من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الجناس الملفق
بانوا فهان دمي عندي فها ندميعلى ملفق صبري بعد بعدهم
من أنواع الجناس: الجناس الملفق وهو ألطفها موقعاً في القلوب وأحلاها ذوقاً في الأسماع وأصعبها مسلكاً. وحده أن يكون كل من ركنيه مركباً من كلمتين فصاعداً. وهذا هو الفرق بينه وبين المركب، وقل من أفراده عنه إلا المحققين كالحاتمي وابن رشيق وأمثالهما. ومن أمثلته في الشعر، قول الحاكم المطوعي:
أرى مجلس السلطان تفضى عفاتهإلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه منمجال سجود في مجالس جود
وكان الصلاح الصفدي مولعا بهذا النمط منه، فنظم فيه شيئاً كثيراً، وجاء بالغث أكثر من السمين. فمن ذلك قوله:
ولما نأيتم لم أزل مترقباقدومكم في غدوة ومساء
وأين إذا كان الفراق معانديمطالع ناءٍ من مطال عناء
وقوله:
وساق غدا يسقي بكأس وطرفهيجرد أسيافاً لغير كفاح
إذا جرح العشاق قالوا أقمت فيمدارج راحٍ أم مدار جراح
وقوله:
بكيت على نفسي لنوح حمائموجدت لها عندي هدية هاد
تنوب إذا ناحت على الأيك في الدجىمناب رشاد في منابر شاد
وقوله:
متى تصنع المعروف ترق إلى العلىوتلق سعوداً في ازدياد سعود
وإن تغرس الإحسان تجن الثمار منمغار سعود لا مغارس عود
وقوله:
ومجلس أقوام تطوف عليهمكؤوس الحميا في مدار سعود
تجادلت الأوتار في جنباتهفأضحى الندامى في مدارس عود
وقوله:
ومن على غيري سقام وصحةولم ير قان مثل ذي يرقان
قال ابن حجة: رأيت بخط الشيخ بدر الدين البشتكي تحت هذا البيت: وإن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين. انتهى.
قلت: نعم من كان هذا مبلغه من النظم فهو جدير بما قال. وأما الشيخ صلاح الدين، فمحاسن نظمه لا تخفى؛ وشمعة أدبه كالصبح لا تقط ولا تطفي، وكم له من نثر وشعرهما من سحر البيان، أو بيان السحر، ولا يلزم من ركة هذا المقدار من نظمه انحطاط مقدار الناظم. وابن حجة لم يزل يتحامل عليه، ويشير بالنقص إليه. ولئن قال البدر البشتكي في الصفدي ما قال، فقد قال في ابن حجة أيضاً لما شاب وصبغ لحيته بالحناء أشنع مقال وهو قوله:
صقيع دعاويه لا تنتهيويخطي الصواب ولا يشعر
تأملت فيه وفي ذقنهفلم أدر أيهما احمر
وأحسن ما نظمه الشيخ صلاح الدين في هذا الباب قوله:
رعى الله عهداً مضى بالحمىبلغت الأماني به في أمان
وأيام أنسٍ تقضت بكمكأحلام عان بأحلى معان
ولعزة وقوع هذا النوع سومح فيه باختلاف الحركات. ومن أحسن ما وقع منه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولي القضاء بالمعرة وهو ابن عشرين، وأقام في مدة خمس سنين:
وليت الحكم خمساً وهي خمسٌلعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شانيولا قالوا فلان قد رشاني
قلت: هكذا عزا ابن حجة هذين البيتين للقاضي عبد الباقي المذكور والله أعلم لمن هما. وقوله (وهي خمس) بضم الخاء، أي خمس عمره يشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة.
وأكثر أصحاب البديعيات عيال علي أبي الفتح البستي في قوله في هذا النوع:
إلى حتفي مشى قدميأرى قدمي أراق دمي
فلم أنفك من ندميوليس بنافع ندمي
ومنه قوله أيضاً:
أنت الأمير وإن لم تؤت منشوراًوالملك بعدك أن لم تؤتمن شورى
وقوله أيضاً:
قد مر أمس ولم يعبأ به أحدمن التواء ببؤس مر أم رغد
وعندي اليوم قوت استعف بهوإن بقيت غدا أصلحت أمر غدِ
وقول بعضهم:
وهت عزماتك عند المشيبوما كان من حقها أن تهي
وأنكرت نفسك لما كبرتفلا هي أنت ولا أنت هي
وقول أبي الفضل الميكالي:
لنا صديق له حقوقراحتنا في أذى قفاه
ما ذاق من كسبه ولكنأذى قفاه أذاق فاه
ومن لطيفه قول ابن القيسراني في مدح خطيب:
شرح المنبر صدرالتلقيك رحيبا
أترى ضمخ طيبامنك أم ضم خطيبا
وقول بعضهم في دوبيت:
هذا زمن الربيع والكاسب فيهمن نادمه الحبيب والكأس بفيه
والغبن نصيب كل من نمس فيهوالدهر يقول كل من نم سفيه
وقول الصفي الحلي فيه:
العيد أتى ومن تعشقت بعيدما أصنع بعد منية القلب بعيد
ما العيش كذا لكن من عاش رغيدمن غازل غزلانا ومن عاشر غيد
وأما بيت بديعيته فهو: فقد ضمنت وجود الدمع من عدم=لما جرى من عيوني إذ وشى ندمي قال ابن حجة: هذا البيت فيه الجناس الملفق على الصنعة، وتسميته على الشروط المذكورة، ولكن عجزت لعقادة تركيبه عن الطيران بأجنحة الفهم من أن أحوم له على معنى. ونظرت بعد ذلك في شرحه، فوجدته قد قال: إن لفظة (ملفق) صفة للجار والمجرور في قولي (فحي سلمى وسل ما ركبت بشذا)، يعني أن الشذا الذي أطلقته سلمى أمام الحي، كان ملفقاً، انتهى. قال بعضهم: وهذا الحل برسام حاد.
وبيت ابن حجة قوله:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمييسعى معي فسعى لكن أراق دمي
ولا يخفى أن معنى هذا البيت لا يرجع إلى طائل بل هو من السخافة على جانب، وقد استسمن منه ناظمه ذا ورم، ونفخ في غير ضرم على جاري عادته في نظمه ونثره، والمرء مفتون بولده وشعره.
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري:
لفقت عزمي للقيام أفوز بهلكن أرى قدمي سعياً أراق دمي
أقول: استعارة التلفيق للعزم للقيا الأحباب غير لائقة بالمحب الصادق وأين هو من قول الآخر:
وركبت للأهوال كل عظيمةشوقاً إليك لعلنا أن نلتقي
أو قول الآخر:
يا ليل ما جئتكم زائراًإلا وخلت الأرض تطوي لي
ولا انثنى عزمي عن بابكمإلا تعثرت بأذيالي
وبيت بديعيتي قولي:
بانوا فهان دمي عندي فها ندميعلى ملفق صبري بعد بعدهم
ألفاظ هذا البيت ومعناه من الوضوح بحيث لا يفتقر إلى التصدي لشرحه، وأما انسجامه وحسن معناه فموكول إلى ذوق الناظر وأنصافه، فلا حاجة إلى تعداد أوصافه.
وبيت شرف الدين المقري قوله:
قد كلمتني النوى وكل متني من وخدٍ هرى قدمي حتى هراق دمي
ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع