من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الجناس المركب والمطلق
دعي وعجبي وعج بي بالرسوم ودعمركب الجهل واعقل مطلق الرسم
الجناس والتجنيس والمجانسة والتجانس: كلها ألفاظ مشتقة من الجنس. فالجناس مصدر جانس، والتجنيس تفعيل من الجنس، والمجانسة مفاعلة منه. لأن إحدى الكلمتين إذا شابهت الأخرى وقع بينهما مفاعلة الجنسية، والتجانس مصدر تجانس الشيئان: إذا دخلا تحت جنس واحد.
وحكي عن الخليل: بهذا يجانس هذا أي يشاكله، ونص عليه في التهذيب أيضاً. قال الجوهري في الصحاح: زعم ابن دريد: إن الأصمعي كان يدفع قول العامة: هذا مجانس لهذا، ويقول: إنه مولد، وكذا في ذيل الفصيح للموفق البغدادي. قال الأصمعي: قول الناس: المجانسة والتجنيس، مولد وليس من كلام العرب، ورده صاحب القاموس: بأن الأصمعي واضع كتاب الأجناس في اللغة، وهو أول من جاء بهذا اللقب.
وحد الجناس في الاصطلاح: تشابه الكلمتين في اللفظ، أي في التلفظ. قال في سر الصناعة: ولم أر من ذكر فائدته، وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه. فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاء إليها. ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى، ثم جاء والمراد به معنى آخر، كان للنفس تشوق إليه. انتهى. والعبارة الثانية قاصرة عن بعض أنواع الجناس قاله في عروس الأفراح.
وهو أنواع، وجملة ما ذكره الشيخ صفي الدين في بديعيته منها اثنا عشر نوعا. ومنهم من زاد، ومنهم من نقص؛ ونحن ذكرنا ما ذكره الصفي؛ ورتتناه حسبما رتبه.
فمن أنواعه الجناس المركب والجناس المطلق: أما الجناس المركب - فهو ما تماثل ركناه وكان أحدهما كلمة مفردة والآخر مركباً من كلمتين فصاعداً، وهو على ثلاثة أنواع، أحدهما: الجناس المقرون. ويسمى المتشابه، وهو ما اتفق ركناه لفظاً وخطا، كقول أبي الفتح البستي:
إذا ملك لم يكن ذاهبهفدعه فدولته ذا هبه
وقول أبي جعفر الاسكافي:
فرشت لشيبي أجل البساطفلم يستطب مجلساً غير رأسي
فقلت لنفسي لا تنكريه=فكم للمشيب كراسي كراسي وقول أبي حفص عمر الحاكم المطوعي:
يا خادماً يملك مني خادماقد صير الدنيا علي خاتما
كم من دما صب صببت ظالماأخادما أصبحت أم أخادما
وقوله أيضاً:
ألا يا سيدا خلقت يداهلثروة معدمٍ أو يسرعان
مضى العسر الذي قاسيت فاعدل=إلى يسرين نحوك يسرعان
عسى ما عسى من عود شملي يكتسيبعودهم بعد التسلب أوراقا
فلم يصف لي من بعد قط موردولا لذلي عيش وإن طاب أوراقا
ومنه قول الحصري:
رب سهل على فتاتي فتاتيلترى هل سلافتاها فتاها
علمته جفونها آي سحرما تلاها في حبها مذ تلاها
وقول شمسويه البصيري:
ناظراه بما جنى ناظراهأو دعاني أمت بما أو دعاني
وقولي في مطلع قصيدة مناجاة:
قف طالبا فضل الإله وسائلاًواجعل فواضله إليه وسائلا
وقولي أيضاً في مطلع أخرى:
تراءت سليمى وهي كالبدر أو أسنىفضاء فضاءُ الربع من ضوئها وهنا
وقول الآخر:
بعدت وقد أضرمت ما بين أضلعيببعدك ناراً حشو قلبي وقودها
وكلفت نفسي قطع بيداء لوعةتكل بها هوج المطي وقودها
وقول الآخر:
صلوا مغرماً من أجلكم واصل الضناوفي حبكم طيب الرقاد فقد فقد
أثار الهوى نارا تشب بقلبهومن لي بإطفاء الغرام وقد وقد
وقول الآخر:
قلت لبدر التم لما غدامعتجبا من حسن أوصافه
إن شئت أن تسرق من حسنهفلذ به يا بدر أوصافه
وقول الآخر:
بكيت فيروزا على بعدهفأصبحت عيناي فيروزجا
وجاء من بشرني مسرعاوقال لي يهنيك فيروزجا
وقول الآخر:
رب سفيه جليس سوءٍمفترس عرضنا بنابه
يقدح فينا بكل سوءٍوكل ما قاله بنابه
وقول الآخر:
رأيتك تكويني بميسم ذلةكأنك قد أصبحت علة تكويني
وتلويني الحق الذي أنت أهلهوتخرج من أمري إلى كل تلوين
وقول الآخر:
بعدت فأما الطرف مني فساهرلشوقي وأما الطرف منك فراقد
فسل عن سهادي أنجم الليل أنهاستشهد لي يوماً بذاك الفراقد
وقول الآخر:
تفرق قلبي في هواه فعندهفريق وعندي شعبة وفريق
إذا ظمأت نفسي أقول له اسقنيوإن لم يكن ماء لديك فريق
وهذا النوع لم يذكره الشيخ صفي الدين في بديعيته.
والنوع الثاني، الجناس المفروق - وهو ما اتفق ركناه لفظاً لا خطا، وخص باسم المفروق لافتراق الركنين في الخط، وهو الذي نظمه الصفي. ومن أمثلته، قول الحاكم المطوعي:
لا تعرضن على الرواة قصيدةما لم تكن بالغة في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذبعدوة مثل وساوسٍ تهذي بها
وقول المعتمد بن عباد - وقد قالت له بعض خطاياه بأغمات: يا مولاي لقد هنا هنا-:
قلت لقد هنا هنامولاي أين جاهنا
قلت لها إلهناصيرنا إلى هنا
وقول أبي الفتح البستي:
إن هز أقلامه يوما ليعلمهاأنساك كل كمي هز عامله
وان أقر على رقٍ أناملهأقر بالرق كتاب الأنام له
وقوله من أبيات:
يرمي سهاماً أن أسر المقت ليبالكيد لا يقصد غير المقتل
وقول أبي الفضل الميكالي:
لقد راعني بدر الدجى بصدودهووكل أجفاني برعي كواكبه
فبا جزعي مهلا عساه يعود ليويا كبدي صبرا على ما كواك به
وقول ابن جابر:
أيها العاذل في حبي لهاخل نفسي في هواها تحترق
ما الذي ضرك مني بعد ماصار قلبي من هواها تحت رق
وقول الصاحب قوام الدين القمي:
مات الكرام ومروا وانقضوا ومضواومات في أثرهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوي سفهٍلو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
وقول أبي الفضل أيضاً:
وكل غنى يتيه به غنيفمرتجع بموت أو زوال
وهب جدي زوى لي الأرض طراأليس الموت يزوي ما زوى لي
وقول ابن أسد الفارقي:
غدونا بآمالٍ ورحنا بخيبةٍأماتت لنا أفهامنا والقرائحا
فلا تلق منا غاديا نحو حاجةٍفتسأله عن حاجةٍ والق رائحا
وكقول أبي الفتح البستي:
أأروم في أيام غيرك بسطةفي الجاه لي أني لعين الجاهل
وقول محمد بن سليمان بن قطرش:
يا قوم ما بي مرض واحدلكن بي عدة أمراض
ولست أدري مع ذا كلهأساخط مولاي أم راضي
وقلت أنا في ذلك أيضاً:
أيا بانيا عليا القصور مؤملاأماناً من الدنيا ونيل أماني
أقل البنا فالدهر يوم وليلةعجولان للأعمار ينتهبان
وقل للذي لا ينتهي عن بنائهامتى يأتي أمر الله ينته بان
وقال أبو الحسن الباخرزي:
لولا سعيد لنضت سعدهامجالس العلم وتدريسها
شمس يعم الخالق إشراقه=وغره لو كنت تدري سسها وقال آخر من دوبيت:
هذا زمن الربيع قم فانتبهفالراح تزيل كلما أنت به
وقول أبي سعيد عبد الرحمن بن محمد دوست من شعراء اليتيمة:
وشادن نادمت في مجلسقد أمطرت راحا أبا يقه
طلبت ورداً فأبى خدهورمت راح فأبى ريقه
وقوله أيضاً:
وشادن قلت لههل لك في المنادمه
فقال رب عاشقٍسفكت بالمنى دمه
وقول بعضهم وأجاد:
لي مدمع وصبي بهمن فيضه وصبيبه
وجوىً غدا ولهي بهمن حره ولهيبه
ناديت من أسرى بهبحياة من أسري به
صل مدنفاً تجري بهبلواه في تجريبه
وقول الشيخ العميد أبي سهل بن الحسن:
عجبت من الأقلام لم تبد خضرةوباشرن منه كفه والأناملا
لو أن الورى كانوا كلاماً وأحرفالكان نعم منهم وباقي الأنام لا
وقول الآخر:
أمير كله كرم سعدنابأخذ المجد منه واقتباسه
يحاكي النيل حين يروم نيلاويحكي باسلاً في وقت باسه
وقول الآخر:
يا من تدل بمقلةوأناملٍ من عندم
كفي جعلت لك الفدا=ألحاظ عينك عن دم وقول الآخر:
لا خير في العلم إذا لم يكنحظ من المال أو الجاه لي
والعلم إن لم أك ذا ثروةأنزلني منزلة الجاهل
وقول الآخر:
يا من يقول الشعر غير مهذبويسومني التكليف في تهذيبه
لو أن كل الخلق فيك مساعديلعجزت عن تهذيب ما تهذي به
وقول الباخرزي:
أصبحت عبداً لشمسولست من عبد شمس
إني لأعشق ستيوحق من شق خمس
هيفاء تترك يوميبالهجر حاسد أمسي
ولا تبالي جفاءأسر قلبي أم سي
النوع الثالث: الجناس المرفو، وهو ما كان أحد ركنيه مستقلاً، والآخر مرفو من كلمة أخرى. ولم ينظمه الصفي أيضاً. ومثاله قول الحريري:
ولا تله عن تذكار ذنبك وأبكهبدمع يحاكي المزن حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعهوروعة ملقاه ومطعم صابه
وقوله أيضاً:
وإن قصارى مسكن الحي حفرةسينزلها مستنزلاً عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعلهوأبدي التلافي قبل إغلاقه بابه
وقول الآخر:
كف عن الناس إذا شئت أنتسلم من قول جهول سفيه
من قذف الناس بما فيهميقذفه الناس بما ليس فيه
وقول آخر:
هتف الصبح بالدجى فاسقنيهاخمرة تترك الحليم سفيها
لست أدري من رقة وصفاءهي في كأسها أم الكأس فيها
وقولي:
إذا أصبحت ذا طرب ولهوٍتعاقر راحة أو شرب راح
فقل لي كيف ترجوا الرشيد يومياًوما لك عن ضلالك من براح
وقول بعضهم:
دعوني ورسمي في العفاف فإننيجعلت عفافي في حياتي ديدني
وأعظم من قطع اليدين على الفتىصنيعة بر نالها من يدي دني
وقول أبي الحسن الباخرزي:
أنا القادم بأرضك رحلهفإن زرته بدلت بالخاء قافه
أحبك قبل الالتقاء فإن يذبأخو صبوة شوقاً إلى الملتقى فهو
انتهى الكلام على الجناس المركب وأقسامه. قال ابن الحجة: وهنا بحث لطيف وهو أنه قد تقرر أن ركني الجناس يتفقان في اللفظ، ويختلفان في المعنى، لأنه نوع لفظي لا معنوي، وهو نوع متوسط بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع. والتورية من أعز أنواعه وأعلاها رتبة. فإذا جعلت الجناس تورية انحصر المعنيان في ركن واحد، وخلصت من عقادة الجناس. وأنا أذكر المثالين، قال صاحب الجناس المركب:
اعن العقيق سألت برقا أومضاأأقام حادٍ بالركائب أومضا
وقال صاحب التورية:
وإذا تبسم ضاحكاً لم ألتفتأن عاد برقا في الدياجي أومضا
وقال في الجناس التام: وإذا راجعت النظر في كلامهم وجدت غالب ما نظموه من التورية جناسا تاماً. فمن ذلك قول الشيخ صدر الدين الوكيل في الدوبيت:
كم قال معاطفي حكتها الأسلوالبيض سرقن ما حكتها المقل
والآن أوامري عليهم حكمتالبيض تحد والقنا تعتقل
ففي تحد وتعتقل، جناسان تامان، إذا أبطلت الاشتراك وأبرزت كلا من الركنين في موضعه على طريق من له رغبة في الجناس. انتهى.
وأنا أقول: إن هذا الكلام الذي قرره لا يختص بالتورية، بل يجير في الاستخدام على طريقة ابن مالك أيضاً كقول المعري:
تلك ماذية وما لذباب الصيف والسيف عندها من نصيب
وهذا خروج من الاصطلاح، وقول بالاقتراح. لأن الجناس لا بد فيه من أن يكون ركناه المتفقان في اللفظ، المختلفان في المعنى، موجودين في اللفظ، وإلا لم يسم جناساً عندهم كما هو صريح حدهم له، وكلام ابن حجة ليس بحجة. فإن هذا الذي ذكره شيء لا يعرفه أرباب البديع ولا نص عليه أحد منهم، فلا يلتفت إليه.
وأما الجناس المطلق - وسماه جماعة كالسكاكي وغيره، تجنيس المشابهة - فهو ما اختلف ركناه في الحروف والحركات، وجمع بين لفظيهما المشابهة، وهو ما يشبه الاشتقاق ولي باشتقاق، وذلك بان يوجد في كل من اللفظين جميع ما في الآخر من الحروف أو أكثر، لكن لا يرجعان في المعنى إلى أصل واحد. وبهذا يفرق بينه وبين المشتق. فإن المشتق يرجع معنى ركنيه إلى أصل واحد. قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: وقد غلط أكثر المؤلفين في المشتق، وعدوه تجنيساً، وليس من أصناف التجنيس. انتهى.
ولنمثل لكل من القسمين ليتضح الفرق بينهما كما الاتضاح. فالمشتق كقول الله: (فأقم جهك للدين القيم) فإن الركنين مشتقان من قام ويقوم، فهما راجعان إلى معنى واحد. وقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) فإنهما مشتقان من ربا يربو، بمعنى زاد ونما، وقوله) ﵌ (: ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً، وقول الشاعر:
وذلكم أن ذل الجار حالفكموإن أنفكم لا يعرف الأنفا
وقول الآخر:
ونرتاب بالأيام عند سكونهاوما أرتاب بالأيام غير مريب
وما الدهر في حال السكون بساكنولكنه مستجمع لوثوب
وقول أبي العلاء المعري: ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا=تجاهلت حتى قيل أني جاهل وقول صاحب البردة:
ظلمت سنة من أحيى الظلام إلىأن اشتكت قدماه الضر من ألم
وما ألطف قول كشاجم في خادم أسود يعرف بالظلم:
يا مشبها في فعله لونهلم تحظ ما أوجبت القسمة
فعلك من لونك مستخرجوالظلم مشتق من الظلمة
لأن كليهما يرجعان إلى معنى الستر. فإن الظالم يستر الحق، والظلمة تستر المحسومات. وقال) ﵌ (فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر: الظلم ظلمات يوم القيامة. ومن محاسن أبي الحسن علي بن الحسين الباخرزي قوله في هذا النوع:
عاينت طيف الذي أهوى فقلت لهكيف اهتديت وجنح الليل مسدول
فقلت أبصرت ناراً من جوانحكميضيء منها لدى السارين قنديل
فقلت نار الهوى معنى وليس لهانور يضيء فماذا القول مقبول
فقال نسبتنا في الأمر واحدةأنا الخيال ونار الشوق تخييل
فنبه على الاشتقاق في قوله (نسبتنا في الأمر واحدة). وقلت أنا في ذلك منبهاً على الاشتقاق بصريح اللفظ:
والأماني كالمنايا وأن نازع غر فالاشتقاق دليل
والجناس المطلق، كقوله تعالى: (يا أسفي على يوسف) فإن الأسف ويوسف لا يرجعان إلى أصل واحد. وقوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) فإن قال من القول، والقالين من القلى. وقوله) ﵌ (- فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله. فإن أسلم لم تسم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة ولا عصية - تصغير عصا - من العصيان، بل هي أسماء قبائل مرتجلة، لم يلاحظ في وضعها تلك المعاني بخلاف نحو هاشم؛ فإنه سمي به لما هشم الثريد لقومه في عام محل وقع بمكة. ومن أمثلته في الشعر قول النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفناوليلك عما ناب قومك نائم
وقول الآخر:
عرب تراهم أعجمين عن القرىمتنزلين عن الضيوف النزل
فأقمت بين الأزد غير مزودورحلت عن خولان غير مخول
وقول الآخر:
صل الراح بالراحات وأقدح مسرةبأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش أوزاراً فأوراق كرمهاأكف غدت تستغفر الله للذنب
الشاهد في البيت الأول، وما أحسن ما استعمل الاستغفار في البيت الثاني. وقول القاضي الأرجاني:
وفي الحي كل كليل اللحاظيطالعنا من خصاص الكلل
وقول أبي فراس الحارث بن حمدان:
سكرت من لحظه لا من مدامتهومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف دهتني بل سوالفهولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوي بعزمي أصداغ لوين بهوغال قلبي بما تحوي غلائله
وفيه شاهد الاشتقاق والجناس المطلق كما لا يخفى.
وقولي من أبيات:
اطرح زنادك لا تستوره قبسالا يقدح الزند من في كفه القدح
وقولي من قصيدة:
خاطرت في هواك مهجة صبهويت منك ذابلاً خطارا
ومنها:
لا تلمني فما التصابي بعارقبل يسترجع الصبا ما أعارا
وقولي من قصيدة أخرى وفي البيت الأول الاشتقاق، وفي الذين بعده الجناس المطلق:
ولائم لام على حبهجهلاً بأمر الحب وهو المليم
يروم مني الغدر فيه وماذمام ودي في الهوى بالذميم
صم صدى العاذل في حب فيأسكنته في مهجتي في الصميم
وقول الآخر:
إن فصل الربيع فصل مليحتضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودرحيث درنا وفضة في الفضاء
وقول بعضهم:
بجانب الكرخ من بغداد عن لناظبي ينفره عن وصلنا تفر
ظفيرتاه على قتلي تظافرتايا من رأى شاعراً أودى به الشعر
وقول الآخر:
إذا أعطشتك أكف اللئامكفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلاً رجله في الثرىوهامة همته في الثريا
وقول الشيخ العميد:
إذا بلغ الحوادث منتهاهافرج بعيدها الفرج المطلا
فكم كرب تولى إذا توالىوخطب قد تجلا حين جلا
وقول الآخر:
رب خود عرفت في عرفاتسلبتني بحسنها حسناتي
لم أنل في منى منى النفس لكنخفت بالخيف أن تكون وفاتي
وقول المعري:
لا تنزلي بلوى الشقائق فاللوىألوى المواعد والشقيق شقاق
تنبيه: - علم بالأمثلة المذكورة أنه ليس المراد بما يشبه الاشتقاق في الجناس المطلق، الاشتقاق الكبير، لأن الاشتقاق الكبير، هو الاتفاق في حروف الأصول من غير رعاية ترتيب، مثل، القمر والرقم والمرق، ونحو ذلك. والأسف ويوسف؛ وقال والقالين ليس من هذا القبيل، وهو ظاهر نبه عليه السعد التفتازاني في شرح التلخيص.
إذا عرفت هذا فالشيخ صفي الدين (ره) جمع بين الجناس المركب والمطلق في المطلع فقال:
إذن جئت سلعاً فسل عن جيرة العلمواقر السلام على عرب بذي سلم
فالمركب في قوله: (سلعا) و (سل عن)، والمطلق في (السلام) و (السلم).
وابن جابر جاء المركب في بيت، وبالمطلق في بيت، فقال في المركب:
دع عنك وسل ما بالعقيق جرىوأم سلعا وسل عن أهله القدم
وقال في المطلق:
جار الزمان فكفوا جوره وكفواوهل أضام لدى عرب على أضم
قال ابن حجة: المطلق في (أضام) و (أضم). وأما (جار) و (جوره) فمشتق، ولكن لم يخف ما في البيتين من الثقل مع خفة الالتزام. انتهى. قلت: وهو - أعني المطلق - في (كفوا) و (كفوا) أيضاً كما هو ظاهر.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فحي سلمى وسل ما ركبت بشذاقد أطلقته أمام الحي من أمم
فأتى بالنوعين في بيت واحد، وورى بالاسمين من جنس الغزل.
وبيت ابن حجة قوله - وحذا فيه حذو الموصلي-:
بالله سربي فسربي طلقوا وطنيوركبوا في ضلوعي مطلق السقم
والشيخ عبد القادر الطبري لم يذكر في بديعيته إلا الجناس المركب، وأما المطلق فلم يجر له ذكراً فقال:
فأم سلعاً وسل عن أهله فهمقد ركبوا في الحشا ناراً ببعدهم
وبيت بديعيتي هو:
دعني وعجبي وعج بي بالرسوم ودعمركب الجهل واعقل مطلق الرسم
وبيت بديعيتي هو:
دعني وعجبي بي بالرسوم ودعمركب الجهل واعقل مطلق الرسم
فالمركب في (عجبي) و (عج بي) والمطلق في (الرسوم) و (الرسم) فالرسوم: الآثار، والمراد هنا آثار الديار بقرينة المقام. والرسم: صفة للأينق التي تمشي الرسيم، وهو نوع من سير الإبل، فحذف الموصوف وأبقى الصفة وهو كثير الوقوع في فصيح الكلام، قال تعالى (وعندهم قاصرات الطرف) أي حور قاصرات الطرف (وألنا له الحديد أن اعمل سابغاتٍ) أي دروعاً سابغات. والعجب بالضم: الزهو والكبر. وعاج يعوج، أي أقام بالمكان ووقف. والجهل المركب: خلاف البسيط، فإن المركب هو عدم العلم مع اعتقاده، فهو مركب من الجهل والجهل بالجهل. والبسيط، هو عدم العلم فقط. قال بعضهم:
قال حمار الحكيم يوماًلو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيطوراكبي جاهل مركب
وعقل الناقة: شد وظيفها إلى ذراعها، والخطاب للحادي به أو رفيقه. يقول: دعني وزهوي. أي تيهي وفخري بهم، وأقم بي آثار ديارهم، ودع الجهل المركب - يعني جهله - بحقيقة حاله أو حالهم، وادعاه معرفته لها. كأنه عذله على تيهه بهم، فخاطبه بهذا القول، واعقل هنالك مطلق الأينق الرسم، فلا تتجاوزه، فإنه محط الرحال، ومطمح نظر الآمال.
والشيخ إسماعيل المقري لم يذكر الجناس المطلق أيضاً، وذكر الجناس المركب في المطلع في موضعين وقد تقدم ذكره.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع