من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الالتفاف
ما أسعد الظبي لو يحيك لحاظهمأو كنت يا ظبي تعزى لالتفاتهمِ
الالتفات - مأخوذي من التفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
وقال السكاكي: هو أما ذلك أو أن يكون مقتضى الظاهر التعبير عنه بطريق منها، فعدل إلى الآخر. فهو عنده أعم، فكل التفات عند الجمهور التفات عنده من غير عكس.
فقول امرئ القيس:
تطاول ليلك بالأثمدونام الخلي ولم ترقدِ
وبات وباتت له ليلةكليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءنيوخبرني عن أبي الأسود
فيه عند السكالي ثلاث التفاتات، أحدهما في (ليلك)، لأنه خطاب ومقتضى الظاهر (ليلي) بالتكلم، والثاني في (باتَ) لأنه غيبة ومقتضى الظاهر (بت) بالتكلم أيضاً، والثالث في (جاءني) لأنه تكلم ومقتضى الظاهر (جاءك) بالخطاب. وعند الجمهور فيه التفاتان وهما الثاني والثالث وأما الأول فليس عندهم بالتفاف، لأنه لم يقع بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة بخلاف الآخرين.
قال في المفتاح: والعرب يستكثرون من الالتفات، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القلوب عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه، واملأ باستدرار إصغائه، وهم أحرياء بذلك، أليس قري الأضياف سجيتهم، ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراتهم؟ - لا مزقت أيدي الأدوار لهم أديماً ولا أباحت لهم حريما - أفتراهم يحسنون قري الأشباح فلا يخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد؟ فإن الكلام المفيد عند الإنسان - لكن بالمعنى لا بالصورة - أشهى غذاء لروحه، وأطيب قرى لها. انتهى.
وهذا الوجه وهو إفادة التطرية لنشاط السامع هو فائدته العامة، وقد يختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله. وأقسامه ستة، حاصلة من ضرب الطريق الثلاثة في الاثنين، لأن كلا من الطرق الثلاثة ينقل إلى الآخرين.
أحدهما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب، والنكتة فيه أن العبد إذا ذكر الحقيقة بالحمد عن قلبٍ حاضر، ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال، وآخرها (مالك يوم الدين) المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، يجد من نفسه حاملاً لا يقدر على دفعه، على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات.
ومن أمثلته في الشعر قول ربيعة بن مقروم:
تهدمت الحياض فلم يغادرلحوض من نصائبه إزاءُ
لخولة إذ هم مغنى وأهليوأهلك ساكنون وهم رتاءُ
ففي قوله وأهلك التفات من الغيبة إلى الخطاب. والنصائب: حجارة تنصب حول الحوض. والإزاء: مصب الماء إلى الحوض. ورتاء، أي متقابلة.
وقول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوعسقيت الغيث أيتها الخيامُ
وقول أبي العلاء المعري:
هي قالت لما رأت شيب رأسيوأرادت تنكراً وأزوارارا
أنا بدر وقد بدا الصبح في راسك والصبح يطرد الأقمار
لستِ بدراً وإنما أنت شمسلا ترى في الدجى وتبدو نهارا
وقول شريف الرضي) ﵁ (:
مَن شافعي وذنوبي عندها الكبرإن البياض لذنب ليس يغتفرُ
راحت تريح عليك الهم صاحيةوعند قلبك من غي الهوى سكر
رأت بياضك مسوداً مطالعهما فيه للحب لا عين ولا أثرُ
وأي ذنب للون راق منظرهإذا أراك خلاف الصبغة الأثر
وما عليك ونفسي فيك واحدةإذا تلون في ألوانه الشعر
وقول أبي الحسن التهامي:
أهدت لنا من خدها ورضابهاورداً تحيينا به وشمولا
ورداً إذا ما شم زاد غضاضةولو أنه كالورد زاد ذبولا
وجلت لنا برداً يشهي بردهنفس الحصور العابد التقبيلا
لم أنسها تشكو الفراق بأدمعما اعتدن في الخد الأسيل سبيلا
فرأيت سيف اللحظ ليس بمغمدمن تحت أدمعها ولا مسلولا
إن دام دمعك فاحذري غرقا بهفإذا توالى القطر صار سيولا
حطي النقاب لعل سرح لحاظنافي روض وجهك يرتعين قليلا
لما اتنقبت حسبت وجهك شعلةخلل النقاب وخلته قنديلا
وقول شيخنا محمد بن علي الشامي:
زعمت بثينة إن قلبك قد سلامن لي بقلب مثل قلبك قلبِ
وفي هذا البيت التفاتان، أحدهما من الخطاب إلى التكلم، والثاني من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما نحن فيه. وعلى رأي السكالي، فيه ثلاث التفاتات كما لا يخفى.
وما أحسن قوله بعده:
قد كنت آمل أن تموت صبابتيحتى نظرت إليك يا ابنة يعربِ
فطربت ما لم تطربي ورغبت مالم ترغبي ورهبت ما لم ترهبي
وقول الشيخ حسين الطبيب من قصيدة يمدح بها الوالد:
خليلي عوجاً بي على أيمن الحمىلعل سماحاً بالوصال تسامحُ
سواء علي الموت أم شطت النوىبسمحاء أم حز الوريدين ذابح
تجنبتها لا عن ملال ولا قلىولكن مصاب يصدع القلب فادح
وإن رمت أسلو حبها حال دونهرسيس جوى ضمت عليه الجوانح
قضى الله يا سمحاء بالبين بيناإلا كل ما يقضي به الله صالح
حنانيك أنت الداء والبرء إنمايفوز ويشقى فيك دان ونازحُ
من الاتفاق الغريب إن هذه الأبيات جرت على لسان الشيخ المذكور مجرى الفأل، فقضى الله سبحانه بالبين بين الشيخ وبين فتاته سماح المتغزل فيها بهذه الأبيات، فتوفى بعد نظمه هذه القصيدة بأيام يسيرة.
الثاني الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو عكس الأول، ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، ونكتته العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، التعجب من كفرهم وفعلهم، واستدعاء الإنكار منهم عليهم، فلو استمر على خطابهم لفاتت هذه الفائدة، وقيل فيها غير ذلك.
ومن أمثلته في الشعر قول النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسندأقوت وطال عليها سالف الأبد
وقول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيرهمني بمنزلة المحب المكرمِ
كيف المزار وقد تربع أهلهابعنيزتين وأهلنا بالغيلمِ
وقول بعضهم:
أن يكن مسك الليالي بصرففهو مثل الحسام يجلو صقلُ
وقول البحتري:
ضمان على عينيك إني لا أسلووإن فؤادي من جوى بك لا يخلو
ولو شئت يوم الجزع بل غليلهمحب بوصل منك أن أمكن الوصل
وما النائل المطلوب منك بمعوزلديك بل الإسعاف بعوز والبذل
أطاع لها دل غرير وواضحشتيت وقد مرهف وشوى خدل
وألحاظ عين ما علقن بفارغفخلينه حتى يكون له شغل
وعندي أحشاء تساق صبابةإليها وقلب من هوى غيرها غفل
وقول الشريف الرضي يخاطب الخلفاء العباسيين:
ردوا تراث محمد ردواليس القضيب لكم ولا البرد
هل أعرقت فيكم كفاطمةأم هل لكم كمحمد جد
جل افتخارهم بأنهمعند الخصام مصاقع لد
إن الخلائف والأولى فخروابهم علينا قبل أو بعد
شرفوا بنا ولجدنا خلقوافهم صنائعنا إذا عدوا
الثالث - الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه). قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآية وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وإنه لا يدخل تحت قدرة أحد.
ومن أمثلته في الشعر قول مهيار بن مرزويه الكاتب:
حمام اللوى رفقاً به فهو لبهجواد رهان نوحكن ونحبهُ
أعمداً تهيجن أمرأ بأن أنسهوأسلمه حتى أخوه وصحبه
أمر ومهري مغرمين على اللوىفأسأله أو كان ينطق تربه
وقول الحاجري:
أهل لك في إعانة مستهاميقاد إلى الغرام بلا زمامِ
تعرض بالخيام على زرودفراح وقلبه بين الخيام
عريب البر كيف أبيح قتليأليس العرب تعرف بالذمام
وقول شهاب الدين التلعفري:
لا تقولوا سلا ومل هواناوتسلى عنا بحب سوانا
كيف يسلوكم ويصبر عنكممن يرى سيئاتكم إحسانا
قسماً بعد بعدكم وجفاكملم يفارق لي البكا أجفانا
وقوله:
خل الشجي وقلبه وكلومهفعلام تعذله وفيم تلومهُ
هذا عتابك قد أطلت حديثهوهوى فؤادي قد يراه قديمه
وقولي وهو صدر قصيدة مدحت بها الوالد، مهنئاً له بالنيروز ستة إحدى وسبعين:
من لحزين كلفٍ موجعقد شفه الشوق إلى الأربعِ
ما لي وللأربع ما لم تكنربوع سلمى ربة البرقع
لم أنس عصراً قد تقضى بهاوجمعنا إذ هو لم يصدع
بكيت يوم البين وجداً فلمأبق لذكرى الوصل من أدمعي
فهل لذاك الشمل من ناظمٍأم هل لذاك العصر من مرجع
الرابع - الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وهو عكس الذي قبله، ومثاله قوله تعالى: (إني رسول الله إليكم جميعا) إلى قوله: (فآمنوا بالله ورسوله) والأصل (وبي) فعل عنه لنكتتين، أحدهما دفع التهمة عن نفسه بالمعصية لها، والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص والمتلوة.
ومن أمثلته في الشعر قول عبد الهل بن طاهر:
وإذا سألتك رشف ريقك قلت ليأخشى عقوبة مالك الأملاكِ
ماذا عليكدفنت قلبك في الثرى
من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكون متيماًدنفاً بحبك دون عود أراك
وقو مهيار الديلمي:
أنذرتني أم سعد أن سعداًلم يزل ينهد لي بالشر نهدا
ما على قومك إن صار لهمأحد الأحرار من أجلك عبدا
فيه التفاتان، أحدهما من الغيبة إلى الخطاب، والثاني من التكلم إلى الغيبة وهو ما نحن فيه لأن الأصل (ما على قومها إن صرت لهم عبدا) والنكتة في العدول ظاهرة.
ومنها قول كثير عزة وهو من مختار كلامه:
لقد هجرت سعدي وطال صدودهاوعاود عيني دمعها وسهودها
وكنت إذا ما جئت سعدي بأرضهاأرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة تعيدها
منعمة لم تلق بؤساً وشقوةهي الخلد في الدنيا لمن يستفيدها
هي الخلد ما دامت لا هلك جارةوهل دام في الدنيا لنفس خلودها
فتلك التي أصفيتها بمودتيوليداً ولما تستبن لي نهودها
وقد قتلت نفساً بغير بمودتيوليس لها عقل ولا من يقيدها
الأصل (وقد قتلتني) فعدل عن ذلك لتهويل أمره تلميحاً إلى قوله تعالى: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً)، فلو استمر على التكلم لفاتت هذه النكتة.
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أحيي هواه وهواه قاتليما أربح الشامي لو أودى بهِ
وحشي قلبي ضل عنه ريمهفظل يفلي البيد في طلابه
عجلان ما أخنى عليه قلبه=لو أنه في كفه دحى به الخامس - الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ولم يقع في القرآن، قال الحافظ السيوطي في الإتقان: ومثل له بعضهم بقوله: (فاقض ما أنت قاضٍ) ثم قال: (إنا آمنا بربنا) وهذا المثال لا يصح، لأن شرط الالتفاف أن يكون المراد به واحداً. انتهى.
ومن أمثلته في الشعر قول علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب في الحسان طروببعيد الشباب عصر حال مشيبُ
تكلفني ليلى وقد شط وليهاوعاد عواد بيننا وخطوب
فالتفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم في (تكلفني)، وطحابك أي ذهب بك. وشط وليها، أي بعد قربها وعهدها.
وقول القطامي:
نأتك بليلى نية لم تقاربوما حب ليلى من فؤادي بذاهبِ
وقول أبي فراس بن حمدان:
وقوفك بالديار عليك عاروقد رد الشباب المستعارُ
أبعد الأربعين محرماتتمادٍ في الصبابة واغترارُ
نزعت عن الصبا إلا بقايايحقرها على الشيب الوقارُ
وطار الليل بي ولرب دهرنعمت به لياليه قصار
وما أحسن قوله بعده:
وندماني السريع إلى ندائيعلى عجلٍ وأقداحي الكبارُ
عسفت بها عواري اللياليأحق الخيل بالركض المعارُ
وكم من ليلة لم أروَ منهاحييت لها وأرقني أدكار
قضاني الدين ما طله وأوفىإلي بها الفؤاد المستطار
فبت أعل خمراً من رضابلها سكر وليس لها خمار
إلى أن رق ثوب الليل عناوقالت قم فقد برد السوار
وولت تسرق اللحظات نحويبملتفت كما التفت الصوار
دنا ذاك الصباح فلست أدريأشوق كان منه أم ضرار
فقد عاديت ضوء الصبح حتى=لطرفي عن طالعه أزورارُ ومنها قولي وهو من أوائل نظمي:
ذاك الحجاز وهذه كثبانهفاحفظ فؤادك أن رنت غزلانهُ
واسفح دموعك إن مرت بسفحهشغفاً به إن الدموع جمانه
وسل المنازل عن هوى قضيتههل عائد ذاك الهوى وزمانه
لهفي على ذاك الزمان وأهلهوسقاه من صوب الحيا هتانه
إذا كان حبل الوصل متصلاً بناوالعيش مورقة به أغصانه
وإذ المعاهد مشرقات بالمنىوالربع مغنى لم تبن سكانه
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أجدك شايعت الحنين المرجعاوغازلت غزلاناً على الخيف رتعا
وطالعت أقماراً على وجرة النقاوقد كنت أنهى العين أن تتطلعا
وما ألطف قوله بعده:
ولم أر مثل الغيد أعصى على الهوىولا مثل قلبي للصبابة أطوعا
ومن شيمي والصبر مني شيمةمتى أرم أطلالاً بعيني تدمعا
وقور على يأس الهوى ورجائهفما أتحسى الهم ألا تجرعا
خليلي مالي كلما هب بارقتكاد حصاة القلب أن تتصدعا
طوى الهجر أسباب المودة بيننافلم يبق في قوس التصبر منزعا
لي الله كم أغضى الجفون على القذىوأطوي على القلب الضلوع توجعا
السادس - الالتفات من التكلم إلى الخطاب، وهو عكس الذي قبله ومثاله قوله تعالى: (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) الأصل (وإليه أرجع) فالتفت من التكلم إلى الخطاب ونكتته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه تلطفاً وإعلاماً أنه يريد لهم ما يريد لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله، كذا قال غير واحد. واعترض بأن هذا إنما يصح أن لو قصد الإخبار عن نفسه في كلا الجملتين. وليس بمتعين، لجوار أن يريد بقوله: ترجعون، المخاطبين لأنفسه. وأجيب: بأنه لو كان المراد ذلك لما صح الاستفهام الإنكاري، لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعبده غير ذلك الراجع، فالمعنى: كيف لا أعبد من إليه رجوعي، وإنما عدل عن قوله: وإليه أرجع، إلى واليه ترجعون، لأنه داخل فيهم؛ ومع ذلك أفاد فائدة حسنة وهي؛ تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع.
ومن أمثلته في الشعر قول مجنون ليلى:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم انثنىعلى كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجععليك ولكن خل عينيك تدمعا
وقوله أيضاً:
تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضاويصدع قلبي أن يهب هبوبها
إذا هبت الريح الشمال فإنماجواي بما تهدى إلي جنوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنماهوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها
وحسب الليالي أن طرحنك مطرحاًبدار قلىً تمسي وأنت غريبها
وقول عروة بن حزام صاحب عفراء:
أقول لعراف اليمامة داونيفإنك إن داويتني لأريبُ
فوا كبدي أمست رفاتاً كأنمايلذعها بالموقدات طبيب
عشية لا عفراء منك بعيدةفتسلو ولا عفراء منك قريب
وقوله أيضاً:
جعلت لعراف اليمامة حكمهوعراف نجد أن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانهاولا شربة إلا وقد سقياني
ورشا على وجهي من الماء ساعةوقاما مع العواد يبتدران
وقالا شفاك الله والله ما لنابما ضمنت منك الضلوع يدان
فويلي على عفراء ويل كأنهعلى الصدر والأحشاء حد سنان
فيا رب أنت المستعان على الذيتحملت من عفراء منذ زمان
فعفراء أوفى الناس عندي مودةوعفراء عني المعرض المتواني
أفي كل يوم أنت رام بلادهابعينين إنسانا هما غرقان
فالتفت من التكلم إلى خطاب نفسه، ليتأتي له الإنكار ويخرج الكلام مخرج العذل. فلو استمر على التكلم فاته ذلك.
ومنها قول الصردر:
ومعنف في الوجد قلت له أتئدفالدمع دمعي والحنين حنيني
ما نافعي إذ كان ليس بنافعيجاه الصبا وشفاعة العشرين
لا تطرقن خجلاً للومة لائمما أنت أول حازم مفتون
فهذه جملة أقسام الالتفات الست وأمثلتها، وهنا تنبيهان: أحدهما - ذكر صدر الأفاضل في ضرام السقط: إن من شرط الالتفات أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحداً، كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن ما قبل هذا الكلام وإن لم يخاطب به الله من حيث الظاهر، فهو بمنزلة المخاطب به لأن ذلك يجري من العبد مع الله لامع غيره.
بخلاف قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريكومن عند الخليفة بالنجاحِ
أغثني يا فداك أبي وأميبسببٍ منك اتك ذو ارتياح
فإنه ليس من الالتفات في شيء، لأن المخاطب بالبيت الأول امرأته، وبالبيت الثاني هو الخليفة. انتهى.
فهذا أخص من تفسير الجمهور، لأن البيتين عندهم من الالتفات، لأنه عبر عن الخليفة أولاً بطريق الغيبة، وثانياً بطريق الخطاب.
وقال الصدر المذكور في قول أبي العلاء:
هل يزجرنكم رسالة مرسلٍأم ليس ينفع في أولاك ألوكُ
إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم، وإن كان يرى من قبل الالتفات فليس منه، لأن المخاطب بهل يزجرنكم من نبو كنانة، وبقوله: أولاك أنت. انتهى.
وهو عند الجمهور التفات من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك.
الثاني - قد يطلق الالتفات على معنيين آخرين، أحدهما - تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلافية له في المعنى، على طريق المثل والدعاء أو نحوهما كما في قوله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وقوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم).
وقول جرير:
أتنسى يوم تصقل عارضيهابفرع بشامة سقي البشامُ
قال إسحاق الموصلي: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني البيت ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره إذا التفت إلى البشام فدعا له.
ويسمى ما عقب بجملة مستقلة على طريق المثل، التمثيل، وسيأتي ذكره منفرداً في بيت من البديعية إنشاء الله تعالى.
الثاني أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيء فتلتفت إلى كلام تزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول ابن ميادة:
فلا صرمه يبدو في اليأس راحةولا وصله يصفو لنا فنكارمه
كأنه لما قال: فلا صرمه يبدو، قيل له: وما تصنع به؟ فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة. ويسمى هذا الاعتراض، وسيأتي والله أعلم: وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
وعاذل رام بالتعنيف يرشدنيعدمت رشدك هل أسمعت ذا صممِ
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت الموصلي قوله:
وما التفت لشان حج في شغفيما أنت للركن من وجدي بملتزمِ
وبيت ابن حجة قوله:
وما أروني التفاتاً عند نفرتهموأنت يا ظبي أدري بالتفاتهمِ
وقد أطنب ناظمه في مدحه وإطرائه، فلنذكر ما أطراه به، ثم تتكلم عليه: قال: إنه البيت الذي حظيت من بابه بالفتح، وناده الغير من وراء حجراته، وتغايرت ظباء الصريم، وهو في سرب بديعه على حسن التفاته؛ وودت ربوع البديعيات أن تسكن منها في بيت، ولكن راودته التي هي في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب؛ وقالت: هيت. ولقد أنصف الحريري في المقامة الحلوانية عند إيراد الجامع لمشبهات الثغر بقوله: يا رواة القريض، وأساة القول المريض أن خلاصة الجوهر، تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع رداء الشك. قلت: وأنا ماش في غرض بيت بديعيتي على هذا السنن، وأرجو أن يكون بحسن التفاته في مرآة الذوق مثل الغزال نظرة ولفتة. وفيه التورية بتسمية النوع، وقد برزت في أحسن قوالبها. ومراعاة النظيرة في الملائمة بين الالتفات والظبي، والنفرة والانسجام، الذي أخذ بمجامع القلوب رقة. والتمكن الذي ما تمكنت قافية باستقرارها في بيت كتمكين قافيته. والسهولة التي عدها التيفاشي في باب الظرافة، وناهيك بظرافة هذا البيت. والتوشيح وهو الذي يكون معنى أول الكلام دالاً على آخره. فقد اشتمل هذا البيت على ثمانية أنواع من البديع مع عدم التكلف. انتهى.
وأنا أقول: ما زال الأدباء يستظرفون ويتعجبون ويضحكون من طريقة أبي الحسن علي بن هارون المنجم، حال إنشاده شعره حتى جاء هذا المتشدق ابن حجة، فزاد عليه وأربى بشيء كثير، فإن هذاك كان يتبجح ويتكلم بلسانه، ثم ينقضي الكلام. وهذا قاله: بفمه وأثبته في كتابه بقلمه، فخلده على مر الزمان؛ أضحوكة لأولي الألباب والأذهان.
وطريقة ابن النجم المشار إليها هي: ما حكاه الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى، في كتاب الروزنامجة، الذي كتبه إلى أستاذه ابن العميد إياه كونه ببغداد.
قال: استدعاني الأستاذ أبو محمد - يعني الوزير المهلبي - فحضرت وابنا المنجم في مجلسه، وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره؛ فأنشدا وجوداً بعد تشبيب طويل، وحديث كثير. فإن لأبي الحسن رسماً أخشى تكذيب سيدنا أن شرحته، وعتابه أن طويته، ولأن أحصل عنده في صورة متزيد أحب إلي من أن أكون في رتبة مقصر.
يبتدي فيقول ببحة عجيبة، بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه واستدعائه - من جؤذار غلامه - منديل عبراته: والله والله وإلا فإيمان البيعة تلزمه بحلها وحرامها، وطلاقها وعتاقتها، وما ينقلب إليه حزام وعبيدة لوجه الله أحرار إن كان هذا الشعر في استطاعة أحد مثله، أو أتفق من عهد أبي دؤاد الأيادي إلى زمان ابن الرومي لأحد شكله. بلى عيبه أن محاسنه تتابعت، وبدائعه ترادفت. فقد كان في الحق أن يكون كل بيت منه في ديوان بجمله ويسود به شاعره.
ثم ينشد، فإذا بلغ بيتاً تعجب من نفسه فيه وقال: أيها الوزير، من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هارون بن علي بن يحيى أبي منصور المنجم جليس الخلفاء، وأنيس الوزراء.
ثم ينشد الابن والأب يعوذه ويهتز له؛ ويقول: أبو عبد الله؛ استودعته الله؛ ولي عهدي؛ وخليفتي من بعدي؛ لو اشتجر اثنان بين مصر وخراسان لما رضيت لفصل ما بينهما سواء؛ وأمتعنا الله به ورعاه.
وحديثه عجب؛ إن استوفيته ضاع الغرض الذي قصدته. انتهى.
وإطراء ابن حجة لبيته قريب من هذا، وبعض المعاني متوافقة، وهذا المعنى مكروه للشاعر.
قال نصر الله ابن الأثير في كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب: يكره الشاعر أن يكون معجباً بنفسه مثنياً على شعره وإن كان مجيداً؛ إلا أن يريد ترغيب ممدوح أو ترهيبه، وقد جوز له ذلك مسامحة. انتهى.
ونرجع إلى بيت ابن حجة فنقول: في كونه من التفات نظر، لأنهم اشترطوا في الالتفات أن يكون المراد به واحداً كما تقدم عن الحافظ السيوطي في الإتقان، ويعطيه حدهم له أيضاً. والالتفات في بيته ليس كذلك لأنه أخبر أولاً من أحبابه أنهم لم يروه التفاتاً، ثم خاطب الظبي. وليس هذا من الالتفات المصطلح عليه عند الجمهور، نعم لم أخبر عن الظبي أولاً ثم خاطبه كان التفاتاً.
كما وقع في بتي بديعيتي وهو:
ما أسعد الظبي لو يحيك لحاظهمأو كنت يا ظبي تعزى لالتفاتهمِ
فذهب كلام ابن حجة في إطراء بيته ضائعاً، وهذا آفة العجب نعوذ بالله منه.
وبيت بديعية الطبري قوله:
قالوا وما التفتوا من بعند نفرتهمفلا تلمهم فما نفع بلومهمِ
هذا البيت عامر من الركة، ومقول القول في البيت الذي بعده، وهو بيت الكلام الجامع؛ وسيأتي إنشاده في محله؛ وهذا أعني كون البيت متعلقاً بغيره قبيح في البديعية؛ لأنهم قالوا: ينبغي أن يكون كل بيت منها مستبداً بمعناه، ليكون شاهداً على النوع الذي اشتمل عليه، من غير أن يحتاج إلى إنشاد سواه.
وبيت بديعية المقري قوله:
بين تولى فولى القلب ناحيةأخرى عدمتك من وال ومن حكمِ
قوله: بين تولى، يعني من الولاية، وقوله: فولى القلب يعني؛ فر؛ فالمخاطب بقوله: عدمتك، هو البين، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع