من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
النَّهْيُ عن الحِلم إذا كان يسبب ذُلاً أو ضَرّاً
قال النابغة الجعدي:
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ تَكُنْ لهُبَوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهْلٍ إذا لَمْ يكنْ لهُحَليمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمْرَ أصْدَرا
ويُروى أنّه لما أنشد هذين البيتين سيدَنا رسولَ الله قال صلواتُ الله عليه: أجدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ، فعاشَ مائة وثلاثين سنة لم تَنْفَضَّ له ثنيَّة... وأنشد المبرِّد:
أبا حَسَنٍ ما أقْبحَ الجَهْلَ بالفتىولَلْحِلْمُ أحياناً مِنَ الجَهْلِ أقْبحُ
إذا كانَ حِلْمُ المَرْءِ عَوْنَ عَدُوِّهعَلَيْهِ فإنَّ الجَهْلَ أعْفى وأرْوَحُ
أقول: إنَّ مُرادهم بالجَهْلِ ههنا ما قابلَ الحِلْم وقال المتنبي:
مِنَ الحِلْمِ أنْ تَسْتَعملَ الجهلَ دونَهإذا اتَّسَعَتْ في الحِلْمِ طُرْقُ المَظالِمِ
وقال:
إذا قيلَ: رِفْقاً قال: لِلحِلْمِ مَوْضِعٌوحِلْمُ الفَتى في غيرِ مَوْضِعِه جَهْلُ
وقالَ أبو يَعْقوب الخُرَيْمي:
أرى الحِلْمَ في بعضِ المواطنِ ذِلَّةًوفي بَعْضها عِزّاً يُسوِّدُ صاحِبَهْ
وقال الأحْنَفُ بنُ قيس: لا حِلْمَ لِمَنْ لا سَفيهَ له. وقال: ما قلَّ سفهاءُ قومٍ إلا ذَلّوا...
وقال الجاحظ: مَنْ قابلَ الإساءةَ بالإحسانِ فقَدْ خالَفَ اللهَ في تَدْبيرِه، وظَنَّ أنَّ رحمةَ اللهِ دونَ رحمته، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وقال: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. وقال الشعبيُّ: يُعجبني الرَّجلُ إذا سيمَ هَواناً دَعَتْه الأنفةُ إلى المُكافأةِ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾؛ ورُفع كلامُه إلى الحجّاج فقال: لله درُّه! أيُّ رجلٍ بين جَنْبَيْه! وتمثّل بقول الشاعر:
ولا خيرَ في عِرْضِ امْرئٍ لا يَصونُهولا خيرَ في حِلْمِ امْرئٍ ذَلَّ جانِبُهْ
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع