من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
نهيهم عن احتقار العدو
قال ابنُ نُباتةَ السعدي:
وإذا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدارِهوامْزُجْ له إنَّ المِزاجَ وِفاقُ
فالنارُ بِالماءِ الذي هُوَ ضِدُّهاتُعطي النَّضاجَ وطبْعُها الإحْراقُ
وقالوا: لا يُتَّقى العدوُّ القويُّ بمثلِ الخُضوعِ واللّينِ، ومَثلُ ذلكَ مَثَلُ الرّيحِ العاصفِ تَقلَعُ الأشْجارَ العِظام، لتأبِّيها عليها، ويَسْلَمُ مِنْها النَّباتُ اللَّيِّنُ لِتَمايُلِه مَعها.
ومِن أمثالهم: إذا عزَّ أخوك فهُنْ.
قال الإمام ثعلب: هذا مثلٌ مَعْناه: إذا تعظَّم أخوك شامِخاً عليكَ فالْتَزِمْ له الهَوان؛ وعبارة الأزهريّ: المعنى: إذا غلبك وقهَرك ولم تُقاوِمْه فتواضَعْ له، فإنَّ اضطرابَك عليه يزيدُك ذلاًّ
وخَبالاً، وقال الزجاج: الذي قاله ثعلب خطأ، وإنما الكلام. إذا عزَّ أخوك فهِنْ - بكسر الهاء - ومعناه إذا اشتدَّ عليك فهُنْ له ودارِه، وهذا من مَكارمِ الأخلاق، كما رُوي عن
معاويةَ ﵁ أنه قال: لوْ أنَّ بيني وبينَ الناسِ شعرةً يَمُدّونَها وأمُدُّها ما انْقَطَعَتْ، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا أرْخَوْها مَدَدْتُ، وإذا مدّوها أرْخيت، فالصحيح في هذا المثل، فهِنْ بالكسر، من قولهم: هانَ يَهين: إذا صار هيِّناً ليِّناً، كقوله:
هَيْنونَ لَيْنونَ أيْسارٌ ذَوو كَرَمٍسُوّاسُ مَكْرُمةٍ أبْناءُ أطْهارِ
وإذا قالوا: فهُنْ فَهْو مِنَ الهوان، والعَربُ لا تأمُرُ بِذلك، لأنّهم أعِزّةٌ أبّاؤون للضّيم.
وقال ابن سِيدَه: وعِندي أنّ الذي قاله ثعلب صحيحٌ لقولِ ابْنِ الأحْمر - شاعر إسلامي -:
وقارِعةٍ مِنَ الأيّامِ لَوْلاسَبيلُهُمُ لَزاحَتْ عنكَ حينا
دَبَبْتُ لَها الضَّراَء وقُلْتُ: أبْقىإذا عزَّ ابْنُ عَمِّك أنْ تَهونا
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع