قصيدة طويلة جيدة:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطاعلى أنه لولاك لم يكن الصبرُ
عسرانا ببوسي لا يماثلها الأسىتقارن نعمى لا يقابلها الشكر
وما أحسن قوله فيها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتهافلا افترقت مادب عن ناظر شفرُ
يقينك والتقوى وجودك والغنىولفظك والمعنى وعزمك والنصر
وأما ما افتن به الشاعر من النسب والحماسة، فمنه قول عنترة:
إن تغد في دوني القناع فإننيطب بأخذ الفارس المستلئمِ
فأول البيت نسيب وآخره حماسة، والمستلئم: الذي يلبس لبس لأمة حربه، وهي الدرع، وما أحسن مقابلته به قناع المرأة.
ومنه قول عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، الملقب والده بذي اليمينين، وزير المأمون:
نحن قوم تذيبنا الحدق النجل على أننا نذيب الحديدا
طوع أيدي الغرام تقتادنا الغيد ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البيض المصونات أعيناً وخدودا
تتقي سخطنا الأسود ونخشىسخطة الخشف حين يبدي الصدودا
فترانا يوم الكريهة أحراراً وفي السلم للحسان عبيدا
وقول أبي دلف العجلي:
أحبك يا ظلوم وأنت منيمكان الروح من جسد الجبانِ
ولو أني أقول مكان روحيخشيت عليك بادرة الطعان
وقول أبي فراس بن حمدان:
هوانا غريب شزب الخيل والقنالنا كتب والباترات رسائلُ
أغرن على قلبي بخيل من الهوىوطارد عنهن الغزال المغازل
بأسهم لفظ لم تركب نصالهاوأسياف لحظ ما جلتها الصياقل
وقائع قتلى الحب فيها كثيرةولم يشتهر سيف ولا هز ذابل
أراميتي كل السهام مصيبةوأنت لي الرامي وكلي مقاتل
وإني لمقدام وعندك هائبوفي الحي سحبان وعندك بأقل
وقوله من قصيدة مطلعها:
لعل خيال العامرية زائرفيسعد مهجور ويسعد هاجرُ
وإني على طول الشماس على الصبا=أحن وتصبيني إليه الجآذر منها:
فيا نفس ما لاقيت من لاعج الهوىويا قلب ما جرت عليك النواظر
ويا عفتي ما لي وما لك كلماهممت بأمرهم بي منك زاجر
كأن الحجا والصون والفضل والتقىلدى لربات الخدور ضرائر
وكم ليلة خضت الأسنة نحوهاولا هدأت عين ولا نام سامر
تقول إذا ما جئتها متدرعاًأزائر شوقٍ أنت أم أنت ثائر
فقلت لها كلا ولكن زيارةتخاض حتوف دونها ومحاذر
فلما خلونا يعلم الله وحدهلقد كرمت نجوى وعفت سرائر
وبت يظن الناس فيّ ظنونهموثوبي مما رجم الناس طاهر
وقوله وقد أصابته طعنة في خده:
لما رأت أثر السنان بخدهظلت تقابله بوجه عابسِ
خلف السنان به مواقع لثمهابئس الخلافة للمحب البائسٍ
وقوله أيضاً:
ورب ديار بالعوالي منيعةطلعت عليها بالردى أنا والفجرُ
وحي رددت الخيل حتى ملكتههزيما وردتني البراقع والخمر
وساحبة الأذيال نحوي رأيتهافلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر
وهبت لها ما حازه الجيش كلهوأبت ولم يكشف لأبياتها ستر
ومنه قول امرئ القيس:
فبتنا نذود الوحش عنا كأنناقتيلان لم يعرف لنا الناس مضجعا
تجافى عن المأثور بيني وبينهاوترخي علي السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروح أمسكتبمنكب مقدام على الهول أروعا
قال الشريف المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه في رسالة له: رأيت قوماً من متعمقي أصحاب المعاني يقولون: أراد بالمأثور، السيف، وعنى أنه كان مقلداً سيفاً حال مضاجعته لها، وأنها كانت تتجافى عنه اشتغالاً به. ثم قال: والذي يقوي في ظني أن امرء القيس لم يعن هذا المعنى وإنما عنى أنها تتجافى عن الحديث المأثور بيني وبينها من الوشايات والسعايات، التي يقصد بها الوشاة تفريق الشمل، وإنها تعرض عن ذلك كله، وتطرحه وتقبل على ضمي واعتناقي وإدخالي معها في غطاء واحد. قال ولفظة مأثور تصلح للحديث وللسيف عن القطع. ثم قال: ولم أجد بين امرئ القيس وأبي الطيب من ألم بهذا المعنى.
قال أبو الطيب:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياًبصاحب غير عز هاةٍ ولا غزلِ
فبات بين تراقينا ندافعهوليس يعلم بالشكوى ولا القبل
قال: وما وجدت لأحد من الشعراء بين أبي الطيب وبين أخي الرضي ﵁ شيئاً في هذا المعنى، ووجدت له ﵀ أبياتاً جيدة، وهي هذه:
تضاجعني الحسناء والسيف دونهاضجيعان لي والعضب أدناها عني
إذا دنت البيضاء مني لحاجةأبي الأبيض الماضي فما طلها عني
وإن نام لي في الجفن إنسان ناظرتيقض عني ناظر لي في الجفن
أغرت فتاة الحي مما ألفتهأغلله بين الشعار من الطبن
فقالت هبوه ليلة الخوف ضمهفما عذره في ضمه ليلة الأمن
قال (وهذه الأبيات استوفت هذا المعنى واستوعبته واستغرقته) وأطنب في نعتها. ثم قال: (ويمضي في ديوان شعري نظم هذا المعنى في أقطاع). أثبتها في رسالته المذكورة، لكنها تقصر عن رتبة قطعة أخيه.
فمن أحسنها قوله:
لما اعتنقنا ليلة الرملومضاجعي ما بيننا نصلي
قالت أما ترضى ضجيعك منجسمي الرطيب ومعصمي الطفل
إلا احتملت فراق نصلك ذافي هذه الظلماء من أجلي
انظر إلى ضيق العناق بناتنظر إلى عقد بلا حل
لا بيننا يجري العقار ولافضل به لمدبة النمل
فأجبتها أني أخاف إذافطنوا بنا أهلوك أو أهلي
عديه مثل تميمة نصبتكيلا نصاب بأعين نجل
إني أخاف العار يلصق بييوماً ولا أخشى من القتل
ثم أثبت إقطاعاً أخر خارجة عما نحن فيه، وأطنب الكلام في ذكر محاسنها وبيان ما اشتملت عليه من النكت بياناً طويلاً.
قلت: ولما وقفت على ذلك عن لي أن أنظم هذا المعنى فاستعنت بالله تعالى ونظمته وزدت فيه زيادة لطيفة، لم يسبقني إليها أحد، فقلت ولم أخرج عما نحن فيه من الافتنان:
ولقد طرقت الحي من سعدتحت الدجى كالخادر الوردِ
في ليلة مدت غياهبهامن فرعها كالفاحم الجعد
والصبح يستهدي لمطلعهنجم الدجنة وهو لا يهدي
ومصاحبي من ليس يخفرنيماضي الضريبة مرهب الحد
وسريت معتسفاً أنص علىعبل المقلد مشرف نهد
لا أهتدي والليل معتكرألا بنشر المسك والند
حتى اقتحمت الخدر مجترئاًأدلي بعهد الحب والود
فتنبهت مرتاعة فزعاريا المخلخل طفلة الخد
قالت من المقتول قلت لهامن قد قتلت بلوعة الصد
قالت قتيل هواي قلت أجلقالت أجلك عن جفا الرد
فوقفت مهري غير مرتقبونزلت عن نهدٍ إلى نهد
ودنوت منها وهي عاتبةأبدي العتاب لها كما تبدي
ثم اعتنقنا وهي مغضيةعني وبات وسادها زندي
وضممت سيفي بيننا فغدتغيري تدفعه على عمد
حتى إذا ضاق العناق بناضما يذوب له حصى العقد
قالت فديتك دعه ناحيةيغنيك ضم الرمح من قدي
وقلت في ذلك أيضاً وزدت في زيادة أخرى:
وليلة عانقت في جنحهاثالثة الشمس وبدر التمامْ
فلم يطب لي ضمها ساعةحتى ضممت السيف عند المنام
فاستنكرت ضمي له بينناوقد صفا الوصل وطاب اللزام
قالت فدتك النفس من حازمما تصنع الآن بهذا الحسام
يغنيك عنه لا خشيت العدىمهند اللحظ ورمح القوام
ذكرت بقول أبي الطيب: وقد طرقت فتات الحي مرتدياً - البيتين - ما حكاه لي سيدي الوالد رحمه الله تعالى في بعض منادماته قال: كان بعض الناس ممن أدركته يكثر التمثل بشعر أبي الطيب من غير أن يفهم المعنى، فأنشد يوماً هذين البيتين مترنماً بهما، فسأله بعض الحاضرين، ما عنى بقوله (فبات بين تراقينا ندفعه) ؟ فقال: عنى فرساً، فقال: لو كان فرساً لكسر تراقيك، وتراقيها وأنتما تدفعانه.
وقريب من ذلك ما حكاه صاحب الأغاني، قال: كان الأقيشر عنيناً لا يأتي النساء وكان يصف ضد ذلك من نفسه، فجلس إليه يوماً رجل من قيس.
فأنشده الأقيشر:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعةعسر المكرة ماؤه يتفصدُ
مرح يطير من المراح لعابهويكاد جلد أهابه يتقدد
ثم قال للرجل: أتبصر الشعر؟ قال: نعم. قال: فما وصفت؟ قال: فرساً، قال: أفكنت لو رأيته تركبه؟ قال: أي والله واثني عطفه، فكشف الأقيشر عن أيره فقال هذا وصفت فقم فأركبه، فوثب الرجل عن مجلسه وهو يقول: قبحك الله من جليس سائر اليوم.
رجع. ومن الافتنان بالنسيب والمدح: قول القزاز الأندلسي في ابن صمادح، وهو غريب:
نفى الحب عن مقلتي الكرىكما قد نفى عن يدي العدمْ
فقد قر حبك في خاطريكما قر في راحتيك الكرم
وفرَّ سلوك من فكرتيكما فر عن عرضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيانلا يذهبان بطول القدم
فأبقى لي الحب خال وخدوأبقى له الفخر خال وعم
ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضله على يزيد بن أسيد [وكان] في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات:
لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغر ابن حاتمِ
فهم الفتى الأزدي أتلاف مالهوهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوتهولكنني فضلت أهل المكارم
وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمقذع.
تنبيه - ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التجبير نوعاً يسمى التمزيج - بالجيم - ولم ينظمه أصحاب البديعيات، وهر قريب من الافتنان، غير أن بينهما فرقاً دقيقاً، وهو أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من فنون الكلام، والتمزيج يكون بالجمع بين الفنون والمعاني.
ومن أمثلته قول الشريف الرضي عليه من الله الرضا جامعاً بين الحماسة والمدح والهجو تعريضاً لا تصريحاً.
فقال وأغرب في المقال:
ما مقامي على الهوان وعنديمقول صارم وأنف حمي
وإباء محلق بي من الضيم كما راغ طائر وحشي
أي عذر له إلى المجد إن ذل غلام في غمده المشرفي
ألبس الذل في ديار الأعاديوبمصر الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولاي إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بعرقه سيد الناس جميعاً محمد وعلي
أن ذلي بذلك الجو عزوأوامي بذلك النقع ري
قد يذل العزيز ما لم يشمرلانطلاق وقد يضام الأبي
إن شراً علي إسراع عزميفي طلاب العلي وحظي بطي
أرضي بالأذى ولم يقف العزم قصوراً ولم تعز المطي
تاركاً أسرتي رجوعاً إلى حيث غديري قذٍ ورعيي وبي
كالذي يخبط الظلام وقد أقمر من خلفه النهار المضي
فتحسم أولاً ومدح الخليفة العلوي بمصر، ومت إليه بالنسب وعرض بهجاء بني العباس، ولما ظهرت هذه الأبيات وبلغت القادر بالله، أقامته وأقعدته، وبلغت منه كل مبلغ، فعقد مجلساً أحضر فيه أبا أحمد الطاهر الموسوي والد الرضي، وابنه أبا القاسم المرتضى، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم هذه الأبيات، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم هذه الأبيات، وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد - يعني الرضي -: أي هو أن قد أقام عليه عندنا؟ وأي ضمي رآه من جهتنا؟ وأي ذلك أصابه في ملكنا؟ وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو ذهب إليه؟. أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ ألم نوله النقابة؟ ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز؟ وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ وهل كان لو حصل عنده إلا واحداً من أفناء الطالبيين؟. فقال النقيب أبو أحمد، أن هذا الشعر مما لم نسمعه منه ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعداء الرضي عزاء إليه. فقال القادر بالله: إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطه فيه. فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر في المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى، وحمل المحضر إلى الرضي ليكتب عليه خطه، حمله إليه أبوه وأخوه فامتنع من سطر خطه وأقسم أنه لي من شعره، وأنه لا يعرفه، فأجبره أبوه على أن يسطر خطه في المحضر، فلم يفعل وقال: أخاف دعاة المصريين وغيلتهم. فقال أبوه: وا عجبا تجاف من بينك وبينه ستماءة فرسخ ولا تخاف من بينك وبينه ستة أذرع؟ وحلف أن لا يكلمه، وكذلك أخوه المرتضى. فعل ذلك تقية وخوفاً من القادر بالله وتسكيناً له. ولما انتهى الأمر إلى القادر سكت عنه على غل أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة والله أعلم.
ووقع لي أنا في ذلك قصيدة اشتملت على نسبي وشكوى وفخر وحماسة وحكمة، ولا بأس بإثباتها هنا فإنها من أمثلة هذا النوع وهي:
لك الخير أن جزت اللوى والمطاليافحي ربوعاً منذ دهر خواليا
وقف سائلاً عن أهلها أين يممواوإن لم تجد فيها محبباً وداعيا
وعج أولا نحو المعاهد ثانيازمام المطايا واسأل العهد ثانيا
فإن تلفها من ساكنيها عواطلافعهدي بها مر الليالي حواليا
تحل بها غيد غوان كأنمانظمن على جيد الزمان لئاليا
يرنحن من هيف القدود ذوابلاوينضين من دعج اللحاظ مواضيا
ويبدين من غر الوجوه أهلةوينشرن من سود الفروع لياليا
تحكمن قسراً في القلوب فلن ترىفؤاد محب من هواهن خاليا
قضت بهواهن الليالي وما قضتديون الهوى حتى سئمنا التقاضيا
أطعت الصبا في حبهن مدى الصبافلما انقضى استبدلت عنه التصابيا
نعم قد حلا ذاك الزمان وقد خلاعلى مثله فلبيك من كان باكيا
وثم صبابات من الشوق لن تزلتؤجج وجداً بين جنبي واريا
ولكنني أبدي التجلد في الهوىوأظهر سلواناً وما كنت ساليا
قصارى النوى والهجر أن يتصرمافيمسي قصي الدار والود دانيا
صبرت على حكم الزمان وذو الحجاينال بعون الصبر ما كان راجيا
وقلت لعل الدهر يثني عنانهفاثني عن لوم الزمان شاكيا
ولو أجدت الشكوى شكوت وإنمارأيت صروف الدهر لم تشك شاكيا
فليت رجالاً كنت أملت نفعهمتولوا كفافاً لا عليَّ ولا ليا
ولو أنني يوم الصفاء أتقيتهمتقاة الأعادي ما خشيت الأعاديا
ولكنهم أبدوا وفاقاً واضمروانفاقاً وجروا للبلاء الدواهيا
فأغضيت عنهم لا أريد عتابهمليقضي أمر الله ما كان قاضيا
ولي شيمة في وجنة الدهر شامةتنير على رغم الصباح الديايا
يؤازرها من هاشم ومحمدمفاخر لا تبقي من الفخر باقيا
سبقت إلى غايات مجد تقطعترقاب أناس دونها من روائيا
وزدت على دهري وسني لم تكنتزيد على العشرين إلا ثمانيا
وما وثقت نفسي بخل من الورىأكان صديقاً أم عدواً مداجيا
ولا خانني صبري ولا خف حادثبعزمي إذا ما الخطب ألقى المراسيا
وليس الفتى ذو الحزم من كان مولعابشكوى الليالي والليالي كما هيا
ولكن فتى الفتيان من راح معرضاعن الدهر لا يرجو قريباً ونائيا
وإني لأخفي الوجد صبراً على الأسىويبدي ضعيف الرأي ما كان خافيا
وأطوي الحشا طي السجل على الجوىفما علمت قوت من الوجد ما بيا
أصول بقلب لوذعي ومقوليفل شباه المشرفي اليمانيا
وأنظم من حر الكلام قوافياتكون لآثار المعالي قوافيا
ونزهت شعري من هجاء ومدحةولولا الهوى ما كنت أطري الغوانيا
ولست أعد الشعر فخراً وإننيلأنظم منه ما يفوق الدراريا
ولكنني أحمي الشعر فخراً، وأتقيعداي وأرمي قاصداً من رمانيا
وإن رميت لي فخراً عددت من العلىمزايا عظاماً لا عظاماً بواليا
على أنني من هاشم في صميمهاوحسبك بيتاً في ذرى المجد ساميا
ولنكتف من أمثلة هذا النوع بهذه النبذة.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في نون الافتنان قوله:
ما كنت قبل ظبا الألحاظ قط أرىسيفاً أراق دمي إلا على قدمي
قال ابن حجة: كان المطلوب من الشيخ صفي الدين في هذا النوع غير هذا النظم مع عدم تكلفه بتسمية النوع. انتهى.
قلت: ما أحق لسان حال الشيخ صفي الدين أن ينشد:
وإذا خفيت على الغبي فعاذرأن لا تراني مقلة عمياءُ
وليت شعري ما الذي أنكره من هذا البيت حتى يتعقبه بهذا الكلام، ولقد جاء فيه بأحسن التشبيب وأعظم الحماسة.
وحماسته هذه تشير بطرف خفي إلى قول الآخر:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
كان افتناني ثغراً راق مبسمهصار افتناني بثغر غير سفك دمي
هذا أيضاً افتنان بالنسيب والحماسة.
وبيت ابن حجة قوله:
تغزلي وافتناني في شمائلهمأضحى رثا لاصطباري بعد بعدهمِ
قال ناظمه: الجمع في افتنان هذا البيت بين النسب الخالص والتعزية. انتهى. يعني بالتعزية النعي لأنه نعي اصطباره في الشطر الثاني، وفي كون هذا افتناناً نظر، لأن هذا في الحقيقة راجع إلى النسيب أيضاً، والافتنان ينبغي أن يكون بالجمع بين فنين مختلفين حقيقة. ثم إن في هذا البيت من قبح الفال ما تنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع، فإنه ما يأتي قوله: لاصطباري إلا وقد رسخ في السمع، وقر في القلب أن تغزله وافتنانه في شمائل أحبابه أضحى رثاء، نعوذ بالله من ذلك، وما أورده هذا المصرع إلا بغية على الشيخ صفي الدين، فإنه لا بد للباغي من مصرع.
وبيت الطبري قوله:
تبسموا مذ تفننت المديح لهمفلا يغرك منهم ثغر مبتسمِ
الافتنان في هذا البيت بالجمع بين المدح والهجاء الذي هو من نوع النزاهة، وهو حسن جداً.
وبيت بديعيتي هو قولي:
إن افتنانهم في الحسن هيمنيقدما وقد وطئت فرق السها قدمي
الافتنان في هذا البيت ظاهر، وهو الجمع بين النسيب والفخر.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
ألان مني الهوى ما لا يلينهصرف الليالي وبأس السيف والقلمِ
الافتنان فيه بالجمع بين الغزل والحماسة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع