من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
حث القادر على العقاب قبل فَوْته
قد أسلفنا كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى، وقال أبو أذينةَ الغَسّاني:
يُحرِّضُ ابنَ عمِّه الأسودَ بنَ المنذر على قتل جماعةٍ من مُلوكِ الشام كان قد أسَرَهُمْ فأراد أن يعفوَ عنهم:
ما كلَّ يَوْمٍ ينالُ المَرْءُ ما طَلباولا يُسوِّغُه المقدارُ ما وَهبا
وأنْصفُ الناسِ في كلِّ المواطنِ مَنْسقى الأعاديَ بالكأسِ الّتي شَرِبا
ولَيْسَ يَظلمُهُمْ مَنْ باتَ يضربُهمبِحدِّ سيفٍ به من قبلِهم ضُرِبا
فالعَفْوُ إلا عنِ الأعْداءِ مَكْرُمةٌمنْ قالَ غيرَ الذي قد قلتُه كَذبا
قتَلْتَ عَمْراً وتَستبقي يزيدَ لَقَدْرأيْتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحَرَبا
لا تَقْطَعَنْ ذنَبَ الأفعى وتتركَهاإنْ كنتَ شَهْماً فأتْبِعْ رأسَها الذَّنَبا
هُمْ جَرَّدوا السيفَ فاجْعَلْهُمْ به جزَراهُمْ أوْقَدوا فاجْعلْهُمْ لَها حَطَبا
ومنها:
لا عَفْوَ عَنْ مِثْلِهِمْ في مِثلِ ما طَلبوالكنَّ ذلكَ كانَ الهُلكَ والعَطَبا
عَلامَ تَقْبلُ مِنْهُمْ فِدْيةً وهُمُلا فِضَّةً قَبلوا مِنّا ولا ذَهَبا
وكتب يحيى بن خالد البرمكيّ إلى الرشيد من الحبس: إنْ كانَ الذنْبُ خاصَّاً. فلا تُعَمِّم بالعُقوبة، فَمَعي سَلامَةُ البَريءِ ومودَّة الوليّ؛ فكتَبَ إليه: قُضيَ الأمْرُ الذي فيه تستفتيان...
وقال بعضُهُمْ لأبي جعفر المنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تَسْمَعْ بالعفوِ! فقال: لأن بني مروان لم تَبْلَ رِمَمُهُمْ، وآلُ أبي طالب لم تُغْمدْ سُيوفُهم، ونَحْنُ بينَ أقوامٍ قَدْ رأوْنا بالأمْسِ سُوقةً واليومَ خُلفاء، فليس تتمهَّد الهيبةُ في صُدورهم إلا باطّراحِ العفوِ واستعمالِ العُقوبة...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع