من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الجناس المصحف والمحرف
كم عاذل عادل عنهم يصحف ليما حرفته وشاة الظلم في الظلم
من أنواع الجناس: المصحف والمحرف. فالمصحف هو ما تماثل ركناه في الحروف. وتخالفا في النقط، كقوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) وقوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) وقوله تعالى: (قل إن لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا).
وقوله) ﵌ (لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب) ﵇ (: قصر ثوبك فإنه أنق وأبقى وأتقى.
وقول أمير المؤمنين) ﵇ (فيما كتب به إلى معاوية: غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدا.
وقول بعض السلف: لو كنت تاجراً ما اخترت غير العطر. إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.
وقوله: من سعادة جدك، وقوفك عند حدك.
وقوله: اجهل الناس من كان للإخوان مذلاً، وعلى السلطان مدلا.
وقول أبي الفتح البستي: إذا ما بقي ما قاتك، فلا تأس على ما فاتك.
وقوله: طوبى لمن عقله يغنيه عما لا يعنيه.
وقول أبي علي الباخرزي: العذل على البذل فعل النذل.
ومن لطيف ما يحكى في هذا الباب؛ ما ذكر أن أحمد بن أبي خالد عرض القصص يوماً بين أيدي المأمون فمر بقصة مكتوب عليها: فلان اليزيدي؛ فصحفه وقال: الثريدي. فضحك المأمون وقال يا غلام، ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً، فخجل أحمد وقال: والله ما أنا جائع يا أمير المؤمنين ولكن صاحب هذه الرقعة أحمق، وضع علي يائه ثلاث نقط كأثا في القدر. فقال المأمون: عد عن هذا فإن النقط شهود زور، والجوع اضطرك إلى ذكر الثريد. فلما أتى بالثريد احتشم أحمد من أكله، فقال المأمون: بحقي عليك إلا ما أكلت منه، فترك القصص ومال إلى الصحفة، فأكل قليلاً ثم دعا بالماء. فغسل يده منه ورجع إلى القصص، فمر بقصة عليها مكتوب: فلان الحمصي، فقرأ، الخبيصي، فضحك المأمون وقال: يا غلام، جام خبيص؛ فإن غذاء أبي العباس كان أبتر، فخجل وقال: يا أمير المؤمنين، صاحب هذه القصة أحمق من الأول، فتح الميم فصارت كأنها سنان. قال دع عنك، فلولا حمق هذا والأول مت جوعاً. فأتى عليك إلا ما ملت نحوه، فانحرف إليه وأكل منه، ثم غسل يديه وانصرف إلى القصص فاحترز في قراءتها، وتثبت في حروفها، فما حرف حرفاً حتى أتى على آخرها.
وقول أبي الحسن الأهوازي: من أحسن الاختبار أحسن الاختيار.
وقوله: من فعل ما شاء، لقي ما ساء.
ومثاله من النظم قول بعضهم:
يقو العدو ويصغي الصديق وشر من القائل القابل
وقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذا سرىليعجز والمعتز بالله طالبه
وقول أبي فراس بن حمدان:
من بحر جودك أغترفوبفضل علمك أعترف
وما ألطف قول البهاء زهير:
وأعجبني التجنيس بيني وبينهفلما تبدى اشنبا رحت أشيبا
ومنه قول أبي الطيب ونبه على التصحيف:
جرى الخلف إلا فيك أنك واحدوأنك ليث والملوك ذياب
وأنك إن قويست صحف قارئذياباً فلم يخطئ وقال ذباب
ومثل قول أبي نواس يهجو أبان اللاحقي:
صحف أمك إذا سمتك في المهد أبانا
قد علمنا ما أرادتلم ترد إلا أتانا
وما أحسن قول الصفي الحلي:
وذي مرح عارضته في طريقهفلما رآني قال امض لشانكا
فقلت له فال سعيد مبشر=بتصحيفه أني أمص لسانكا وقول الصفدي فيمن أهدى إليه سكراً:
جائني برك الذي جعل الغيث له حاسداً وفيه تفكر
فاقتسمنا التصحيف لفظاً ومعنىلك مني شكر ولي منك سكر
تنبيه: قال المعري: أصل التصحيف، أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب.
قال المطرزي: والتصحيف أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراده كاتبه أو على غير ما اصطلحوا عليه. انتهى.
واصطلح الأدباء على تقسيمه إلى قسمين: أحدهما التصحيف المنظم، وهو المذكور في البديعيات، وقد مر مثاله. والثاني التصحيف المضطرب.
قال الفخر الرازي في نهايته: وهو الذي لا بد فيه من فصل الحروف المتصلة، أو وصل الحروف المنقطعة، مثل قولهم: ست خصال، تفسيره: شيخ ضال.
قال السكاكي في المفتاح: وقف رجل على الحسن البصري فقال: اعتمر، أخرج، أبادر؟. فقال الحسن: كذبوا عليه، ما كان ذاك. أراد السائل: أعثمان أخرج أبا ذر؟.
وحكي أن المعتصم قال لطباخه: حاسب رشيد، فقال مقراض. أراد (?اشت رسيد) يعني: أدرك غداؤك؟ - بالفارسية - وأراد بالمقراض: لا.
وقال المتوكل يوماً ليحيى بن ماسويه الطبيب: بعت بيتي بقصرين - أي تعشيت فضرني - فقال له: أخر العدى - أي أخر الغداء-. وغاب عن الصاحب ندماؤه ليلة فقال: سمسم، أراد: بيت من بتم.
وكان أبو طلحة قسوة بن محمد من أولع الناس بالتصحيفات، فقال له أبو أحمد الكاتب يوماً: إن أخرجت لي مصحفاً أسألك عنه، وصلتك بمائة دينار، فقال: أرجو أن لا أقصر في إخراجه. فقال أبو أحمد: في تنور هيثم جمد. فوقف حمار أبي طلحة وتلبد طبعه فقال: إن رأى الشيخ أن يبلعني ريقي، ويمهلني يوماً فعل. قال: قد أمهلتك سنة. فحال الحول. ولم يقطع شعرة، فلم أقر بعجزه سأله أن يبينه له فقال له: هو اسمك، قسورة بن محمد، فازداد خجله وأسفه. وعلى ذكر أبي طلحة، فإنه كان كوسجا وفيه يقول اللحام:
ويك أبا طلحة ما تستحيبلغت ستين ولم تلتح
وكان في حضرته بعض أصحابه يقرأ القرآن فوصل إلى قوله تعالى: (كأنهم حمر مستنفرة) فلم يجسر على ذكر قسورة، فقال: فرت من الشيخ أطال الله بقاه.
لطيفة: من التصاحيف المستحسنة ما ذكره صاحب المحاضرات: إن حما الراوية، كان لا يحسن القرآن، فقيل له لو قرأت القرآن فأخذ المصحف، ولم يزل إلا في أربعة مواضع كلها مناسبة للمعنى (قال عذابي أصيب به من أساء) فصحف الياء المثناة من تحت بالباء الموحدة. (ج) (ومن الشجر ومما يغرسون) فصحف العين المهملة بالمعجمة والشين المعجمة بالمهملة. (د) (بل الذين كفروا في غرة وشقاق) فصحف العين المهملة بالمعجمة والزاي بالراء المهملة. وقد ذكرت جملة مقنعة من مستحسنات التصحيف في الرسالة التي ألفتها في المعمى، فمن أرد ذلك فعليه بها.
والجناس المحرف: - هو ما تماثل ركناه في الحرف، وتغايراً في الحركات، سواء كانا من اسمين أو فعلين، أو اسم وفعل وغير ذلك، كقوله تعالى: (ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين).
وقوله) ﵌ (: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
وقول الأهوازي: أعيا الناس من أطال الخطبة وأساء الخطبة.
وقولهم رطب الرطب، ضرب من الضرب.
وقول أبي تمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهن فإنهن حمام
وقول أبي العلاء المعري:
لغير زكاة من جمال فإن تكنزكاة جمالٍ فاذكري ابن سبيل
وقوله:
والحسن يظهر في شيئين رونقهبيتٍ من الشعر أو بيت من الشَعر
وقول الآخر:
قلب وقُلب في يديك معذب ومنعم
ظمآن يطلب قطرةتشفي صداه وتفعم
وقول ابن جابر الأندلسي: حل عقد الصبر مني عقدها=إذ سبت قلبي بما في قلبها وقول الآخر، وفي البيت الأول شاهد للمصحف أيضاً:
لا ترم من مماذق الود خيرافبعيد من السراب الشراب
رونق كالحباب يعلو على الماء ولكن تحت الحباب الحباب
عذبت في النفاق السنة القوم وفي الألسن العذاب العذاب
وزعم بعضهم أن منه قول ابن عبدون:
الشعر خطة خسفلكل طالب عرف
للشيخ عيبة عيبوللفتى ظِرف ظَرف
وليس كذلك بل هو من الجناس التام، فإن الظرف على وزه فلس بمعنى الوعاء، وبمعنى الكياسة معاً، وما اشتهر من أن الظرف بمعنى الكياسة بالضم فغلط.
ومنه قول الآخر:
ظننت به الجميل فجبت أرضاًإليه كهنتي طولا وعرضا
فلما جئته ألفيت شخصاًحمى عرضاً له وأباح عرضا
وقول أبي القاسم السلمي:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهمابالطوُّل والطَّول يا طوبى لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلتبالطَّول ليلى وإن جادت به بخلا
وقول المطراني:
أخو الهوى يستطيل الليل من سهروالليل من طوله جار على قدر
ليل الهوى سنة في الهجر مدتهلكنه سِنة في الوصل من قصرِ
وقول أبي بكر الخوارزمي:
يا شادنا مت قبلهقد صار في الحسنِ قبلَه
أمنن علي بقُلبه
ومثله قول الشيخ عبد الرحمن المشردي:
من كان صاحب قدرأو كان صاحب قدره
فليتخذ من نضارلطابة الأنس قدره
فالشيء يزداد ظرفاًإن ناسب الشيء قدره
وقولي في مطلع قصيدة:
اسقياني على اقتراح العذارىواعذرني فقد خلعت العذارا
وقلت بعده:
شمس راح من كفَ خود رداحشخصت فيهما العيون حيارى
أشرقت في الكؤوس نوراً وقدماعبدتها المجوس في الدن ونارا
اجلواها والدهر طلق المحياوالقماري تنادم الأقمارا
في عذارى كأنهن رياضورياض كأنهن عذارى
لا تلوما فما التصابي بعارقبل يسترجع الصبا ما أعارا
ودعاني مجاهراً في غراميإن داعي الهوى دعاني جهارا
أمعيراً الظبي شبا وغرارالحظه والظبا رنا وأحورارا
ما لقلبي يزيد فيك غراماًكلما زدت عن هواه نفارا
أي قلبي مما هام فيك ولكنزاد قلبي بحبك استهتارا
خاطرت في هواك مهجة صبهويت منك ذابلاً خطارا
من يباريك يا منى النفس حسناًلا وعينيك لست ممن يبارا
رب ليل قصرته بلقاهوليالي الهنا تكون قصارا
رضته بالمدام حتى إذا ماتركته لا يستبد اختيارا
نلت ما شئت من هواه ولولاعفة الحب لارتكبت العارا
وقد اشتملت هذه القطعة على جملة من أنواع الجناس كما لا يخفى.
وبيت الشيخ صفي الدين في الجناسين المذكورين قوله:
من لي بكل غرير من ظبائهمعزيز حسن يداوي الكلم بالكلم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
هل من تقي نقي حين صحف ليمحرف القول زان الحكم بالحكمِ
وبيت ابن حجة قوله:
هل من يقي ويفي أن صحفوا عذليوحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
عزيز دمعي غزير منذ صحف منتحريفه زاد منه الحكم بالحكمِ
هذا البيت يجري فيه ما قاله ابن حجة في بيت عز الدين الموصلي: أما التصحيف والتحريف فيه فظاهر. وأما المعنى فالسريرة عند الله.
وبيت بديعيتي هو قولي:
كم عاذل عادل عنهم يصحف ليما حرفته وشاة الظلم في الظلم
وبيت إسماعيل المقري قوله:
أكثرت يا شوق من سوق الهموم إلىقلب من الهم لا يخلو ولا الهمم
أما التصحيف في هذا البيت فظاهر، وأما التحريف فقال الناظم في شرحه: هو في (الهم) و (الهمم). فإن الهم على وزن الكلم، لكنه أدغمت الميم في الميم لما تماثلتا فهما ميمان. انتهى.
قلت: هذا صحيح لو ساعده اصطلاح البديعين. ولكن ليس الأمر كما توهم. قال صاحب التلخيص: والحرف المشدد في هذا الباب في حكم المخفف. قال التفتازاني في شرحه: لما كان المشدد يرتفع اللسان عنه دفعة واحدة، كحرف واحد، عد حرفاً واحدا. انتهى. نعم يحسب المشدد بحرفين في اصطلاح الصرفيين والعروضيين. فاعلم ذلك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع