من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الاقتباس
قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقدأوروا بجنبي نارا باقتباسهم
الاقتباس في اللغة: مصدر اقتبس إذا أخذ من معظم النار شيئا، وذلك المأخوذ قبس بالتحريك، وفي الاصطلاح هو تضمين النظم أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه، بأن لا يقال فيه: قال الله أو نحوه، فإن ذلك حين إذا لا يكون اقتباسا.
قال الحافظ السيوطي: وقد اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير على فاعله. وأما أهل مذهبنا- يعني الشافعية- فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديما وحديثا، وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه، واستدل بما ورد عنه ﵌ في قوله في الصلاة وغيرها: وجهت وجهي إلى آخره، وقوله: اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني ديني واغنني من الفقر. وفي سياق كلام أبي بكر: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وفي آخر حديث لابن عمر: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. انتهى.
وهذا كله إنما يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء والدعاء وفي النثر، ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر وبينهما فرق.
فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعرمكروه وفي النثر جائز، واستعمله أيضاً في النثر القاضي عياض في مواضع من خطبة الشفاء.
وقال الشرف إسماعيل المقري صاحب مختصر الروضة وغيره في شرح بديعيته: فما كان منه في الخطب والمواعظ ومدحه ﵌ فهو مقبول وغيره مردود.
وفي شرح بديعية الشيخ صفي الدين الحلي: الاقتباس ثلاثة أقسام محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول.
فالأول-ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي وآله ﵈ ونحو ذلك.
والثاني-ما كان في الغزل والصفات والقصص والرسائل ونحوها.
والثالث- على ضربين: أحدهما ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية من عماله: "إن إلينا إيابهم ثن إن علينا حسابهم" والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل أو سخف، ونعوذ بالله من ذلك، كقول أحد العصرين:
قالت وقد أعرضت عن غشيانهايا جاهلا في حمقه يتناهى
إن كان لا يرضيك قبلي قبلةلأولينك قبلة ترضاها
انتهى. قال السيوطي: وهذا التقسيم حسن جدا وبه أقول.
وقال الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح: الورع اجتناب ذلك كله، وأن ينزه عن مثله كلام الله ورسوله، لاسيما إذ أخذ شيء من القرآن وجعل بيتا مصرعا، فإن ذلك ما لا يناسب المتقين، كقوله:
كتب المحبوب سطرافي كتاب الله موزون
لن تنالوا البر حتىتنفقوا مما تحبون
وبقي هنا فوائد: الأولى- الصحيح أن المقتبس ليس بقرآن حقيقة بل كلام يماثله، بدليل جواز النقل عن معناه الأصلي، وتغيير يسير كما سيأتي. وذلك في القرآن كفر، وهذا سر قول أصحابنا: لو قرأ الجنب الفاتحة على قصد الثناء جاز، قاله السيرافي. وقال في العروس: المراد بتضمين شيء من القرآن في الاقتباس، أن يذكر كلام وجد نظمه في القرآن؛ أو السنة، مرادا به غير القرآن، فلو أخذ به القرآن كان ذلك من أقبح القبائح، ومن عظائم المعاصي نعوذ بالله منه.
الثانية- الاقتباس على ضربين: ضرب لا ينقل المقتبس فيه عن معناه الأصلي، كقول بعض العصرين- وقد طلب من بعض أصحابه الذين بمكة حبا فاعتذر منه-: -
طلبنا منكم حباأجبتم فيه بالمنع
عذرناكم لأنكمبواد غير ذي زرع
فإن المراد به مكة المشرفة، وكذلك هو في الآية الشريفة. وضرب ينقل عن معناه الأصلي بناء على أنه ليس بقرآن حقيقة كما مر.
وكقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحكما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتيبواد غير ذي زرع
فإنه كنى به عن الرجل الذي لا نفع لديه، والمراد به في الآية الشريفة مكة شرفها الله تعالى كما تقدم.
الثالثة-جوزوا تغير لفظ المقتبس بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ أو إبدال الظاهر من المضمر، أو نحو ذلك بناء على ما هو الصحيح من أن المراد به غير القرآن كما تقدم.
ومثاله قول أبي تمام في مطلع قصيدة يرثي ابنا له، فيما رواه أبو بكر الصولي عن أبى سليمان النابلسي:
كان الذي خفت أن يكوناإنا إلى الله راجعونا
أمسى المرجى أبو عليموسدا في الثرى يمينا
حين استوى وانتهى شباباوحقق الرأي والظنونا
كنت عزيزا به كثيراوكنت صبا به ضنينا
دافعت إلا المنون عنهوالمرء لا يدفع المنونا
وهي قصيدة طويلة، فقوله: إنا إلى الله راجعونا؛ اقتباس لكنه زاد الألف في راجعون على جهة الإشباع، وأتى بالظاهر مكان المضمر في قوله: إنا لله وإن إليه؛ ومراده آية الاسترجاع وهي قوله: "إنا لله وإن إليه راجعون".
قال في عروس الأفراح: وفي تسمية هذا البيت اقتباسا نظر، لأن في هذا اللفظ ليس في الأصل من القرآن. وتعقبه ابن جماعة بأنه اقتباس بالنظر إلى الأصل الذي هذا مغايره، فهو بالنظر إلى هذا، وما المانع من ملاحظة مثل هذا في التسمية. انتهى.
وهذا البيت لم يعرف أحد من أهل البديع الذين استشهدوا به قائله، فعزاه بعضهم إلى بعض الشعراء وعزاه الخطيب في الإيضاح، والتفتازاني في المطول إلى بعض المغاربة، وقال: إنه قاله عند وفاة بعض أصحابه، وليس كذلك. وإنما قال صاحب قلائد العقيان في ترجمة الرئيس أبي عبد الرحمن ابن طاهر: أنه شهد وفاته، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء بن أزرق وهو يبكي ملء عينيه، ويقلب على ما فاته كفيه، وينادي بأعلى صوته أسفا على فوته:
كان الذي خفت أن يكوناإنا إلى الله راجعونا
انتهى. وهذا لا يدل على أن الوزير المذكور قائله، بل تمثل به، فاعلم. ومما وقع التغير فيه بالزيادة والنقصان وإبدال الظاهر من المضمر والمضمر من الظاهر.
قول عمر الخيام:
سبقت العالمين إلى المعاليبصائب فكرة وعلو همة
فلاح بحكمتي نور الهدى فيليال للضلالة مد لهمة
يريد الجاهلون ليطفؤهويأبى الله إلا أن يتمه
والآية "يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله غلا أن يتم نوره".
الفائدة الرابعة- المشهور بتخصيص الاقتباس بكونه من القرآن. ومنهم من عد المضمن في الكلام من الحديث اقتباسا أيضاً. وزاد الطيبي: من مسائل الفقه. قال بعضهم: إذا قلنا بذلك فلا معنى للاقتصار على مسائل الفقه، بل بكون من غيره من العلوم. إذا عرفت ذلك فالخلاف المذكور في جوائز الاقتباس من القرآن وعدمه لا يجري في الحديث، خصوصا وهو تجوز روايته بالمعنى وغير ذلك مما لا يجوز في القرآن، كذا قال بعضهم. وقد رأيت ما قاله الشيخ بهاء الدين السبكي في العرس: من أن الورع أن ينزه عن مثله كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﵌.
وهذا محل إثبات شيء من أمثلة الاقتباس بأنواعه نثرا ونظما.
فمن الاقتباس من القرآن في النثر، قول ابن نباتة الخطيب، من خطبة له: فيا أيتها الغفلة المطرقون؛ أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ مالكم لا تشفقون؟ "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون" وقوله من أخرى في ذكر يوم الحساب: هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، وتقطع الأسباب؛ وتذهب الأحساب، ويمنع الأعتاب؛ ويجمع من حق عليه العقاب، وجب له الثواب، فيضرب "بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" وقول الحريري في مقاماته: فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى "ونهى النفس عن الهوى" وعلم أن الفائز من ارعوى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى".
وممن تقدم في نحو هذا الكلام، فكان إمام هذا المقام: عبد المؤمن الأصبهاني، في رسالة أطباق الذهب؛ وهي مائة مقالة عارض بها أطواق الذهب للزمخشري. وقال في ديباجتها: وهي مائة مقالة صيغت دمالج للعضد ومخانق للجيد، وخلخلت كل واحدة بكلمة من كتاب الله المجيد، وجعلتها كوكبة ثابتة لمغربها، وكلمة باقية في عقبها. فهي لا قدامها عقب، ولختامها مسك عبق؛ ولا أبتغي إلا وجه الله فيما فصلت وقطعت، وما أريد "إلا الإصلاح ما استطعت".
فمما استحسنه منها- وما محاسن شيء كله حسن- قوله وهي المقالة الخامسة:
خليلي هبا طالما قد رقدتماإلا تنشدان العهد ما قد فقدتما
أين إخوان عاشرناهم وخلان؟ أين زيد وعمر وفلان وفلان؟ وأين رشفاء الكؤوس، وقدما بقي نسيم رياهم في النفوس؟ أما يزعنا موت الآباء والأمهات عن أباطيل الترهات؟ ألا إن المرء غافل مطرق، والموت واعظ مفلق، ينادي أقواما تظنهم قياما وهم قعود "وتحسبهم أيقاظا وهم رقود " تكرهون جرع الحمام فإنه ساقيكم "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم".
وقوله، وهي المقالة السادسة والثمانون: ذكر الله أشرف الأذكار، فاذكروه بالعشي والإبكار، ذكره مقدحة الأرواح الصدية، كالصبا من وجه الأقاحي الندية، فاذكر الله ذكرا كثيرا، وكبره تكبيرا. فإذا أخلصت الذكر فاترك الصوت والحرف؛ وإذا شربت وسكرت فاكسر الطرف. السجود ما جل عن نقرات الجباه؛ والذكر ما خفي عن حركات الشفاه؛ فجهز لطيمة الأثنية إلى حظائر قدسة؛ واذكر ربك في نفسك يذكرك في نفسه، وقل لمن يذكر الله في لسانه تورعا "اذكر ربك في نفسك تضرعا".
وقوله وهي الرابعة والثمانون: رب جائع مطعام، ورب أعزل مقدام ورب حسناء مردودة؛ ورب خرقاء محسودة. أخلاق متعاكسة، وشركاء متشاكسة؛ وأقسام متباعدة "وما أمرنا ألا واحدة" سبب واحد، وأحكام متعددات؛ وقضاء فرد، وأحوال متجددات؛ وقدرة غلباء؛ وأقدار متغايرات؛ وبيضة مكنونة؛ وأفراخ متطايرات، كلمة قدسية تنشيء الإيمان والكفر، كخابية المسيح تخرج الحمر والصفر، وكالشمس بنورها تلون الحبر والياقوت؛ أو كالنجار بقدومه ينحت المهد والتابوت. الدعوة واحدة وإن تباينت كلمات الرسل، والمقصد واحد وإن تقاذفت جهات السبل. ثمار تسقى بماء واحد "ونفضل بعضها على بعض في الأكل".
وقوله وهي المقالة السابعة: طوبى للتقي الخامل، الذي سلم من إشارة الأنامل، وتبا لمن قعد في الصوامع، ليعرف بالأصابع. خزائن الأمناء مكتومة؛ وكنوز الأولياء مختومة. والكامل كامن يتضاءل؛ والناقص قصير يتطاول، والعاقل قبعة، والجاهل طلعة فاقبع قبوع الحيات، وكن في الظلمات كماء الحياة؛ كنزك في التراب، وسيفك في القراب، عف آثارك بالذيل المسحوب، واستر رؤاك بسفعة الشحوب، فالنباهة فتنة؛ والوجاهة محنة؛ كن كنزا مستورا؛ ولا تكن سيفا مشهورا، إ ن الظالم لجدير أن يقبر ولا يحشر، والبالي خليق أن يطوى ولا ينشر. ولو علم الجزل صولة النجار؛ وعضة المنشار؛ لما تطاول شبرا، ولا تخايل كبرا، وسيقول البلبل المعتقل ليتني كنت غرابا "ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا".
وقوله وهي المقالة التاسعة والثلاثين: داهية وما داهية، وما أدراك ما هية: قاض خبيث المأكل، ثقيل الهيكل؛ يملأ الحشا بالرشا؛ ويؤذي جليسه بالجشا؛ ولان يطاع عشوة خير له من أن يأكل رشوة، قبلته عتبة السلطان، وسبلته مدبة الشيطان. قلمه وقود النيران، وخدمه لصوص الجيران يعرف الحق ولا ينفذه، ويرى الغريق ولا ينقذه، ينزع قميص اليتيم في مأتمه وينازع الطفل الصغير في مطعمه. يغمس يده في الميراث؛ وينفعه في المبال والمراث. إذا قسم جعل نفسه أكبر البنين، ويلحق اليتيم بالجنين. فما البغاث في منسر البزاة، ولا الحربي في أسر الغزاة، بأعجز من اليتيم في مخالب القضاة. يحسبهم الجهال صلحاء وهم مراق، ويظنونهم أمناء وهم سراق، يثنون على ذي العثنون؛ ويدعون لذلك المطعون؛ وهم إن عرفتهم حق العرفان، سراحين تعبث بالخرفان. يكتبون الزور وبه تجري أقلامهم، ويكتمون الحق وبه تأمرهم أحلامهم "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم" يلبسون الحق بالباطل، ويلبسون عارا وشنارا؛ و؛ "يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا".
وقوله وهي المقالة الرابعة والتسعون، وفيها اقتباس من الحديث النبوي أيضاً: عواتق الحجال، شقائق الرجال، الرجال قوامون والنساء قواعد، هم أعضاء الدين وهن سواعد؛ ما هن إلا مكاريب زروعهم، وشراسيف ضلوعهم، إلا فارفقوا بهن فإنهن لحم على خوان، واستوصوا بهن خيرا فإنهن عوان. ورجل بلا بعل، كرجل بلا نعل، والعزوبة مفتاح الزنا، والنكاح ملواح الغنى، ومن نكح فقد صفد بعض شياطينه، ومن تزوج فقد حصن نصف دينه ألا فاتقوا الله في النصف الثاني، فإن خراب الدين بشهوتين: شهوة الفرج وهي الكبرى، وشهوة البطن وهي الصغرى، فاعمر الركنين، واحكم الحصنين؛ فإذا فرغت من الرواق والصفة، فلا تهمل السقيفة والأسكفة. واعلم أن الدنيا والآخرة ضرتان، لك إليهما كرتان، إحداهما حرة خريدة، والأخرى أمة مريدة، فاجعل للحرة يومين؛ فإن لها قسمين، وللأمة قسما، فإن لها في كتابك اسما، وأضعف نصيب العقبى، ولا تنسى نصيبك من الدنيا، واحفظ القسمة العادلة، ولاتكن ممن يحبون العاجلة، فالويل كل الويل إن تميلوا كل الميل. واتق الميل بالقلب "فكل أولئك كان عنه مسؤولا" وإن كان ولابد "فللآخرة خير لك من الأولى" فإن اتقيت الزيغ فطلق الدنيا فإنها زائدة "وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة". انتهى.
وقلت أنا على هذا الأسلوب الحكيم، سالكا هذا النهج القويم- وأنا استغفر الله من قول بلا عمل، وأسأله من فضله بلوغ الأمل- مقالة في الإيقاض من سنة الغفلة لسنة الإتعاض: انتبه يا نائم، فقد هبي النسائم، ودع المنام، فقد انقشع الظلام، هذا الصبح قد لاحت تباشيره وهذا النجح فد وافاك بشيره، فحتى متى هذه الغفلة والغرة؟ وإلى متى هذه الفضيحة والمعرة؟ أركونا إلى الدنيا الدنية؟ واشتغالا عن المنية بالأمنية؟ ما أراك إلا قد تورطت، فاعمل لنفسك قبل أن تقول "يا حسرتا على ما فرطت " وذر الكبر والزهو "فما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو" فتبا لمن نسي وفاته، حتى ذهب أمره وفاته، وطوبى لمن عمل لغده؛ ولم يغتر من العيش برغده؛ فكم هذا التسويف يا ماطل؟ والحق لا يدرك بالباطل؛ فلا يغرنك قوم أعرضوا عن العلم والعمل "ذرهم يأكلون ويتمتعوا ويلههم الأمل" إن الذين أمنوا لا يسوفون من يوم إلى يوم ومن عام إلى عام "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام".
مقالة أخرى في الحث على الأعمال؛ وبيان أن رضى الله ﷾ لا ينال بالآمال: من عجيب أمر الإنسان وكل أمره عجيب أن يدعو فيرجو الإجابة، ويدعى فلا يجيب، أليس كما يدين يدان؟ وهل يجزى المرء إلا بما دان؟ عقل في فقار الجهالة هائم، وقلب في تيار الضلالة عائم، يرجو ولا يخاف، إيمان ظاهر؛ وكفر خاف؛ والخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطير، إن قص أحدهما سقط في هوة الضير. فيا أيها المغرور بأمله، المسرور بعمله، إنك في حبائل الشيطان واقع، ألما تصح والشيب وازع؟ فانظر لحالك قبل ترحالك، واعمل في يومك لغدك، قبل فوات الأمر من يدك، ولا تكن عن الآخرة باللاه "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" ولا يعجبنك أمر قوم رضوا من الدنيا الدنية بالدون "إنهم اتخذوا الشياطين من أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ".
مقالة أخرى- في وصف عباد الله الصالحين وأولياؤه الفالحين.
لله در عصابة هم أهل الإصابة، ذاقوا شهد الدهر وصابه، وقاسوا محنة وأوصابه؛ فنبذوا الدنيا وراءهم ظهريا، وامتطوا من عزمهم جملا مهريا يرون ببصائرهم ما لا يرون بأبصارهم، وينتصرون بالله سبحانه لا بأنصارهم هم أعلام الهدى ومعالمه، وأركان التوحيد ودعائمه، أنفسهم في عالم الملكوت سائحة، وقلوبهم في غمار الرهبوت سابحة، نطقهم حكمة وذكر وصمتهم عبرة وفكر، إذا خوطبوا أحسنوا السمع "وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع " أكفهم بالبذل مبسوطة، وأوصافهم بالفضل منوطة، يبذلون من المال خلاصه " يرجون تجارة لن تبور" ويخشون يوما يدعى فيه الخاسر بالويل والثبور "يهدون بالحق وبه يعدلون " يأمرون بالصلاح وهم المصلحون "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".
ولنكتف من محاسن الاقتباس الواقعة في المواعظ بهذه اللمعة المضيئة النبراس، ففيها قناع للمتعظ والواعظ.
ولا بأس بإظهار نور الاقتباس من مشكاة أهل الترسل، ليستضيء الأديب بأنوار اقتباسهم عند التوصل إليه والتوسل. فمن ذلك قول القاضي الفاضل- وهو رئيس هذه الصناعة من غير مناضل- من رسالة يصف، قلعة نجم، وهي من عيون الرسائل: هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. فاقدة حياة صالحها الدهر إن لا يحلها بقرعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعه، فاكتنفت بها عقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب.
إلى أن قال: فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هواليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا "وسيرت الجبال فكانت سرابا ".
وقوله: ولنا من الجيران من يجور، ويظن أنه إلى الله لن يحور ويصدق وعد الشيطان وما يعده الشيطان إلا الغرور، وتصدر عنه كل عظيمة، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور ويظن أنه يرث الأرض وينسى ما كتب الله في الزبور.
وقوله: وينهى وصول كتاب كريم، تفجرت منه ينابيع البراعة، وتبرعت فيه بالحكم أيدي اليراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب وهطل منه لأوليائه كل صوب ولأعدائه كل شهاب أصيب.
وقوله: كتاب اشتمل على بدائع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سبحت حتى تناولتها وجنحت إلى ما حاولتها، فيا لله من بدائع وروائع، ولطلائف وطرائف؛ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وما يقرط الأسماع ويقرط الألسن.
وقوله: فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدت الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ولقد شابت بخضاب العجاج ما أرسلته رايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها لله وقطعت زنار خندقها.
وقوله: وما عهدته أدام الله سعادته إلا وقد استراحت عواذله، وعرى به أفراس الصبا ورواحله، إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك الجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج. وأيما كان، ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غلة لا أطيقها بل أطيعها، وإني لمشتاق إليك؛ وعاتب عليك، ولكن عتبة لا أذيعها.
وقوله: ورد كتاب لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست القلب الذي كان به وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا غير معطلة وقصرا مشيدا (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وتلك الغاية ليست في وسعي ولا تعلم نفس إلا ما طرق سمعها؛ وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد إلا باعد ما طال لها ذراعي ولا استقل بها ذرعي.
وقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) فسبحانه جلت قدرته جلاها وقد بلغت القلوب الحناجر، وفرجها وقد بلغت الدموع المحاجر ومن بالسلطان على الخلق، وإقامة ليتم به إنشاء الله دين الحق.
وقوله: - في جواب كتاب بعثه العماد إليه في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريق على حامله، وأخذوه ثم أعادوه-: ووصل منها كتاب تأخر جوابه لأن العرب قطعوا طريقه، وعقوا عقيقه، ثم أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره؛ ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، فقطف ورده من شوك أيديهم وحيا حياه الذي جل عن واديهم، وحضر منهم حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغربة وأنت في بواديهم، وتشرف منه بعقلية الإنس التي ما كان الله ليمتحنها بقتل واديهم ومسألته بأي ذنب قتلت، وأي شفاعة فيك قبلت، فقال: عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكل صاح وإصباحه، وقالوا: هذه حقائقنا السحرية، وهذه حقائبنا السحرية؛ وهذه عتائدنا السرية محمولة؛ وهذه مواريث قيثنا وقسنا المأمولة، فقيل لهم: إن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإن العلم يناله فرسان من فارس ولو كان في السحاب، فدعوا عنكم ثمرا علق بشجراته؛ واتركوا نهبا صيح في حجراته (وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ثم لمته على الشعث؛ وأحللت به بعد الإحرام؛ فاستباح الطيب؛ وحاشاه من الرفث.
ومن ذلك قول العماد الأصبهاني: صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السماء وقيل لها: أقلعي، وفاض ماء النصال، وغاض ماء الضلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النعمة؛ ونبئهم أن الماء بينهم قسمة.
وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة- في حضيرة القدس-: وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا، وغمض عن الرفاق تغميضا في الخلد بينا، فقال مولانا الصاحب: ما تقول في جنة الخلد، وشكا قوم عشرة هذا الرجل؛ فكتبت على ورقتهم: اصبروا على ما تثقلون (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون).
وقوله في منقل نحاس وهو من غريب الاقتباس: طالما حمدت معاشرته وطابت في الليالي مسامرته؛ واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران؛ وتلا على الثلج والريح (يرسل عليكما شواظا من نار ونحاس فلا تنتصران).
وقول القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير: ولم يزل القتال ينوبهم وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصيبهم، والسيوف تغمد في الطلى؛ والرماح تركز في الكلى؛ والمجانيق تذلل سورتتهم؛ وتسكن فورتهم، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلا منهم مذموما مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالتسليم، وتنتابهم فما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
وقول كمال الدين بن العطار في منازلة قلعة: ونقبت النقوب نظام أساساتها فانحلت، وألقيت النار في أحشائها فألقت ما فيها وتخلت. هذا والمناجيق منا ومنهم تارة وتارة، وكفها يرمي من النفط أصابعها بشرر كالقصر وقودها الناس والحجارة.
وقول الشهاب محمود: - في فتح حصن المرقب-: وتخلخلت قواعد ما شيد من أركانه فانحلت، وانشقت سماؤه من الجزع فألقت ما فيها من الأرض وتخلت، ومشت النار من تحتهم وهم لا يشعرون، ونفخ في الصور بل في السور فإذا هم قيام ينظرون. ومنه: فلجأوا إلى الأمان، وتمسك ذل كفرهم بعز الإيمان، وتشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم قد أحيط بهم وجاءهم الموج من كل مكان.
وما ألطف اقتباس أبي طاهر الأصفهاني- في رسالة القوس- إذ قال: وهو صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم؛ إلا ما حملت ظهورها والحوايا أو ما اختلط بعظم.
ومن إنشاء الشيخ عبد الرحمن المرشدي؛ من كتب كتبه غلى الأفندي محمد دراز المكي: على رسلك يا رسول البلاغة؛ ماذا التحدي بهذا المعجز الموجز؛ وعلى مهلك يا نبي البراعة فما منا إلا مذعن معجز (والقلم وما يسطرون)، (وإن هذا إلا سحر يؤثر) ما هذا قول البشر، (حم والكتاب المبين) ما هذا في زبر الأولين.
ومنه: يا أعد قاض أقيم به عماد الدين (آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).
قلت: هذا وإن عدهم بعضهم من حسن الاقتباس، إلا أني أراه من القسم المردود، لتجاوزه الحدود.
ومن كتاب له إلى بعض كبراء مصر: فياذا القلم السحار، والكلمة الفائقة لطفا على نسائم الأسحار، أعيذ سطرك وطرسك، بالليل إذا تجلى و (أعوذ برب الفلق)؛ والليل إذا غسق؛ إذ تقوسم بالإزلام أن يكون غيرك ذا القدح المعلى.
وقوله من كتاب آخر: وأما أحوال العسكر الواردة إلى اليمن، المثيرين بمصر تلك الشرور والفتن، فقد جاؤوا إلى بندرة جدة (وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة) ونزل ميدهم وهو في الغاية من السكينة المتمكنة؛ وأما المتجهز منهم في المركب (المجاهد) فقد ندخ بهم المركب إلى القنفذة، وكادت أن تقع بينهم فتنة وعربذة، وذلك عند وصول الماء إليهم فكادوا أن يقتتلوا، فوصل الخبر إلى الموكول إليه، فقال للرسول: أقر بالري عينهم (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) فأطفأ الله النار بذلك الماء وسافروا بعد ذلك غلى حيثما.
ومن ذلك قول الأفندي محمد بن حسن دراز المكي- في جواب كتاب إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي- (والنجم إذا هوى) ما ضل يرعاك وما غوى (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) جل فضلك عن التشبيه، وتعالت نباهتك عن الإيماء والتنبيه، ولقبت بالشرف وأنت الشرف النبيه؛ اقتربت ساعة حسادك يا رب البلاغة ووجهك القمر، وأن يروا آية من فضلك يعرضوا، وقد جاء (جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموا قلمك فيما شجر، ويقولوا لجواهر ألفاظك الرطبة إذا نطق ذو اللفظ اليابس: بفيك الحجر، ويوقنوا بحسن تصرفك في التصنيف الذي فيه أنصفت إذ صنفت، وإذا جمع غمام جموعه لمساجلتك قيل له (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت) انتهى.
هذا غيض من فيض، ولم من يم، والقول في هذا الباب لا ينتهي حتى ينتهي عنه، ولا يقف حتى يوقف عليه، فيا أربا الإنشاء والقريض، ويا أصحاب التصريح والتعريض، اقتبسوا مثل هذه الأنوار المشرقة في أشعاركم وخطبكم (وانبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم).
لطيفة- كان القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصيرفي المغربي رجلا ذا وقار، يرجع من التقى بأوقار، وعلى وقاره الذي كان يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف، وهو: إن فتى يسمى يوسف لازم معطرا رائحته، ومنظفا ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه؛ أو أشغل منعه؛ ولما فرغ؛ أو أبل؛ عاود ذلك النادي والمحل؛ وقبل إفضائه إليه؛ دل طيبه عليه. فقال الشيخ- على سلامته من المجون- (إني لجد ريح يوسف لولا أن تفندون) وهي من طرف نوادره.
ومن لطيف ما يحكى هنا: أن المنصور ولى سليمان بن أميل الموصل وضم إليه ألفا من العجم، وقال له: قد ضممت إليك أف شيطان، تذل بهم الخلق. فعتوا في نواحي الموصل، فكتب إليه المنصور: كفرت النعمة يا سليمان، فأجابه (وما فر سليمان ولكن الشياطين كفروا) فضحك منه وأمده بغيرهم.
ولنصرف الآن عنان اليراعة إلى ما وقع من الاقتباس في أشعار أولي البراعة.
فمن الاقتباس من القرآن قول الأحوص:
إذا رمى عنها سلوة قال شافعمن الحب ميعاد السرور المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشاسرائر ود يوم تبلى السرائر
وقول أبي القاسم الرافعي:
الملك لله الذي عنت الوجوهـ له وذلت عنده الأرقاب
متفرد بالملك والسلطان وقدخسر الذين يحاربون وخابوا
دعهم وزعم الملك يوم غرورهمفسيعلمون غدا من الكذاب
وقول أبي عبد الرحمن السلمي:
سل الله من فضله واتقهفإن التقى خير ما تكتسب
ومن يتقي الله يصنع لهويرزقه من حيث لا يحتسب
وقول بديع الزمان الهمذاني:
لآل فريغون في المكرباتيد أولا واعتذار أخيرا
إذا ما حللت بمغناهمرأيت نعيماً وملكاً كبيراً
وقول ابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظهوأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجل نظر في حاجبيه وطرفهترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
وما ألطف قول ابن عبد الظاهر في معشوقه نسيم:
إن كانت العشاق من أشواقهجعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلوا لهم يا ليتنيكنت اتخذت مع الرسول سبيلا
وقول ابن سناء الملك في مطلع قصيدة:
رحلوا فلست بسائل عن دارهمأنا باخع نفسي على آثارهم
وقول الخباز البلدي:
سار الحبيب وخلف القبايبدي العزاء ويضمر الكربا
قد قلت إذا سار السفين بهموالشوق ينهب مهجتي نهبا
لو أن لي عزا أصول بهلأخذت كل سفينة غضبا
وقل الأبيوردي:
وقصائد مثل الرياض أضعتهافي باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا الممدوح قالوا ساحر كذاب
وقول محمد الشجاعي:
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدىفسواء اقبلوا أو أدبوا
بدت البغضاء من أفواههموالذي يخفون منها أكبر
وقول القاضي منصور الهروي:
ومنتقب بالورد قبلت خدهوما لفؤادي من هواه خلاص
فاعرض عني مغضبا قلت لا تجروقبل فمي إن الجروح قصاص
وقول بعضهم في رجل كان يشرب الخمر، فبكر فذات يوم فسقط على زجاجته فجرحته، وسال دمه:
أجريح كاسات أرقت نجيعهاطلب الترات يعز منه خلاص
لا تسفكن دم الزجاجة بعدهإن الجروح كما علمت قصاص
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعتهحتى انقضت وأباتتني على وجل
عاتبت إنسان عيني في تسرعهفقال لي خلق الإنسان من عجل
وقول الحافظ بن حجر العسقلاني:
خاض العواذل في حديث مدامعيلما رأوا كالبحر سرعة سيره
فحسبته لا صون سر هواكمحتى يخوضوا في حديث غيره
وقد سبقه إلى هذا الاقتباس من قال:
أما السماح فقد مضى وقد انقضىفتسل عنه ولا تسل عن خيره
واسكت إذا خاض الورى في ذكرهحتى يخوضوا في حديث غيره
وقول محي الدين بن قرناص:
إن الذين ترحلوانزلوا بعين ناظره
أسكنتهم في مهجتيفإذا هم بالساهرة
وقول بعضهم:
تجرد للحمام عن قشر لؤلؤوألبس من ثوب الملاحة ملبوسا
وقد جرد الموسى لتزيين رأسهفقلت لقد أوتيت سؤالك يا موسى
قال أبو الحسن البلنسي الصوفي: كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب فعلق فتى، وكان خرج لنزهة، فأثرت الشمس في وجهه، فأعجبه ذلك فأنشأ يقول:
رأيت أحمد لما جاء من سفروالشمس قد أثرت في وجهه
فانظر لما أثرته الشمس في قمروالشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
وما أحسن قول القاضي تاج الدين بن احمد المالكي من فضلاء العصر:
مذ واصل الخل شمس الراح قلت لهالشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
فقال معتذرا لوحيل بينهماوافى الخسوف لبدر التم مبتدرا
يشير إلى ما يزعمه المنجون من أنسب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس.
وقال الأبيوردي:
أردت زيارة الملك المفدىلأمدحه وأخذ منه رفدا
فعبس حاجب فقرأت أمامن استغنى فأنت له تصدا
وأحسن من هذا قول الأديب المعروف بالمهتار من شعراء العصر أيضاً مقتبساً لهذه الآية في مليح فقير الحال:
تصد وكم تصدى منك كفلمن لم يدر قدرك يا مفدى
فصدك عن أولي أدب فأمامن استغنى فأنت له تصدى
ويعجبني قول بعضهم مواليا:
ليل المعنى قد طال بكم لما جنوالقلب نحو المنازل والحبائب جن
وقال لما سكر من غير خمر الدنيا من يظنوا سلوي أن بعض الظن
أفقد جفني لذيذ الوسنمن لم أزل فيه خليع الرسن
عذاره المسكي في خدهأنبته الله نباتا حسن
وقال أيضاً:
قال جوادي عندماهمزت همزا أعجزه
إلى متى تهمزنيويل لكل همزة
وقال أخر:
بدر ظننا وجهه جنةفمسنا منه عذاب أليم
وقد قدر الخال على خدهذلك تقدير العزيز العليم
وقول أبي القاسم بن الحسن الكابني:
إن كنت أزمعت على هجرنامن غير ما ذنب فصبر جميل
وإن تبدلت بنا غيرنافحسبنا الله ونعم الوكيل
وما أحسن قول مجير الدين بن تميم في وكيل بدار القضاء يدعى بالعز:
لا تقرب الشرع إذا لم تكنتخبره فهو دقيق جليل
ووكل العز الذي وجههعلى نجاح الأمر أقوى دليل
ولا تمل عنه إلى غيرهفحسبنا الله ونعم الوكيل
وهذا اقتباس بالتورية.
ومثله ما حكي: أن النصير المحامي قال للسراج الوراق: قد امتدحت الصاحب بهاء الدين بقصيدة؛ وهي الليلة تقرأ بين يديه؛ وأشتهي منك أن تزهره لها.
فلما أنشدت قال السراج الوراق بعد الفراغ:
شاقني للنصير شعر بديعولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيهقلت نعم المولى ونعم المصير
ومن بديع الاقتباس بالتورية أيضاً قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر:
بأبي فتاة من كمال صفاتهاوجمال بهجتها تحار الأعين
كم قد دفعت عواذلي عن وجههالما تبدت بالتي هي أحسن
وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بقافيته، ولكن زاده إيضاحا بقوله:
يا عاذلي شمس النهار جميلةوجمال فاتتني ألذ وأجمل
فانظر إلى حسنيهما متأملاوادفع ملامك بالتي هي أحسن
وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج أيضاً عن إيضاحه فقال:
قد سلونا عن المليح بخودٍذات وجه به الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتك فيهودفعناه بالتي هي أحسن
ومنه قول ابن نباتة في خادم اسمه كافور:
يا لائمي في خادم لي سيدقسما لقد زدت السلو نفورا
ولقد أدرت على المسامع شربةفي الحب كان مزاجها كافورا
ولأبي الفضائل أحمد بن يوسف بن يعقوب قصيدة حسنة اقتبس فيها أكثر سورة مريم ﵍، أولها:
لست أنسى الأحباب ما دمت حياإذ نووا للنوى مكانا قصيا
وتلوا آية الدموع فخرواخيفة البين سجدا وبكيا
وبذكراهم يسبح دمعيكلما اشتقت بكرة وعشيا
وأناجي الإله من فرط حزنيكمناجاة عبده زكريا
واختفى نورهم فناديت ربيفي ظلام الدجى نداء خفيا
وهن العظم بالبعاد فهب ليرب بالقرب من لدنك وليا
واستجب في الهوى دعائي فإنيلم أكن بالدعاء منك شقيا
قد فرى قلبي الفراق وحقاكان يوم الفراق شيئا فريا
ليتني مت قبل هذا وغنيكنت نسيا يوم النوى منسيا,
وهي نحو من ثلاثين بيتا على هذا النمط.
وما أبدع قول الصاحب عطا ملك في دوبيت:
يا طاقة شعرة براسي انتشبتبيضاء تصارفي بها قد ذهبت
يا واحدة سواد قوم نهبتكم من فئة قليلة قد غلبت
وقال أبو الحسن الباخرزي:
يزني دهري اللئيم كريماكان لي والدا وكنت أنا ابنا
كل شيء يبيد والله باقربنا إننا إليك أنبنا
وما أصدق قول صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
يا عترة المختار يا من بهمأرجو نجاتي من عذاب أليم
حديث حبي لكم سائروسر ودي في هواكم قديم
قد فزت كل الفوز غذ لم يزلسراط ديني بكم مستقيم
ومن أتى الله بعرفانكم=فقد أتى الله بقلب سليم.
ومن الاقتباس الذي هو غير مقبول، بل هو من المردود المرذول قول ابن النبيه يمدح القاضي الفاضل:
قمت ليل الصدود إلا قليلاثم رتلت ذكركم ترتيلا
ووصلت السهاد أقبح وصلوهجرت الرقاد هجرا جميلا
مسمعي كل عن سماع عذوليحين ألقى عليه قولا ثقيلا
وفؤادي قد كان بين ضلوعيآخذته الأحباب أخذا وبيلا
قل لرامي الجفون أن لجفنيفي بحار الدموع سبحا طويلا
ماس عجبا كأنه ما رأى غصنا طليحا ولا كثيبا مهيلا
وحمى عن محبه كأس ثغرحين أضحى مزاجها زنجبيلا
بأن عني فصحت في أثر العيس أرحموني وأمهلوني قليلا
أنا عبد للفاضل بن عيقد تبتلت بالثنا تبتيلا
لا تسمه وعدا بغير نوالأنه كان وعده مفعولا
نعوذ بالله من هذا الكلام. وبعده:
وإذا كان خصمك الدهر والحكم إلى الله فاتخذه وكيلا
إن مدحي له أشد وطاءوقريضي أقوى وأقوم قيلا
جل عن سائر الخلائق قدرافاخترعنا في مدحه التنزيلا
هذا من المغالاة والإغراق الذي يجر إلى الإخلال بالدين والعياذ بالله تعالى، ومذهب ابن النبيه في ذلك مشهور.
ومن ذلك قول البهاء بن زهير:
وسقاني من ريقه البارد العذب كؤوسا حوت شرابا طهورا
بقوارير فضة من ثناياقدروها بلؤلؤ تقديرا
وغيوم مثل الجنان فما تنظر شمسا فيها ولا زمهريرا
نصب روض مشى النسيم عليهفانبرى سعيه به مشكورا
أيها الحاسد المنفد إماأن تكن شاكرا وإما كفورا
كيف تجفوا التي يطير بهاالهم وإن كان شره مستطيرا
وقول الحاجري:
قالت وقد حاولت منها نظرةوالقلب في ألم من الخفقان
انظر إلى القلب الذي تهوي بهفإن استقر مكانه فستراني
وقول الأخر:
أوحى إلى عشاقه طرفهيهات هيهات لما توعدون
وردفه ينطق من خلفهلمثل ذا فليعمل العاملون
ومن الاقتباس من الحديث قول الصاحب بن عباد ﵀:
قال لي إن رقيبيسيء الخلق فداره
قلت دعني وجهك الجنة خفت بالمكاره
ولفظ الحديث (خفت الجن بالمكاره وخفت النار بالسهوات).
وثل ذلك قول ابن قلاقس:
ووالله لولا أنه جنى المنىلما كان محفوفا لنا بالمكاره
وقول ابن نباتة:
عن خده منع الرقيب وبعده داجي عذاره
واهاً لها من جنة=حفت بأنواع المكاره.
وقول ابن مماتي في جارية صورت في وجهها حية وعقربا بالغالية:
قتيلك ما أذكى الهوى جل نارهإلى أن تبدى الخد في جلناره
رأى حية في وجنتيك وعقربانعم جنة حفت كذا بالمكاره
واقتبست أنا أخر الحديث فقلت:
لقد ذهبت أنفس العاشقينعلى نار وجنته حسرات
ولا غور أن أصبحت تشتهيفقد حفت النار بالشهوات
ومنه قول الصاحب بن عباد أيضاً:
أقول وقد رأيت له سحابامن الهجرات مقبلة إلينا
وقد سحت غواديها بهطلحوالينا الصدود ولا علينا
اقتبسه من قوله ﵌ استسقى وحصل مطر عظيم (اللهم حوالينا ولا علينا).
وقول منصور الهروي الأزدي:
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثةولو كانت الآراء لا تتشعب
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوىوأصبح كل الناس قد ضمهم أب
ولكنها الأقدار كل ميسرلما هو مخلوق وله مقرب
وقوله الأبله الشاعر البغدادي، وكان يهوى بعض أولاد البغاددة، فعبر على بابه فوجد خلوة فكتب على الباب:
دارك يا بدر الدجى جنةبغيرها نفسي ما تلهو
وقد روي في خبر أنهأكثر أهل الجنة البله
وفي كون هذا اقتباسا نظر لما في حده.
وقول أبي الحسن الباخرزي:
يا حادي العيس رفقا بالقواريروقف فليس بعار وقفة العير
قف واحتلب ماء عين طالما قطرت=حمر الدموع على البيض المقاصير.
اقتبسه من قوله ﵌ لأنجشة- وكان يحدو بالإبل التي عليها نساء النبي ﵌ في حجة الوداع- ياأنجشة رويدك رفقا بالقوارير. قيل: شبه النساء بهن لضعف عزائمهن، وقلة دوامهن على العهد، لأن القوارير يسرع إليها الإنكسار، ولا يقبل الجبر. انتهى.
وليس بشيء، والأولى ما قاله في النهاية: شبههن بالقوارير من الزجاج لأنه يسرع غليها الكسر، وكان أنجشة يحدو وينشد القريض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع في قلبهن حداؤه فأمر بالكف عنه، وفي المثل: الغنا رقية الزنا. وقيل: إن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت وأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. انتهى.
وهذا أولى من الأول لدلالة المقام عليه.
ومنه قول أبي الحسن علي بن مفرج المنجم لما احترقت دار ابن صورة بمصر:
أقول وقد عاينت دار ابن صورةوللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من نهاوشفعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمرهفجاءته لما استبطأته جهنم
اقتبسه من قوله ﵌: من أصاب مالا من نهوش أهلكه الله في نهابر، والنهاوش بالنون في أوله والشين المعجمة في آخره: المظالم والإجحافات بالناس. والنهابر: المهالك؛ واحدها نهبرة ونهبورة بضم أولها.
ومن قول أبي جعفر الأندلسي:
لا تعاد الناس في أوطانهمقلما يرعى غريب في الوطن
وإذا ما شئت عيش بينهمخالط الناس بخلق ذي حسن
اقتبسه من قله ﵌ لأبي ذر ﵁: اتق الله حيث كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالط الناس بخلق حسن.
وقول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي:
ومنكر قتل شهيد الهوىووجه ينبئ عن حاله
اللون لون الدم من خده=والريح ريح المسك من خاله.
اقتبسه من قوله ﵇ في وصف دم الشهيد: اللون لون الدم والريح ريح المسك.
وقول القاضي أحمد بن خلكان: انظر إلى عارضه فوقه=ألحاظه يرسل منها الحتوف.
وشاهد الجنة في خدهلكنها تحت ظلال السيوف
اقتبسه من قوله ﵇: الجنة تحت ظلا ل السيوف. قال في النهاية: هو كناية عن الدنو من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه.
واقتبس ذلك أيضاً لسان الدين بن الخطيب فقال:
أصبح الخد منك جن عدنمجتلى أعين وشم أنوف
ظللته من الجفون سيوفجنة الخلد تحت ظل السيوف
وقول الشيخ جعفر الخطي البحراني:
إني أعجب من هواي وجعلكمهجري على عكس القضية دابة
فكأنكم قلتم ألا من حبنافليستعد لهجرنا جلبابا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع