من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الجناس التام والمطرف
يا زيد زيد المنى مذ تم طرفنيوقال هم بهمِ تسعد بقربهم
من أنواع الجناس: التام والمطرف.
أما الجناس التامس ويسمى الكامل، فهو ما تماثل ركناه لفظاً وخطا واختلفا معنى من غير تفاوت في تركيبهما ولا اختلاف في حركاتهما، سواء كان من اسمين أو فعلين، أو من اسم وفعل، أو اسم وحرف. فإن كان من نوع واحد سمي مماثلاً، أو من نوعين سمي مستوفى. وهذا الجناس من أكمل أصناف التجنيس وأرفعها رتبة، وأولها في الترتيب الأصلي، وشاهده من القرآن الكريم، قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعةٍ) قيل: وليس في القرآن العظيم من صنف التام غير هذه الآية. وقول بعضهم: أن في كونها من الجناس التام نظراً لكون الساعة الأولى التي بمعنى القيامة، منقولة من الساعة الثانية التي هي جزء من أجزاء الجديدين، ليس بشيء. لأن النقل لا يضر ويكفي في ذلك اختلاف المعنى. وقد استخرج ابن حجر من القرآن جناساً آخر تاماً وهو قوله تعالى: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) فالأبصار في الآية الأولى جمع البصر الذي هو النظر، وفي الآية الثانية جمع البصر الذي هو العقل.
ومن الشعر قول ابن الرومي:
للسود في السود آثار تركن بهاوقعاً من البيض يثني أعين البيض
وقول الراجز:
يا عامر بن مالك يا عماأفنيت عما وجبرت عما
أراد بالعم الأول أخا أبيه، وبالثاني الجمع الكثير. يقول: أفنيت قوماً وجبرت آخرين.
وقول الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
يا ويح قلبي من دواعي الهوىإذا رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي وقد أزمعواودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرةتفتر عن مثل أقاح الغروب
فالغرب الأول: غروب الشمس، والثاني: جمع غرب وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثالث: جمع غرب وهو الوهدة المنخفضة. وقول أبي العلاء المعري، ونبه على الجناس فيه مع التغزل البديع:
معانيك شتى والعبارة واحدفطرفك مغتال وزندك مغتال
فمغتال الأول، من اغتاله بمعنى أهلكه، والثاني بمعنى الغيل بالفتح وهو الساعد الريان الممتلي، وقوله أيضاً:
لم تلق غيرك إنساناً نلوذ بهفلا برحت لعين الدهر إنسانا
وزعم الحاتمي أن أفضل تجنيس وقع لمحدث، قول عبد الله بن طاهر ذي اليمينين:
وإني للثغر المخوف لكاليوللثغر يجري ظلمه لرشوف
ومنه قول الغزي:
وخز الأسنة والخضوع لناقصأمان عند ذوي النهي مران
والرأي أن تختار فيما دونه المران وخز أسنة المران
وقول أبي الفتح البستي:
يا أكثر الناس إحساناً إلى الناسوأحسن الناس أعراضاً عن الناسي
نسيت وعدك والنسيان مغتفرفاعذر فأول ناسٍ أول الناس
وقولي في مطلع قصيدة:
يا هماماً له المعالي قصورلا تلمني أن عن مني قصور
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أيهٍ بذكر معاهد وأناسطابت بذكر حديثهم أنفاسي
أذكرنني حيث الأحبة جيرةحالي بهم حالي وكاسي كاسي
وقولي من مطلع قصيدة:
إليك فقلبي لا تقر بلابلهإذا ما شدت فرع الغصون بلابله
وقلت بعد المطلع:
تهيج له ذكرى حبيب مفارقزرود وحزوى والعقيق منازله
سقاهن صوب الدمع مني ووبلهمنازل لا صوب الغمام ووابله
بحل بها من لا أصرح باسمهغزال على بعد المزار أغازله
تقسمه للحسن عبلٌ ودفةفرن وشاحاه وصمت خلاخله
وما أنا بالناسي ليالي بالحمىتقضت وورد العيش صفو مناهله
ليالي لاظبي الصريم مصارمولا ضاق ذرعاً بالصدود مواصله
وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوىوما عادل في شرعة الحب عاذله
يلومونه جهلاً عليه وإنماله وعليه بره وغوائله
فلله قلب قد تمادى صبابةعلى اللوم لا تنفك تغلي مراجله
وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمىرداح حماها من قنا الخط ذابله
تميس كما ماس الرديني مائداًوتهتز عجباً مثل ما اهتز عامله
مهفهفة الكشحين طاوية الحشافما مائد الغصن الرطيب ومائله
تعلقتها عصر الشبيبة والصباوما علقت بي من زماني حبائله
حذرت عليها آجل البعد والنوىفعاجلني من فادح البين عاجله
إلى الله يا أسماء نفسا تقطعتعليك غراماً لا أزال أزاوله
وخطب بعاد كلما قلت هذهأواخره كرت علي أوائله
وقولي من قصيدة وهي من أوائل نظمي:
من لصب شفه جور النوىكلما أوجعه التذكار أنا
وإذا هبت صبا نجدٍ صباقلبه شوقاً إلى نجدٍ وحنا
وقول أبي تمام: ما ماتِ من كرم الزمان فإنه=يحيا لدى يحيى بن عبد الله وقول محمد بن عبد الله بن يحيى كناسة الأسدي الكوفي وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى.
وسميته يحيى ليحيا ولم يكنإلى رد أمر الله فيه سبيل
وقول ابن فضالة المجاشعي القيرواني وقيل ابن شرف:
إن تلقك الغربة في معشرقد أجمعوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهموأرضهم ما دمت في أرضهم
وقول سيدنا العلامة السيد ماجد بن هاشم البحراني المتوفى سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى.
وأحوى أطار القلب مني وما انطوىعليه جناحا مضرحي ولا نسر
عققنا العلا إن سامنا دلج السرى=إليه إلى أحقاف قاف ولا نسر وقوله أيضاً:
وذي هيف ما الورد يوما ببالغمدى وجنتيه في احمرار ولا نشر
برئنا من الإسلام أن سيم وصلهعلينا بما فوق النفوس ولا نشر
وقوله أيضاً:
يعز جناب الظبي أن قسته بهوما هو منه في سكون ولا نفر
فرتنا ظبا الأعداء إن قال قائلفروا كل جيب في هواه ولا نفر
وقلت أنا معارضاً له في ذلك:
وأهيف قد قدَّ القلب بقدهوما هو عند حدي سنان ولا نصل
صلتنا لظى الهيجاء إن سامنا هوىعلى حبه صلي النفوس ولا نصل
وقلت أيضاً:
ومزر بضوء الشمس لم نر وجههولا ماثلته في علو ولا نبل
بلينا جوى إن رام منا تذللابلاء نفوس في هواه ولا نبل
ومنه قول أبي سهل سعد بن عبد الله التكملي:
ألا قالت إمامة إذا رأتنيوماء الوجه بالجادي شيبا
تعرتك الهموم فقلت حقا=هموم تجعل الولدان شيبا وقول أبي سهل النيلي:
من وجهه يطلع نجم المشتريياقوته يثمر شهداً فاشتر
يا من له باللحظ سيف الأشترإذا وجدت الحر عبداً فاشتر
وقول أبي منصور اللخيمي:
ودعت إلفي وفي يدي يدهمثل غريق به تمسكت
فرحت عنه وراحتي عطرتكأنني بعده تمسكت
ونظم الصفي الحلي هذا الجناس أحسن من هذا فقال:
غيري بحبل هواكم يتمسكوأنا الذي بترابكم يتمسك
وقال آخر: وأعظم الناس ظلماً من كلفت به=لأنه زاهد في راغب فيه
السحر في عينيه والروح في يدهوالورد في خده والند في فيه
وما ألطف قول القائل:
أقول لطبي مر بي وهو راتعأأنت أخو ليلى فقال يقال
فقلت يقال المستقيل من الهوىإذا مسه ضر فقال يقال
وذكر الثعالبي في اليتيمة: إن البيت الأول للمجنون والثاني لأبي الحسن بن أحمد بن رامين مجيزاً به بيت المجنون والله أعلم.
وللمطوعي في أبي منصور الثعالبي:
كلام أبي منصور فيه عذوبةينوب عن الماء الزلال بمن يظمأ
فنزوى متى نروي بدائع نظمهونظما إذا لم نرو يوماً له نظما
وقال آخر وأجاد:
إذا ما نازعتك الحرص نفسفأمسكها عن الشهوات أمسك
ولا تحرص ليوم أنت فيه=وعد فرزق يومك رزق أمسك وقول أبي العلاء المعري:
وأقتال حرب يفقد السلم عندهمعلى غيرهم أمضي القضاء وأقتال
وقول الأديب الماموني:
لي على الناس فضل نظم ونثرمن أباه هجرته وأباه
وإذا ما أتى صفقت قفاهوقفا من أعانه وقفاء
رحم الله من أراد محالافنهاه عن المحال نهاء
وقول الشيخ حسين بن شهاب الدين الطبيب:
فوا خجلتا إن كان في الدمع قلةإذا جمع العشاق موعدنا غدا
أفاق الألي علاطيتهم خمرة الصباوراح فؤادي مغرماً مثلما غدا
وقول الآخر:
مضى عصر الشباب كلمح برقوعصر الشيب بالأكدار شيبا
وما أعددت قبل الموت زاداليوم يجعل الولدان شيبا
وقول الآخر:
قد أصبح آخر الهوى أولهفالعاذل في هواك مالي وله
بالله عليك خل ما أولهوارحم دنفاً لدى حشاه وله
ولا بأس هنا بإيراد قصيدة الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن أصبغ الأزدي اللغوي في نظم ما اشترك في اسم العجوز، فإنها من هذا النوع مع ما اشتملت عليه من الفائدة، وقد جعلها مشترك بين اثنتين وستين معنى، وفسر معانيها الشيخ أثير الدين أبو حيان النحوي وهي:
ألا تب من معاطات العجوزونهنه عن مواطات العجوز
ولا تركب عجوزاً في عجوزٍولا روعٍ ولا تك بالعجوز
وإن أزمت بأقوام عجوزفعش فيها بأبوال العجوز
وإن تزر العجوز بلا عجوزفقطره على متن العجوز
وإن غاضت عجوز بني زيادٍغداة غد لها أهل العجوز
وما إن للعجوز إذا ألمتسوى استعمال أدمغة العجوز
وإن جلد العجوز جلدت يومابه أحد أفاق من العجوز
وهي للعجوز شراع برولذ قبل العجوز على العجوز
وكانت طسم تقري في عجوزمكللة بأسنمة العجوز
وما يهدي العجوز إلى عجوزأحب إليه من ريح العجوز
وإن بدت القلادة من عجوزفبعها بالنضار وبالعجوز
وإن حملت عجوزكم عجوزاًجلت صدء العجوز عن العجوز
ومن أكل العجوز بلا عجوزفانذره بإقبال العجوز
وإن بزغت عجوز في عجوزفشك عجوز زينب بالعجوز
وإن عبثت بسر حكم عجوزفذدها عن أولئك بالعجوز
وكم عبد تفرد في عجوزرجاء الفوز في يوم العجوز
وإن لحقتك في الشعري عجوزفمل عنها إلى ظل العجوز
وإن بلغ العجوز إليك نقداًفحررها بوزنك بالعجوز
وسر نحو العجوز بقصد صدقفقصد الصدق أنفع للعجوز
ومن يولي العجوز قلا وهجرافذاك أعز من بيض العجوز
ومن ربط العجوز على عجوزأضر بمن يجوز على العجوز
وفي سيتي عجوزكم اضطرابفسوهما وصد جأب العجوز
وقد ناط الإمام بنا عجوزاًوسرنا تحت خافقة العجوز
وما للمرأ آنس من عجوزإذا ما حم من رب العجوز
وطلق ذي العجوز وكن مجداًعلى تحصيل هاتيك العجوز
فكم فوق العجوز من استجابتلدعوته ملائكة العجوز
علته من عرى التقوى عجوزتطنب بالأمان من العجوز
سألت الله يبقي لي عجوزاًويكفيني تباريح العجوز
قلت بقي للعجوز معان أخرى لم ينظمها الشيخ، فنظمتها بتوفيق الله تعالى فقلت:
ومن ركب العجوز فلا يباليإذا ما اضطر من أكل العجوز
ولا تخلي عجوزك من سهامإذا ما استطعت أعمال العجوز
وكلم أمسى عجوز في عجوزبمرتبة أجل من العجوز
ورب فتى يرى نقع العجوزبمفرقه أجل من العجوز
ولا ترج الجسيم فكم عجوزلعمر الله أجدى من عجوز
ولا ترم الصغير فكل عضبلقبضته افتقار للعجوز
عسى عدل يزول الجور منهوترعى الشاة فيه مع العجوز
وقد جمع الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن تمام السبكي معاني العين في قصيدة نظمها في أخيه قاضي القضاة جمال الدين حسين، يهنيه بالتدريس في بعض المدارس. وكتب مقابل كل واحدة تفسيرها وهي:
هنيئاً قد أقر الله عينيفلا رمت العدى أهلي بعين
وقد وافى المبشر لي فأكرمبخير ربيئة وافى وعين
يخبرني بأن أخي أتاهمناه وسعده من كل عين
فلو سمح الزمان لكنت أعطيله ما فيه من ورق وعين
ألا يا شامة الشام افتخاراًبمن بسناه يغشو كل عين
فتى إن عدت الأعيان قالتله الأيام إنك أنت عيني
وحبركم حوى من بحر علميروي الطالبين بكل عين
ويلقي في العلوم لكل وفدغزير فوائد كغدير عين
وواسطة لعقد بني أبيهكأوسط لفظة تدعى بعين
وقاض أمره في الناس ماضفلا يخشى من استقبال عين
وينصب بينهم قسطاس حقخلت من كل تطفيف وعين
له نواران من ورع وعلمتخالهما كبدر دجى وعين
بصير عدله ذا المطل عدلاويجعل كل ذي شخص وعين
ويحجب من تأمله صبياكما حجب الغزالة ضوء عين
لئن شرفت دمشق به ومصرفقد سارت محاسنه لعين
وتعظم كل أرض حل فيهاولو حقرت حقارة رأس عين
يجود بكل ما في راحتيهإذا بخلت بنو الدنيا بعين
ويوسع للورى بادي القرى إنمزادة غيره شحت بعين
وعم نداه في شرقٍ وغربفلم يحوج إلى شاق وعين
جمال الدين فضلك ليس يحصىفدونك قطرة من سحب عين
برغمي أن أهني من بعادوحقي أن أجيء لكم بعين
ومذ سفه المعيشة غيبتنيوراسك لم أفز فيها بعين
ولو أستطيع جئت ولو جثياعلى ركبي إليك بكل عين
ولولا ما أروم من التلاقيلأذهب بينكم نفسي وعيني
وكنت كعين قطر سال قدمافما أزكى وأحسن سيل عين
متى ألقاكم من عين شمسوقد حلت ركابكم بعين
وهن أخاك تاج الدين عنيفإن كليكما خلي وعيني
وقوماً وادعياً لأبيكما إذلنا منه أبر أب وعين
به زكت الفورع وطاب منهغصون أخرجتها خير عين
فدام بقاؤه ما لاح برقوأطرب صوت قمري وعين
ولا زالت أعاديه تردىبكل مذلة وبكل عين
ومن ينظر إليه بعين سوءيقابله الإله بكل عين
وقد جمعت معاني العين طرأقصيدي لم تدع معنى لعين
فلو عاش الخليل لقال هذيمعان ما رأتها قط عين
وقد ضاقت قوافيها وركتوذلك لالتزام لفظ عين
ولو لم التزم هذي لفاقتقصد أديب أرض الجامعين
ولولا ذا لطاب لها ختامبذكر مليكها القاضي حسين
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في رشف الزلال: والهلال اسم مشترك فقال:
أٌول وربما نفع المقالإليك سهيل إذا طلع الهلال
تكاثرني بآلات المعانيوكيف يكاثر البحر الهلال
أتطمع أن تنال المجد قبليوانى يسبق النجب الهلال
وتبسم حين تبصرني نفاقاًوشخصي في جوانحك الهلال
وتبطن شرة في لين مسكما لانت مع اللمس الهلال
وتنتظر الرزايا بي ولكنعليك تدور بالشر الهلال
كأن وجوههم في كل مثوىوفرط صلابة في الهلال
وأعراضاً أذيلت للأهاجيكما يبدو على القدم الهلال
وما تغني الكتائب عن صدوعبها أن يرأب الصدع الهلال
وأعجب كيف يكرمكم كتابوأعجب من لبيبكم الهلال
وقد زاد على ذلك الإمام شرف الدين ابن بنت أبي سعيد القاهري فعدها سبعة عشر فقال:
إن شعري قد حط سعري حتىصار قدري كمثل قدر الهلال
ثم نحوي جر المكاره نحويفاعتراني منها كلسع الهلال
وأصول الفروع وصوليلمرامي فبعده كالهلال
وأصول الكلام منها كلاميفتخلفت في الورى كهلال
ثم حرزي قد جر حرزي حتىربط الذل بي كربط الهلال
وعروضي قد حط قدر عروضيفرماني صحبي كرمي الهلال
ثم ظبي لأجله زال طيبيوأتاني بمثل طعن الهلال
وبياني قد جث كسب بنانيبعد صيدي به كصيد الهلال
ثم نثري مثل النثار ومنهخف رزقي عني بمثل الهلال
علم الأنساب حال الأنساب عني (كذافأتى الدهر لي بطحن الهلال
ثم خطى قد حط حظي حتىفاتني في الورى جميع الهلال
وكذا الرمل أثقل الرأس منيوكساني ثوبا كمثل الهلال
ونجومي تحت التخوم رمتنيبعد وردي كود الهلال (كذا
ولقد كنت أنشر العلم دهراًلست فيه مواجراً كالهلال
فتركت العلوم مما دهانيبعد سبقي كل الورى في الهلال
وتصوفت إذ سبقت البرايابخشوع وفقتهم في الهلال
ثم إني زهدت في الزهد أيضاًبعد أن كنت لاحقاً بالهلال
وما أحسن قول الحريري في مقاماته في هذا النوع:
لا تبك ألفا نأى ولا داراودر مع الدهر كيفما دارا
واتخذ الناس كلهم سكناومثل الأرض كلها دارا
واصبر على خلق من تعاشرهوداره فاللبيب من دارى
ولا تضع فرصة السرور فماتدري أيوماً تعيش أم دارا
واعلم بأن المنون جائلةوقد أدارت على الورى دارا
وأقسمت لا تزال قانصةماكر عصرا المحيا وما دارا
وكيف ترجو النجاة من شركلم ينج منه كسرى ولا دارا
وأما الجناس المطرف: فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف في طرفه الأول، وهو عكس المذيل. فإن المذيل تكون الزيادة في آخره كما مر، فهي كالمذيل. وقد يسمى هذا الجناس، المردوف، والناقص. وفي تسميته اختلاف كثير، ولكن المطرف أولاها، لأنه مطابق للمسمى، إذا الزيادة فيه كالطرف لأنها في أوله. وخير الأسماء ما طابق المسمى.
وهذه الزيادة قد تكون في أول الركن الثاني، كقوله تعالى: (والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) وقول البستي: عسى تحظى في غدك برغدك. وقول الأهوازي: من حسنت حاله استحسن محاله.
وقول أبي الحسن الباخرزي:
سأعمر بالشراب شباب عمريفترك الشرب قبل الشيب لوم
وأبذل فضل مالي قبل موتيفمورث ماله عندي ملوم
وقول الآخر:
يا ناقلاً قول الذيفي العرض مني قد لغا
أقصر فما اسمعنيسوء سوى من بلغا
وقول ابن جابر الأندلسي:
فيا راكب الوجناء هل أنت عالمفداؤك نفسي كيف تلك المعالم
وقوله أيضاً:
صاد قلبي وصدعني صدوداوانثنى يسحب الذوائب سودا
فرأيت الصباح في الليل يبدووشهدت الرشا يصيد الأسودا
وقول الثعالبي:
هذه ليلة لها بهجة الطاووس حسنا واللون الغدافِ
رقد الدهر فانتبهنا وسارقنا حظا من السرور الشافي
بمدام صاف وخل مصافوحبيب واف وسعد مواف
وقول أبي الحسن علي بن الأنجب المالكي:
ولمياء تحيي من تحيي بريقهاكأن مزاج الراح بالمسك من فيها
وما ذقت فاها غير أني رويتهعن الثقة المسواك وهو موافيها
وقول أبي الفتح البستي:
يا غزالاً أره ند وصدابعد أن كان للوصال تصدى
بيننا للرقيب سد فلا تجمع على ذي الهوى من السد صدا
وقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
كبر على العلم يا خليليومل إلى الجهل ميل هانم
وكن حماراً تكن سعيدافالسعد من طالع البهائم
وقول الآخر:
أيام أنسي قد كانت بقربكمبيضاً فحين نأيتم أصبحت سودا
ذممت عيشي مذ فارقت أرضكممن بعد ما كان مغبوطاً ومحسودا
وقول المستظهر من خلفاء المغرب:
يا غزالاً نقض العهد ولم يوف بوعد
أنسيت العهد إذ بتنا على مفرش ورد
ونجوم الليل تسريذهباً في لازورد
وقول أبي الحجاج الأندلسي الداني:
أبى الله إلا أن أفارق منزلايطالعني وجه المنى في سافرا
كأن على الأيام حين غشيتهيميناً فلم أحلله إلا مسافرا
وقول ذي الوزارتين أبي عبد الله محمد بن الخطيب:
أقمنا برهة ثم ارتحلناكذاك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاءوكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام حالفقد وقف الرجاء على المحال
وقول شيخنا محمد بن علي الشامي:
قام للناس في العشية سوقمن فسوق وقام لي ألف سوق
وقد تكون في أول الركن الأول، كقول أبي علي الحسين بن أبي الطيب الباخرزي، وهو والد الأديب أبي الحسن علي الباخرزي المشهور صابح دمية القصر: أنزه المناظر والمجالس، ما سار فيه ناظر الجالس.
وقول البستي: اشتغل عن لذاتك، بعمارة ذاتك. وقوله:
أبا العباس لا تحسب بأنيلشيبي من حلي الأشعار عار
فلي طبع كسلسال معينزلال من ذرى الأحجار جار
إذا ما أكبت الأدوار زنديفلي زند على الأدوار وار
وقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
وكم سبقت منه إلي عوارفثنائي من تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائفلشكري على تلك اللطائف طائف
وقول الصفدي:
تذكرت عيشا مر حلواً بكم فهللأيامنا تلك الذواهب واهب
وما انصرفت آمال نفسي لغيركمولا أنا عن دعوى الرغائب غائب
سأصبر كرهاً في الهوى غير طائعلعل زماني بالحبائب آيب
وقول أبي الحسن الباخرزي وفيه شاهد للنوعين:
فترت لواحظك المراض ولم تزلتلك الفواتر في القلوب فواتكا
اليوم أجهر بالعتاب فكم وكمأسبلت أذيالي على هفواتكا
وإذا التفت إلى هواك أفادنيبرد السلو تذكري جفواتكا
يا من وفاتي في فوات وصالهفت الحسان فوات قبل فواتكا
وقول الآخر:
لأديمن مديح المصطفىفعلى من في الله قوى طمعه
فعسى أنعم في الدنيا بهوعسى يحشرني الله معه
وقول الآخر:
إنما هذه الحياة متاعفالجهول الجهول من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيبولك الساعة التي أنت فيها
وقولي من قصيدة مرثية في الحسين بن علي ﵉:
يا مصاباً قد جرع القلب صاباكل صبر إلا عليك جميل
ومن بديع ما وقع من هذا النوع في النثر قولهم: النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم. وقول بعض الفضلاء في ذم الدنيا: إن قبلت بلت، أو أدبرت برت، أو واصلت صلت، أو أيسرت سرت، أو أطنبت نبت أو أسفت سفت، أو عاونت ونت، أو نوهت وهت.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
من شأنه حمل أعباء الهوى كمداإذا همى شأنه بالدمع لم يلم
فالتام في قوله: (شانه) و (شانه). والمطرف في قوله: (لم) (يلم).
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
مذ تم للعين أنس حين طرفهامرأى الحبيب ببذل العين لم ألم
وبيت ابن حجة قوله:
يا سعد ما تم لي سعد يطرفنيبقربهم وقليل الحظ لم يلم
وبيت بديعيتي هو قولي:
يا زيد زيد المنى مذ تم طرفنيوقال هم بهم تسعد بقربهم
التام في قولي (زيد) و (زيد). فالأول علم، والثاني بمعنى المزيد.
والمطرف في موضعين من عجز البيت، أحدهما في (هم) و (بهم)، والثاني في (بهم) و (بقربهم). والمعنى: إن مزيد المنى مذ تم ووصل إلى حد لا زيادة عليه، أطرفه برحاء وصلهم، وقال له: جن عشقاً بهم فإنك تسعد بقربهم وتحظى بوصلهم. والهيام بالضم كالجنون من العشق.
وقد تقدم أن الشيخ عبد القادر قرن اللاحق بالتام، ومر إنشاد البيت المشتمل عليهما وهو قوله:
يا خير ما تم لي خير يلاحقنيبه ولم يرع شرع الحب كالعجم
فالتام في قوله (خير) و (خير). ولا خفاء في أن هذا الصدر نسخ به صدر بيت ابن حجة، ولو عاش لما صبر له على هذه السرقة الفاحشة. وقرن الجناس المطرف باللفظي والمقلوب، وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
وبيت المقري قوله:
فدمعي السائل المحروم سائلهوسائلي نحوكم يا جيرة العلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع