تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التسليم

كم ادعوا صدقهم يوما وما صدقواسلمت ذاك فما أرجو بصدقهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التسليم- قال بعضهم هو أن يفرض المتكلم حصول أمر قد نفاه، أو فهم استحالته، أو شرط فيه شرطا مستحيلا، ثم يسلم وقوع ذلك بما يدل على عدم فائدته.

وقال الأكثرون: هو أن يفرض المتكلم فرضا محالا منفيا أو مشروطا بحرف الامتناع، ليكون المذكور ممنوع الوقوع لامتناع وقوع شرطه، ثم يسلم وقوعه تسليما جدليا، ويدل على عدم الفائدة لو وقع.

فالأول أعني المحال المنفي كقوله تعالى: (ما تخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض). فإن معنى الكلام ليس مع الله من إله، ولو سلم أن معه سبحانه إلها لزم من ذلك التسليم، ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق، وعلو بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله. والواقع خلاف ذلك؛ ففرض إلهين فصاعدا محال لمن يلزم منه المحال.

وهذا القسم هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، لكن ما فرضوه محال ادعاء وليس بمحال حقيقة كما ستراه.

والثاني اعني المشروط بحرف الامتناع مثلوا له بقول الطرماح:

لو كان يخفى على الرحمن خافيةمن خلقه خفيت عنه بنو أسد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إن الفؤاد للبائن الغرد»

وهو ليس بكامل الشروط إذ ليس فيه التسليم الجدلي، إنما هو مشروط بحرف الامتناع لا غير. وذكر ابن أبي الأصبع: أن التسليم فيه مقدر؛ وتكلف في تقديره.

وقد نظمت له أنا أمثالا مستوفيا لشروط فقلت:

هم كدروا صفو الوداد وأقبلوايرومون من قلبي البقاء على الود
يقولون لو تصفو صفونا وهبهموفوا لي بما قالوا فماذا الذي يجدي
ألم يسمعوا قول الوشاة وجاهرواعلى غير ذنب بالقطيعة والصد
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «هم نقضوا عهد الوداد وأقبلوا»

المثال في البيت الثاني فإنه مشروط بحرف الامتناع وفيه التسليم الجدلي والدلالة على عدم الفائدة، على حد ما ذكروه في التعريف.

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:

سألت في الحب عذالي فما نصحواوهبه كان فما نفعي بنصحهم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وهذا من قسم المنفي كما سبقت الإشارة إليه.

وسقط هذا النوع من بديعية ابن حجة وشرحها في النسخ التي حضرتني، وبسقوطه تعذر هنا إيراد بيتي بديعيتي الموصلي، وابن جابر فإنني لم أقف عليهما إلا من شرح بديعية ابن حجة، ولعل الله يظفر بهما فيما بعد؛ فيثبتان مع مشيئة الله تعالى.

وبيت بديعية الطبري قوله:

لم يجد لي عذالهم نفعا أسلمهوهبه أجدى فماذا لي بنفعهم

وبيت بديعيتي هو قولي:

كم أدعوا صدقهم يوما وما صدقواسلمت ذاك فما أرجو بصدقهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله:

لم يلق أذنا على أذني ملامك ليوهبه يلقى فلي قلب أصم عمي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.