من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
المقابلة
ولوا بسخط وعنف نازحين وقدقابلتهم بالرضا والرفق من أمم
المقابلة - هي أن يأتي المتكلم بلفظين متوافقين فأكثر، ثم بأضدادها أو غيرها على الترتيب، وهذا أحد الفرقين بينهما وبين المطابقة. والمراد بالتوافق خلاف التقابل، لا أنا يكونا متناسبين ومتماثلين، فإن ذلك غير مشروط كما سيجيء من الأمثلة.
قال زكي الدين بن أبي الإصبع: والفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين: أحدهما إن الطباق لا يكون إلا بالأضداد، والمقابلة تكون بالأضداد وبغيرها، ولكن الأضداد أعلى رتبة وأعظم موقعاً.
والثاني، إن الطباق لا يكون إلا بين ضدين فقط، والمقابلة لا تكون إلا بما زاد من الأربعة إلى العشرة. انتهى.
قال الشيخ صفي الدين: وكلما كثر عددها كانت أبلغ. انتهى.
وزاد السكاكي في تعريف المقابلة قيداً آخر فقال: هي أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطاً، شرطت هناك ضده كقوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى) فإنه لما جعل التيسير مشتركاً بين الإعطاء والإتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير المعبر عنه بقوله: فسنيسره للعسرى، مشتركاً بين أضدادها وهي: البخل والاستغناء والتكذيب.
فإن قلت: كون البخل ضد الإعطاء، والتكذيب ضد التصديق ظاهر فما وجه كون الاستغناء ضد التقي؟ قلت: هو مبني على اعتبار ما يلزم الاستغناء من ترك الإتقاء، إذ المراد باستغنى، إنه زهد فيما عند الله ولم يرغب فيه، بمنزلة الشيء المستغنى عنه، فترك الإتقاء واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، فلم يتق الله ولم يحذر المعاصي وإتباع الهوى. ثم هذا القيد الذي زاده السكالي، لم يعتبره الأكثرون لأنهم عدواً من المقابلة قول أبي دلامة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعاوأقبح الكفر وألافلاس بالرجل
قالوا: قابل بين الحسن والقبح والدين والكفر والدنيا والإفلاس. ومع ذلك فالقيد المذكورة معدوم فيه، لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع ولم يشترط في الإفلاس والكفر ضده، فلا يكون هذا البيت عند السكالي من المقابلة.
وقسم بعضهم المقابلة إلى ثلاثة أنواع: نظيري ونقيضي وخلافي. مثال الأول، قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) فإنهما جميعاً من باب الرقاد المقابل باليقظة في آية (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) وهذا مثال الثاني، فإنهما نقيضان. ومثال الثالث مقابلة الشر في قوله تعالى: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشر الخير، ونقيض الرشد الغي. انتهى.
وهذا تقسيم غريب، قل من ذكره، ولعل قائله تفرد به.
تنبيهان: الأول- ظاهر كلام جماعة إن المقابلة لا تكون إلا بالأضداد كالمطابقة فيبطل الفرق الأول من الفرقين المذكورين بين المطابقة والمقابلة.
الثاني - قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: المقابلة أن يأتي الناظم بأشياء متعددة في صدر البيت، ثم يقابل كل شيء منها بضده في العجز، على الترتيب أو بغير الضد. انتهى.
وظاهر هذا أن المقابلة في النظم لا تكون إلا بين ألفاظ صدر البيت وعجزه. وليس كذلك، بل قد تكون في كل من صدر البيت وعجزه، بأن يأتي بلفظين ويقابل منهما بضده أو غيره في الصدر، وكذا في العجز كقول الطغرائي:
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجتبشدة اليأس منه رقة الغزلِ
فإنه قابل الحلو والفكاهة، وهي المزح، بالمر والجد على الترتيب في صدر البيت، وقابل الشدة واليأس بالرقة والغزل على الترتيب في عجز البيت فظهر أن كلام الشيخ صفي الدين مبني على الغالب دون التحقيق والله أعلم.
مثال مقابلة اثنين باثنين - قوله تعالى: (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً).
وقول النبي) ﵌ (: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا الخرق في شيء إلا شأنه.
وقول الذبياني:
فتىَ تم فيه ما يسر صديقهعلى أن فيه ما يسوء إلا عاديا
وقوله الآخر:
فوا عجبا كيف اتفقنا فناصحوفيَّ ومطوي على الغل غادرُ
فإن الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء ومن لطيف ذلك، ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي، إذ قال له المنصور: بلغني أنك بخيل، فقال: يا أمير المؤمنين ما أجمد في حقٍ ولا أذوب في باطل.
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة قول أبي الطيب المتنبي:
فلا الجود يفني المال والجد مقبلولا البخل يبقي المال والجد مدبرُ
وقول الآخر في المعنى:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بهاعلى الخلق طرا إنها تنقلبُ
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلتولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
وقول أبي تمام:
يا أمة كان قبح الجور يسخطهادهراً فأصبح حسن العدل يرضيها
وقول شهاب الدين محمود:
يا راكباً يفري جواد الفلاعلى أمون جسرة أو جوادْ
يسري فتبيديه ظهور الربى=طوراً فتخفيه بطون الوهاد وقول الآخر وفي كل من البيتين مقابلة ثلاثة بثلاثة:
يفر جبان القوم عن ابن أمهويحمي شجاع القوم من لا يناسبهْ
ويرزق معروف الكريم عدوهويحرم معروف البخيل أقاربه
ومنه قول الشيخ صفي الدين الحلي في راقص:
ورَّنح الرقص منه عطفاًحف به اللطف والدخولُ
فعطفه داخل خفيفوردفه خارج ثقيل
فقابل العطف بالردف، والداخل بالخارج، والخفيف بالثقيل. وليس هذا من مقابلة اثنين باثنين كما زعم ابن حجة.
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: فأما من أعطى واتقى - الآيتين - وقد تقدم ذكرهما وبيان المقابلة فيهما.
وقول غرس الدين الأربلي:
تسر لئيماً مكرمات تعزهوتبكي كريما حادثات تهينُهُ
ومثال مقابلة خمسة بخمسة قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوانثني وبياض الصبح يغري بي
قالوا: قابل خمسة بخمسة، والمقابلة الخامسة بين (لي) و (بي)، قال الخطيب القزويني: وفيه نظر، لأن الباء واللام فيهما صلتا الفعل فهما من تمامهما، قال: وضد الليل المحض هو النهار، لا الصبح.
وقد أخذ بعضهم قول أبي الطيب أخذاً مليحاً فقال:
أقلي النهار إذا أضاء صباحهوأظلّ انتظر الظلام الدامسا
فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكاًوالليل يرثي لي فيدبر عابسا
قال الصفدي: وهو مقابلة خمسة بخمسة. انتهى.
قلت: والنظر المذكور وارد عليه مع الأغراض.
وعدوا من مقابلة خمسة بخمسة قول الثعالبي:
عذيري من الأيام مدت صروفهاإلى وجه من أهوى يد النسخ والمحوِ
وأبدت بوجهي طالعات أرى بهاسهام أبي يحيى يسددها نحوي
فذاك سواد الخط ينهى عن الهوىوهذا بياض الحظ أمر بالصحوِ
ومن يرى المقابلة بين صلتي الفعل فهو عنده من مقابلة ستة بستة.
ومثال مقابلة ستة بستة، ما أنشده الصاحب شرف الدين مستوفي أربل لغيره، وهو:
على رأس عبدٍ تاج عز يزينهوفي رجل حر قيد ذل يشينهُ
قال الصلاح الصفدي: هذا أبلغ ما يمكن أن ينظم في هذا المعنى. فإن أكثر ما عد الناس في باب المقابلة بيت أبي الطيب لأنه قابل فيه بين خمسة، وهذا قابل فيه بين ستة والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله:
كان الرضا بدنوي من خواطرهمفصار سخطي لبعدي عن جوارهمِ
قال في الشرح: فيه مقابلة، كان بصار، والرضا بالسخط، والدنو بالبعد، ولفظةِ من بعن، لأنها تخالفها أيضاً، وخواطرهم بجوارهم، فهذه عشرة متقابلة من غير حشو.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
بواطئ فوق خد الصبح مشتهروطائر تحت ذيل الليل مكتتمِ
والمقابلة في هذا بين خمسة أيضاً.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
ليل الشباب وحسن الوصل قابلهصبح المشيب وقبح الهجر واندمي
المقابلة في هذا البيت بين أربعة. قال ابن حجة: وأتى بلفظة قابلة اضطراراً لتسمية النوع، وأما قوله: واندمي، فقافية مستدعاة أجنبية من المقابلة، فإنه لم يؤهلها لمقابلة ضده، ولا لغيره بل تركها بمنزلة الأجانب. انتهى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قابلتهم بالرضا والسلم منشرحاولوا غضاباً فوا حزني لغيظهمِ
هذا البيت فيه المقابلة بي أربعة أيضاً، وهي ظاهرة، وقافيته متمكنة غير أنه فصل بين الجملتين، والوصل فيهما متعين لاتفاقهما في الخبرية لفظاً ومعنى، ووجود الجامع بينهما وهو التضاد، فكان حقه أن يقول: فولوا غضاباً، ولا يخفى ما في البيت من الغلق وعدم الانسجام بسبب هذا الفصل.
وبيت الطبري قوله:
وحسن وصل وسلم القرب قابلهبقبح هجر وحرب البعد للتهمِ
لفظة (قابله) هنا مثلها في بيت الموصلي.
وبيت بديعيتي قولي:
ولوا بسخط وعنف نازحين وقدقابلتهم بالرضا والرفق من أممِ
المقابلة فيه بين أربعة، وجميعها أضداد كما لا يخفى.
وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله:
قد بكى الجفن حزناً بعد بعدهمكضحك ثغري سروراً عند قربهمِ
المقابلة فيه بين خمسة لكنها بالأضداد وغيرها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع