من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
نهيهم عن الاعتذار وصعوبته
جاء في الحديث الشريف: (إيّاك وكلَّ أمْرٍ يُعْتَذرُ منه). وفي حديث آخر: (إيّاكم والمعاذيرَ فإنها مفاجر).... ومعنى الحديثين: إيّاكم أن تتكلّموا أو تَفْعلوا ما تحتاجون إلى أنْ تَعْتَذروا عنه. وقال بعضُهم: دَعْ ما يَسبقُ إلى القلوبِ إنكارُه، وإن كان عندك اعتذارُه فلستَ بموسِعٍ عُذراً كلَّ من أسْمَعْتَه نُكرا... وكتب الحجاجُ إلى بعض من اعْتذرَ إليه: إنْ يَعلَمِ اللهُ ذلك من نيَّتك تُكْفَ المقالَ. وكتب كاتبٌ: لست أعتذر إليك من الذّنب إلا بالإقلاع عنه. وكتب آخر: إن تركت الاعتذار فلِما قال الشاعر - هو محمود الورَّاق -:
إذا كانَ وجْهُ العُذْرِ ليسَ ببيِّنٍفإنّ اطِّراحَ العُذْرِ خَيْرٌ مِنَ العُذْرِ
وقالوا: الإغراقُ في العُذْرِ يحقّق التُّهمةَ، كما أنّ الإفراط في النصيحة يُوجب الظِّنَّة....
وكتب بعضُهم: إنْ كان ما بَلَغك حقاً فما تُعني المعاذيرُ، وإنْ كانَ كذِباً فما تضرُّ الأباطيلُ.
وقال شاعر:
تعالَوْا نَصْطلِحْ وتكونُ مِنَّامَعاوَدةٌ بلا عَدِّ الذُّنوبِ
فإنْ أحْبَبْتُمُ قُلْتُمْ وقُلْنافإنَّ القَوْلَ أشْفى للقلوبِ
وخطب الحجّاجُ يوماً فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، الوقت لا ينتظرُك، والرّبُّ لا يعذرُك، فأمرَ بحَبسِه، فأتاه قومُه وزعَموا أنّه مجنون فإنْ رأى أن يُخلي سبيلَه! فقال: إنْ أقرَّ بالجنونِ خَلَّيتُه، فقيل له ذلك، فقال: معاذَ اللهِ، لا أزعُمُ أنّ اللهَ ابْتَلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاجَ، فعفا عنه لِصِدْقه..
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع