من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الاستطراد
أجروا سوابق دمعي في محبتهمواستطردوها كخيل يوم مزدحم
الاستطراد في اللغة: مصدر استطراد الفارس لقرنه، إذا طرد فرسه بين يديه، يوهمه الفرار، ثم يعطف عليه على غرة منه، وهو ضرب من المكيدة. وفي الاصطلاح، هو أن يكون الناظم أو الناثر آخذاً في غرض من أغراض الكلام، من غزل أو مدح أو وصف أو غير ذلك، فيخرج منه إلى غرض آخر.
وقال ابن أبي الحديد: الاستطراد، هو أن تخرج بعد تمهيد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره، فتذكره وكأنك غير قاصد لذكره بالذات، بل قد حصل ووقع ذكره بالعرض من غير قصد، ثم تدعه وتتركه وتعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه وكالملغي لما استطردت بذكره.
فمن ذلك قول البحتري وهو يصف فرساً:
واغر في الزمن البهيم محجلقد رحت منه على أغر محجلِ
كالهيكل المبني إلا أنهفي الحسن جاء كصورة في هيكلِ
يهوي كما هوت العقاب وقد رأتصيداً وينتصب انتصاب الأجدل
ما إن يعوف قذى ولو أوردتهيوماً خلائق حمدوية الأحول
ذنب كما سحب الرشاء يذب عنعرف وعرفه كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة في غرةيفقٍ تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيةعرضاً على السنن البعيد الأطول
هزج الصهيل كأن في نغماتهنبرات معبد في الثقيل الأول
ملك القلوب فإن بدا أعطيتهنظر المحب إلى الحبيب المقبل
ألا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب، وكأنه لم يقصد لذلك ولا أراده، وإنما جرته القافية، ثم ترك ذكره وعاد إلى وصف الفرس ولو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره، ولذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقاً، فهذا هو الاستطراد. ومن الفرق بينه وبين التخلص، أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية، وأقبلت على ما تخلصت إليه من المديح والهجاء بيتاً بعد بيت حتى تنقضي القصيدة. وفي الاستطراد يمر ذكر الأمر الذي استطردت به مروراً كالبرق الخاطف، ثم تتركه وتنساه وتعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك، وإنما عرض عروضاً، لم يقصد بذكر الأول التوصل إليه، ثم يعود إلى ما كان فيه، فإن لم يعد فهو تخلص. وهذا هو الفرق بينه وبين المخلص. وأحسن ما سمع في مثاله قول السمؤل، بل قيل أنه أول شاهد ورد في هذا النوع:
وأنا لقوم لا نرى الموت سبةإذا ما رأته عامر وسلولُ
فاستطرد من الفخر بالشجاعة إلى هجو أعدائه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الافتخار فقال:
يقرب حب الموت آجالنا لناوتكره آجالهم فتطولُ
وما مات منا سيد حتف أنفهولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسناوليست على غير الظبات تسيل
إلى آخر القصيدة.
ومثله قول الآخر:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعهفليس به بأس وإن كان من جرم
فخرج من الوعظ إلى الهجو المؤلم في قبيلة جرم. ووقع منه في القرآن العظيم آيات، منها في سورة لقمان، قوله تعالى: (وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنت تعملون). فاستطرد من حكاية وصية لقمان لابنه وصيته سبحانه لعباده، لما بينهما من المناسبة، ثم عاد إلى ما كان عليه من وصية لقمان لابنه فقال: (يا بني إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردلٍ) إلى آخر الآيات. ومنها في سورة الشعراء، حيث حكى قول إبراهيم: (ولا تخزني يوم يبعثون) فاستطرد إلى وصف المعاد بقوله: (يوم لا ينفع مال ولا بنون) إلى آخره، ثم عاد إلى ذكر الأنبياء والأمم. ومثل كثير فيه يظهر عند التتبع.
ومما وقع في الشعر قول الشريف الرضي عليه من الله الرضا:
أبونا الذي أبدى بصفين سيفهضغاء ابن هند والقنا يتقصف
ومن قبل ما أبلى ببدرٍ وغيرهماولا موقف إلا له فيه موقفُ
ورثنا رسول الله علوي مجدهومعظم ما ضم الصفا والمعرف
وعند رجال إن جل تراثهقضيب محلى أو رداء مفوف
يريدون أن نلقي إليهم أكفناومن دمنا أيديهم الدهر تنطف
فلله ما أقسى ضمائر قومنالقد جاوزوا حد العقوق وأسرفوا
يضنون أن تعطى نصيباً من العلاوقد عاجلوا دين العلى وتسلفوا
فاستطرد من الافتخار إلى الشكوى من بني العباس وجورهم، ثم عاد إلى غرضه من الافتخار فقال:
وهذا أبي الأدنى الذي تعرفونهمقدم مجد أول ومخلف
مؤلف ما بين الملوك إذا هفواوأشفوا على حز الرقاب وأشرفروا
إلى آخر القصيدة وهي من محاسن قصائده. وأراد بالقضيب والرداء في قوله: قضيب محلى أو رداء مفوف، قضيب النبي) ﵌ (وبردته، اللذين كان الخلفاء يتوارثونهما. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أما القضيب فهو السيف الذي نحله علياً) ﵇ (في مرضه، وليس بذي الفقار، بل هو سيف آخر. وأما البردة فإنه وهبها كعب بن زهير، ثم صار هذا السيف وهذه البردة إلى الخلفاء بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ. انتهى.
وقول الأبيوردي:
وواش يسر الحقد واللحظ ناطقبه وعلى الشحناء تطوى ترائبه
وشى بسليمي مظهراً لي نصيحةومن نصحاء المرء من هو كاذبه
ورشح من هنا وهنا حديثهليخدعني والليل يغتال خاطبه
فقربته مني ولم يدر أنهإذا عد مجد ليس منن يقاربه
وأرعيته سمعي ليحسب أننيسريع إلى الأمر الذي هو طالبه
ولو رام عمرو والمغيرة غيرتيلاعيتهما فليحذر الشر جالبه
أراد عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة لأنهما كانا أدهى دهاة العرب وأمكرها.
وما الصقر مني حين يرسل نظرةوتصدقه عيناه فيما يراقبه
ولا الأسد الضاري يريد شكيمتيوإن دميت عند الدفاع مخالبه
فاستطرد من وصف الواشي وذمه إلى وصف نفسه بالحزم والعقل وتقرب النظر والفراسة والشجاعة، ثم عاد إلى الواشي فقال:
فقلت له لما تبين أننيفتى الحي لا يشقى به من يصاحبه
أتعذلنيفاهاً لفيك
على الهوى
لأرمي بالحبل الذي أنت قاضبه
وأهجر من أغرى إذا عبته بهجعلت فداء الذي أنت عائبه
ومنه قولي:
وافي وافق الدجى بالزهر متشحوالنجم يخفي لرائيه ويتضحُ
والبدر يرفل في ظلمائه مرحاًوضرة البدر عندي زانها المرح
مهفهف تستخف الراح راحتهويثقل السكر عطفيه فيرتنح
بدا يطوف بها حمراء ساطعةفي جبهة الليل من لالائها وضح
فاطرح زنادك لا تستورده قبساًلا يقدح الزند من في كفه القدح
وافي بها أسرة في المجد راسيةلا يستفزهم حزن ولا فرح
هم سمام العدى إن غارة عرضتوهم غمام الندى والفضل إن سمحوا
تخفي وجوههم الأقمار إن سفرواوتخجل السحب أيديهم إذا منحوا
مالوا إلى فرص اللذات من أممولم يميلوا عن العليا ولا جنحوا
فاستطرد من وصف الساقي والخمر إلى وصف ندمائه بالرجاحة والشجاعة والسماحة والصاحبة، ثم عاد إلى ما كان عليه من وصف الساقي فقال:
وبات يمنحني من دونهم منحاكانت أماني نفسي والهوى منح
وقلت بعده:
وذات حسن إذا ميطت براقعهافالشمس داهشة والبدر مفتضح
عاتبتها بعدما مال الحديث بهاعتباً يمازحه من دلها ملح
فأعرضت ثم لانت بعد قسوتهاحتى إذا لم يكن للوصل مطرح
أغضت وأرضت بما أهوى وعفتناتأبى لنا مأثماً في الحب يجترح
فلم نزل لابسي ثوب العفاف إلىأن كاد يظهر في فرح الدجى جلح
قامت وقمت وفي أثوابنا أرجمن الوصال وفي أكبادنا قرح
ما أصعب الحب في خطب وأبرحهبذي العفاف وإن أخفى الذي يضح
وأورد ابن حجة من شواهد الاستطراد قول حسان بن ثابت:
إن كنت كاذبة الذي حدثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهمونجا رأس طمرة ولجسام
قال: فانظر كيف خرج من الغزل إلى هجو الحارث بن هشام. والحارث هذا هو أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، ومات يوم اليرموك بالشام. انتهى.
وأنا أقول: ليس هذا من الاستطراد في شيء، بل هو تخلص البتة، لأن الاستطراد يشترط فيه العود إلى الكلام الأولى كما تقدم، وحسان لم يعد إلى ما كان عليه من ذكر العاذلة، بل أتم القصيدة مستمراً على ذكر هزيمة الحارث بن هشام والإيقاع بقومه في يوم بدر. ولنذكر ما قبل البيتين مما يتعلق بهما، وما بعدهما إلى آخر القصيدة حتى يعلم صحة ما ذكرناه.
قال حسان:
يا من لعاذلة تلوم سفاحةولقد عصيت على الهوى لوامي
بكرت علي بسحرة بعد الكرىوتقارب من حادث الأيام
زعمت بأن المرء يكرب عمرهحدث لمعتكر من الأصرام
يقول: زعمت أن الرجل يقرب أجله الفقر، فأمرتني بالإمساك، والمعتكر المال الكثير، والأصرام جمع صرمة بكسر الصاد المهملة، وهي القطعة من الإبل، ما بين العشرين إلى الثلاثين، وقيل غير ذلك.
إن كنت كاذبة الذي حدثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهمونجا برأس طمرة ولجام
تذر العناجيج الجياد بقفزةمر الدموك بمحصد ورجام
العناجيج: جياد الخيل والإبل. قال شارح الديوان: أراد بالدموك البكرة وهي الخشبة المستديرة التي يستقي عليها، يريد أنها تسرع سرعان الكبرة. والمحصد: الحيل المحكم الفتل. والرجامان: قرنا البئر اللتان تكون بينهما البكرة.
ملأت به الفرجين فارمدت به=وثوى أحبته بشر مقام يريد ملأت به الفرس فرجيها، وهو ما بين رجليها عدوا. وأرمدت: أسرعت.
وبنو أبيه ورهطه في معركنصر الإله به ذوي الإسلام
طحنتهم والله ينفذ أمرهحرب يشب سعيرها بضرام
لولا الإله وجريها لتركنهجزر السباع ودسنه بحوامي
الحوامي: ميامن الحافر ومياسره.
من كل مأسور يشد صفادهصقر إذا لاقى الكتيبة حامي
ومجدل لا يستجيب لدعوةحتى تزول شوامخ الأعلام
ومرنح فيه الأسنة شرعاكالجفر غير مقابل الأعمام
الجفر: الجدي، والمقابل الذي أبوه وأمه من قبيلة واحدة، أو الكريم النسب من قبل أبويه.
من صلب خندف ماجد أعراقهبخلت به بيضاء ذات تمام
هذا آخر القصيدة فأين الاستطراد الذي ذكره ابن حجة؟ وقد قال هو: الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول، وقطع الكلام بعد المستطرد به.
ولما بلغت هذه القصيدة الحارث بن هشام قال، وهو أحسن ما قيل في الاعتذار عن الفرار:
الله أعلم ما تركت قتالهمحتى رموا فرسي بأشقر مزبدِ
وعلمت أني إن أقاتل واحداًأقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهمطمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
وقد ذكر ابن حجة وغيره أبياتاً كثيرة، وعدوها من الاستطراد لا يعلم هل عاد الشاعر فيها إلى ما ابتدأ فيه من الكلام أم لا، فلا يقطع بكونها من هذا الباب حتى يعلم ذلك.
قال ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على المثل السائر: ومما زعم صاحب كتاب المثل السائر أنه استطراد قول بعض شعراء الموصل يمدح الأمي قرواش بن المقلد وقد أمره أن يعبث بهجو وزيره سليمان بن فهد وحاجبه أبي جابر، ومغنيه البرقعيدي، في ليلة من ليالي الشتاء، وأراد بذلك الدعابة والولع بهم وهم في مجلس الشراب:
وليل كوجه البرقعيدي ظلمةوبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه نوم مشردكعقل سليمان بن فهد ودينه
على أبلق فيه التفات كأنهأبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدى ضوء الصباح كأنهسنا وجه قرواش وضوء جبينه
وليس من الاستطراد في شيء، لأن الشاعر قصد هجاء كل واحد منهم ووضع الأبيات لذلك، ومضمون الأبيات كله مقصود له، فكيف يكون استطراد؟. انتهى.
قلت: وقد أورد هذه الأبيات القاضي ابن خلكان في تاريخه في ترجمة المقلد بن المسيب قال: ومن جملة شعراء دمية القصر، الطاهر الجزري وقد مدح قرواشاً بقوله وهو في نهاية الحسن في باب الاستطراد، ثم أورد الأبيات وقال بعدها: ولشرف الدين بن عنين الشاعر على هذا الأسلوب في فقيهين كانا بدمشق، ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس وهو:
البغل والجاموس في جدليهماقد أصبحا عظة لكل مناظرِ
برزا عشية ليلة فتباحثاهذا بقرنيه وذا بالحافر
لم يتقنا غير الصياح كأنمالقنا جدال المرتضى ابن عساكر
لفظ طويل تحت معنى قاصركالعقل في عبد اللطيف الناظر
اثنان مالهما وحقك ثالثإلا رقاعة مذلويه الشاعر
ولقد حكى لي بعض الأصحاب، أنه سأل ابن عنين عن أبيات الطاهر الجزري وأنه استحسن البناء عليها، فحلف أنه ما كان سمعها والله أعلم.
ومذلويه المذكور لقب كان ينبز به الرشيد عبد الرحمن بن بدر النابلسي الشاعر المعروف. انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: وفي قول ابن أبي الحديد: إن الأبيات المذكورة ليست من الاستطراد في شيء، نظر، فقد قال القزويني في الإيضاح: الاستطراد هو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به، لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني، كقول الحماسي:
وأنا لقوم ما نرى الموت سبةإذا ما رأته عامر وسلول
ثم قال: وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كقول أبي اسحاق الصابي:
إن كنت خنتك في المودة ساعةفذممت سيف الدولة المحمودا
وزعمت أن له شريكاً في العلىوجحدته في فضله التوحيدا
قسماً لو أن حالف بغموسهالغريم دين ما أراد مزيدا
قال: ولا بأس أن يسمى هذا إبهام الاستطراد. انتهى.
فالأبيات التي أنكر ابن أبي الحديد كونها من الاستطراد من هذا القبيل فاعلم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته من هذا القبيل أيضاً وهو:
كأن آناء ليلي في تطاولهاتسويف كاذب آمالي بقربهم
فإنه قدم أداة التشبيه ليتوصل إلى ما قصده من ذم كاذب الآمال.
وكذلك بيت ابن جابر الأندلسي في بديعيته وهو:
قد أفصح الضب تصديقاً ببعثتهإفصاح قس وفهم القوم لم يهم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
يستطرد الشوق خيل الدمع سابقهفيفضل السحب فضل العرب للعجمِ
قال ابن حجة: الشيخ عز الدين أحرز قصبات السبق باستطراده هنا على الشيخ صفي الدين والعميان، مع التزامه تسمية النوع المورى به من جنس الغزل، ومراعاة جانب الرقة ونظم الاستطراد على الشرط المذكور.
وبيت ابن حجة قوله:
واستطردوا خيل صبري عنهم فكبتقصرت كليالينا بوصلهم
أقول: ابن حجة استطرد خيل أفكاره في هذا البيت ليلحق الشيخ عز الدين لكنها كبت وقصرت، وما ذاك إلا أنه استعار لصبره خيلا، وهي استعارة مستهجنة جداً، بالنسبة إلى رقة التشبيب، وأين هي من استعارتها للدمع، فإنها كادتا أن تكونا ضدين. وإذا نظرت إلى اشتقاق الخيل وأنه من الخيلاء، زادك ذلك استهجاناً لها، ولم تزل الشعراء تصف أنفسها في تشبيبها وغزلها بقلة الصبر وعدمه. حتى جاء هذا الرجل، فأثبت لنفسه صبراً من أحبابه، ولم يكفه ذلك، حتى استعار له خيلاً، ثم يقول: هذا البيت غريب ولا بد لأهل الأدب من تأهيل غريبه. وأما استطراده فيه، فإنه وإن كان قصد به وصف ليالي وصلهم بالقصر، لكن السامع إذا سمع هذا البيت لا يتبادر إلى فهمه إلا أنه قصد ذمها حيث شبهها بخيل صبره التي كبت وقصرت. اللهم أنا نعوذ بك من سنة الغفلة.
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
واستطرد الحب خيل الوصل سابقةبفضل ود كفضل الملك للخدمِ
هذا البيت ممسوخ الألفاظ من بيت الشيخ عز الدين الموصلي، وأما معناه فهو من البرودة في الغاية القصوى. وفضل الملك للخدم كالسماء فوقنا والأرض تحتنا، فما معنى الاستطراد إليه. وما الغرض من ذلك؟.
وبيت بديعيتي هو:
أجروا سوابق دمعي في محبتهمواستطردوها كخيلي يوم مزدحمِ
الاستطراد في هذه البيت من الغزل إلى الحماسة، وفي تشبيه سوابق الدمع بالخيل من المناسبة ما لا يخفى.
وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله:
هجرتني هجر عذالي منازلهملشغلهم بي فلم أهدأ ولم أنم
هذا الاستطراد من قبيل استطراد الشيخ صفي الدين وابن جابر وهو النوع الثاني منه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع