من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١-١) فصاحة الكلمة
(١) خلوصها من تنافر الحروف؛ لتكون رقيقة عذبة، تخف على اللسان، ولا تَثْقُل على السمع؛ فلفظ «أسد» أخف من لفظ «فَدَوْكَسٍ»!
(٢) خلوصها من الغرابة، وتكون مألوفة الاستعمال.
(٣) خلوصها من مخالفة القياس الصرفي؛ حتى لا تكون شاذة.
(٤) خلوصها من الكراهة في السمع.
(١) شديد في الثقل؛ كالظَّش (للموضع الخشن)، ونحو: هُعْجُع (لنبت ترعاه الإبل) من قول أعرابي:
تركتُ نَاقتي ترْعَى الهُعْجُع
(٢) وخفيف في الثقل؛ كالنقنقة (لصوت الضفادع) والنُّقَاخ (للماء العذب الصافي)، ونحو: مستشزرات (بمعنى مرتفعات) من قول امرئ القيس يصف شَعر ابنة عمِّه:
غدائرهُ مُسْتشْزِراتٌ إلى العلاتَضِل العقاصَ في مُثنًّى ومُرْسَل
وأما غرابة الاستعمال فهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى، ولا مألوفة الاستعمال عند العرب الفصحاء؛ لأنَّ المعوَّل عليه في ذلك استعمالهم.
القسم الأول: ما يُوجب حيرة السامع في فَهْم المعنى المقصود من الكلمة؛ لترددها بين معنيين أو أكثر بلا قرينة.
وذلك في الألفاظ المشتركة «كمُسرَّج» من قول رُؤبَة بن العَجاج:
ومُقْلةً وحَاجِبًا مُزَججَاوفاحمًا ومَرْسنًا مُسَرَّجا
فلا يُعلم ما أراد بقوله: «مُسرَّجا» حتى اختلف أئمة اللغة في تخريجه.
فقال «ابن دريد»: يريد أن أنفه في الاستواء والدِّقة كالسيف السُّريجي.
فلهذا يحتار السامع في فهم المعنى المقصود لتردد الكلمة بين معنيين.
بدون «قرينة» تُعيِّن المقصود منهما.
فلأجل هذا التردد، ولأجل أن مادة «فعل» تدل على مجرد نسبة شيء لشيء، لا على النسبة التشبيهية؛ كانت الكلمة غير ظاهرة الدلالة على المعنى فصارت غريبة.
(أ) فمنه ما يُعثر فيها على تفسير بَعْدَ كَدٍّ وبحثٍ، نحو: تكأكأتُم «بمعنى اجتمعتم» من قول عيسى بن عمرو النحوي: ما لكم تَكأكَأتُم عليَّ كَتكأكُئِكُم على ذي جنَّة افرنقعوا عني. ونحو «مُشمَخِرٍّ» في قول بشر بن عوانة يصف الأسد: فخرَّ مُدَرَّجًا بِدمٍ كأني هَدَمْتُ به بِناءً مُشمَخِرا
(ب) ومنه ما لم يُعثر على تفسيره نحو «جَحْلَنْجَع» من قول أبي الْهَمَيْسَع: مِنْ طَمحة صَبِيرها جَحلنَجَع لم يحضها الجدول بالتنوُّع
الحمدُ للهِ العَليِّ الأجْلَلِالواحدِ الفَرْدِ القَدِيم الأوَّلِ
فإن القياس «الأجَلَّ» بالإدغام، ولا مسَوِّغ لفكهِ.
وكقطع همزة وصل «إثنين» في قول جميل:
ألا لا أرى إثنين أحسن شِيمةعلى حدثان الدَّهر منِّي ومن جَمل
ويُستثنى من ذلك ما ثبت استعماله لدى العرب مخالفًا للقياس ولكنه فصيح.
لهذا لم يخرُج عن الفصاحة لفظتا «المشرق والمغرب» بكسر الراء، والقياس فتحها فيهما. وكذا لفظتا «المُدهُن والمُنْخُل»، والقياس فيهما مِفْعَل بكسر الميم وفتح العين. وكذا نحو قولهم: «عَور» والقياس عار؛ لتحرُّك الواو وانفتاح ما قبلها.
وأما «الكراهة في السمع» فهو كون الكلمة وحشية، وتأنفها الطِّباع، وتمجها الأسماع، وتنبو عنها كما تنبو عن سماع الأصوات المنكرة «كالجِرِشَّى» للنفْس في قول أبي الطيب المُتنبيِّ يمدح سيف الدَّولة:
مُبَارَكُ الاسْم أغرُّ اللقبْكَريمُ الجِرِشَّى شريفُ النسَبْ
وملخص القول: إن فصاحة الكلمة تكون بسلامتها من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة القياس، ومن الابتذال والضعف. فإذا لصق بالكلمة عيب من هذه العيوب السابقة وجب نبذها واطِّراحها.
تطبيق «١»
ما الذي أخل بفصاحة الكلمات فيما يأتي:
(١) قال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته إليه: «أَئِنْ سألَتْكَ ثَمنَ شكْرِها وشَبرِك، أخذْتَ تُطلها وتُضهِلها؟»
(٢) وقال بعض أمراء العرب، وقد اعتلَّتْ أمُّه، فكتب رِقاعًا وطرحها في المسجد الجامع بمدينة السلام: صِينَ امرؤٌ ورَعا، دعا لامرأةٍ أنقحُلة، مُقْسَئِنَّة، قد مُنيت بأكل الطرموق، فأصابها من أجله الاستِمْصَال بأن يَمُنَّ الله عليها بالاطرعشاش والابرغشاش.
(٣) أسمع جَعجَعة ولا أرى طِحنًا. الإسْفِنط حرام. وهذا الخَنشليل صَقيل. والفَدَوْكس مُفترس.
(٤) يوم عَصَبصب، وهِلَّوف، ملأ السَّجْسَج طَلَا.
(٥) أمِنَّا أنْ تصَرَّعَ عن سَماحٍوللآمال في يدكِ اصْطِرَاع
وقال الفرزدق:
(٦) وإذا الرِّجالُ رأَوْا يَزِيدَ رأيتَهُمخُضعَ الرِّقاب نواكس الأبصار
وقال أبو تمام:
(٧) قد قلت لمَّا اطلَخَمَّ الأمرُ وانبعثَتْعشْوَاءُ تالِيةً غُيسًا دَهاريسا
وقال شِمْر:
(٨) وأحمق مِمَّن يَكرَعُ الماءَ قال ليدَعِ الخمرَ واشربْ مِن نقاخٍ مُبرَّدِ
(٩) يظل بِمَوْمَاةٍ ويُمسِي بغيرهاجَحِيشا ويَعرورَى ظهور المسالك
(١٠) فلا يُبرَمُ الأمرُ الذي هو حالِلولا يُحللُ الأمرُ الذي هو يُبرِم
مقابلٌ في ذُرا الأذواء منصبهعَيْصًا فعيصًا وقُدْمُوسًا فقُدْمُوسًا
وقال أبو تمام:
نِعْمَ متاعُ الدنيا حَبَاك بهأَوْرَعُ لا جَيْدَرٌ ولا جِبْسُ
وقال امرؤ القيس:
(١١) رُبَّ جَفنةٍ مُثْعَنْجِرَة، وطعنةٍ مُسْحَنْفِرة، وخطبةٍ مُستحضَرة، وقصيدة مُحبرة، تبقى غدًا بأنقرة — أكلت العرين، وشربت الصُّمادح إني إذا أنشدت لأحبَنْطَى نزل بزيد داهية خنْفيق، وحل به عنْقَفِير لم يجد منها مَخلصًا. رأيت ماء نُقاحًا ينباع من سفح جبل شامخ، إخال إنك مَصْوُون — البُعاق ملأ الجرْدَحْل.
(١٢) فإن يكُ بعض الناس سيفًا لدولةففي الناس بُوقات لها وطبول
نقيٌّ تقيٌّ لم يكثِّر غنيمةبنكهة ذي القربى ولا بحَقَلَّد
(١٣) إن بَنِيَّ لَلِئامٌ زَهْدَهمالي في صدورهم من مَوْدَده
(١٤) رمتني مَيُّ بالهوى رمي ممضغٍمن الوحش لَوْطٌ لم تعقْهُ الأوَالس
(١٥) بعينين نجلاوين لم يجر فيهماضمان وجيد حلي الدُّرِّ شامس
(١٦) عِلمي إلى عِلمك كالقرارة في المُثْعَنْجَر.
(١٧) إن بعضًا من القريض هُرَاءليس شيئًا، وبعضه إحكام
(١٨) فيه ما يجلب البراعة والفهموفيه ما يجلب البرسام
(١٩) ومِن الناس مَن تجوز عليهمشعراء كأنها الخازَبَازُ
(١) الشكر: الرضاع. والشبر: النكاح. وتطلها: تسعى في بطلان حقها. وتضهلها: تعطيها الشيء القليل.
(٢) أنقحُلة: يابسة. ومُقْسَئِنَّة: مسنَّة عجوز. ومُنيت بأكل الطرموق: ابتُلِيَتْ بأكل الطين. والاستِمْصَال: الإسهال. وبالاطرعشاش: البرء، وكذا معنى ما بعده.
(٣) جعجعة: غير فصيحة لتنافر حروفها، وهو مثل يُضرب لمن يقول ولا يفعل. والإسْفِنط: الخمر. والخَنشليل: السيف. والفَدَوْكس: الأسد، فكل من هذه الألفاظ الثلاثة وحشية غير مألوفة.
(٤) شديد البرد فيهما، السجسج: الأرض التي ليست بسهلة ولا صلبة.
(٥) أراد: أنهم آمنوا أن يغلبه غالب يصرعه عن السماع ويمنعه منه، وأما قوله: «وللآمال في يدك اصطراع» فمعناه تنافس وتغالب وازدحام في يده، يريد كثرة نواله وكرمه، واستعماله للفظة الاصطراع بهذا المعنى بعيد.
(٦) فقد جمع «ناكس» على «فواعل» شدوذًا، وهذا لا يطَّرِد إلا في وصف لمؤنث عاقل لا لمذكر كما هنا إلا في موضعين «فوارس وهوالك». والناكس: مطأطئ الرأس.
(٧) قال صاحب المثل الثائر: إن لفظ «اطلخم» من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة، وأنها غليظة في السمع، كريهة على الذوق، وكذلك لفظة «دهاريس». واطلخم: أي اشتد وعظم، والعشواء: الليلة المظلمة. والغبسة: جمع أغبس وغبسًا، وهي الشديد الظلام مثلها. والدهاريس: جمع دهريس وهي الدواهي.
(٨) نقاخٍ مُبرَّدِ: الماء العذب الصافي.
(٩) المَوْمَاة: المفازة الواسعة. ويقال للمستبد برأيه: جحيش. ويقال: اعرورى الفرس: ركبها عريانًا. وإن لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة — ويالله العجب — أليس أنها بمعنى فريد، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وُضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء من وزنه، فتأبط شرًّا لأنه ملوم من وجهين في هذا الموضع: أحدهما أنه استعمل القبيح، والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنه.
(١٠) العيب في هذا البيت من حيث فك الإدغام في «حالل ويحلل» بلا مسوغ، وهو شاذ ومخالف للقياس الصرفي، ومخالف للكلام العربي الصحيح.
(١١) يريد بقوله «جَفنة»: صحفة كيبرة ملأى تُشبع عشرة. والمثعنجرة: السائلة. والمسحنفرة: الماضية بسرعة. وطعنة متسمة ببلد أنقرة. وهو كلام امرئ القيس لما قصد ملك الروم ليستنجده على قتلة أبيه، فهوته بنت الملك، وبلغ ذلك القيصر، فوعده أن يتبعه بالجنود إذا بلغ الشأم، أو يأمر من بالشام من جنوده بنجدته، فلما كان بأنقرة بعث إليه بثياب مسمومة، فلما لبسها تساقط لحمه؛ فعلم بالهلاك فقال: رب … إلخ. وأكلت العرين، وشربت الصُّمادح: يريد اللحم والماء الخالص. واحبنطى: انتفخ بطنه. وخنْفيق: دهياء. ونُقاحًا: عذبًا. وينباع: ينبع ويسيل. ومصوون شاذة، وليست فصيحة لمخالفتها للقياس الصرفي. والبعاق: مطر السحاب، والجردحل: الوادي، وليستا فصيحتين لغرابتهما.
(١٢) بوقات: مزامير. والقياس في جمعه أبواق.
(١٣) مَوْدَده: القياس مودة بالإدغام.
(١٤) لوط: لازق. والأوالس: النياق.
(١٥) ضمان وجيد حلي الدُّرِّ شامس: ضرب من القلائد.
(١٦) المثعنجر لفظة متنافرة، والمعنى: إن علمي مقيس إلى علمك كالغدير الصغير موضوعًا في جانب البحر.
(١٧) القريض: الشِّعر. والهراء: الكلام الفاسد الذي لا نظام له. وأحكام: جمع حُكم، والمراد الحكمة.
(١٨) والبرسام — بفتح الباء وكسرها: التهاب الصدر.
(١٩) الخازَبَاز: صوت الذباب. وتجوز: تروح وتقبل.
تمرين «أ»
(١) فرِّق بين التنافر في الكلمة، وفي الكلام، واذكر السبب.
(٢) اذكر مثالًا للتعقيد اللفظي، وبين سبب هذا التعقيد، ثم أزله.
(٣) قد يلازم تنافر الحروف الغرابة، وقد تنفرد الغرابة عن التنافر، وضح ذلك بأمثلة مبتكرة.
(٤) كل كلام بليغ يكون فصيحًا ولا عكس. اشرح هذه العبارة، واستشهد عليها بما يحضرك.
تمرين «ب»
ميِّز الكلام الفصيح من غير الفصيح في كل ما يأتي، وبيِّن السبب:
(١) كلما قَرُبَتِ النفس من المال شبرًا بَعُدَت عن الفضيلة ميلًا.
(٢) شَكَتِ امرأةٌ صَمَعْمَعَةُ الرأس، مُتعثكلة الشعر، دَرْدَبيسًا حلت بها.
(٣) نَمْ وإن لم أنم كَرَايَ كراكاشاهدي الدمع، إنَّ ذاك كذاكا
(٤) فأصبحتْ بعد خطِّ بهجتهاكأن قفرًا رسومها قلما
(٥) وازْوَرَّ من كان له زائرًاوعاف عافي العُرْف عرفانه
(٦) وأكرم من غمامٍ عند مُحْلٍفتًى يُحيي بمدْحته الكراما
(٧) أشكوك كوكك كي ينفك عن كنفيولا يُنيخ على الركاب كلكله
(٨) سأل كوفيٌّ خياطًا عن فرس ومُهر فَقَدهما فقال: «يا ذا النِّصاح، وذات السَّمِّ الطاعن بها في غير وغى لغير عِدًا: هل رأيت الخيفانة القبَّاء، يتبعها الحاسن المرْهف؟»
(٩) كتب أحدهم لصديقه يقول: «يا أحبَّ صواحبي وأعزَزهم عليَّ، يؤلمني أن أصبح مَقْصويًا عنك هذا الإقصاي، وأنت منِّي بمنزلة الروح من الجسد.»
(٢) الرأس الصمعمعة: الصغيرة.
(٤) الرسوم: آثار الديار.
(٥) ازْوَرَّ: أعرض. وعاف: كره. وعافي العُرْف: طالب المعروف.
(٦) للمغفور له أحمد شوقي، والمحل: الجدب.
(٧) أناخ بكلكله: هبط بمقدَّم صدره. وينسب البيت للمرحوم الشيخ حمزة فتح الله.
(٨) النِّصاح: الخيط. وذات السم: الإبرة. والخيفانة: الفرس الطويلة. والقباء: الدقيقة الخصر الضامرة. والحاسن: الجميل. والمرهف: المستريح.
تمرين
أيَّ أجزاء هذين البيتين غير فصيح:
(١) أصبحتُ كالثوب اللبيس قد أخلقتجدَّاته منه فعاد مُذالا
(٢) رمتني ميٌّ رمي ممضغمن الوحش لوط لم تعقه الأوالس
(١) لابن الرومي. واللبيس: الملبوس. والإخلاق: البلي. والجدة: صفة الثوب الجديد. والمذال: الممتهن.
(٢) اللوط: الخفيف السريع. والأوالس: النوق السريعة.
تطبيق
ما الذي أخلَّ بفصاحة الكلمات فيما يلي؟
يا نفسُ صبرًا كل حي لاقيوكل اثنين إلى افتراق
(١) أَبْعِدْ بَعِدْتَ بَياضًا لا بياضَ لهلَأَنْتَ أسودُ في عيني من الظلم
(٢) لا نَشَب اليومَ ولا خُلَّةإتَّسعَ الفَتْقُ على الراقعِ
(٣) فأيقنتُ أني عند ذلك ثائرغداتَئِذ أو هالك في الهوالك
مهلًا أعاذلَ قد جرَّبتَ من خُلقيأني أجود لأقوام وإن ضنِنُوا
(٤) تشكو الوجى من أظْلَل وأظللمن طول إملال وظهر مُمْلِل
(٥) وقال ابن جحدر:
حلفتُ بما أَرْقَلَتْ حولَههَمرجلةٌ خُلقُها شَيْظم
وما شَبْرَقَتْ من تَنُوفِيَّةٍبها من وحي الجن زيزيزم
(٦) وقال ذو الرُّمة:
حتى إذا الهيْقُ أمسى شام أَفْرُخهوهُنَّ لا مُؤيس نأيًا ولا كشَبُ
وقال أبو نواس:
يا من جفاني وملَّانسيتَ أهلًا وسهلَا
(١) الظلم: الليالي الثلاث آخر الشهر. ولا بياض له: لا حسن له. قاله المتنبي يخاطب الشيب، وخالف القياس في الأسود؛ لأنه لا يبنى اسم تفضيل من نحو سُود وحُمْر.
(٢) الخلة: الصداقة. والفتق: الشق. والراقع: مصلِح الفتق. وقد خالف القياس في اتسع؛ حيث قطع همزة الوصل.
(٣) هوالك: فواعل: لا يطرد في وصف العاقل كما هنا.
(٤) الوجى: الحفا. والأضلل: باطن خف البعير. وخالف القياس بفك الإدغام. تنبيهات: الأول من عيوب فصاحة اللفظة المفردة كونها مبتذلة؛ أي عامية ساقطة؛ كالفالق والشنطار ونحوهما. والابتذال ضَرْبان:
(أ) ما استعملته العامة ولم تغيره عن وضعه؛ فسخف وانحطت رتبته، وأصبح استعماله لدى الخاصة معيبًا؛ كلفظة البرسام في قول المتنبي:
إن بعضًا من القريض هراءليس شيئًا وبعضه إحكام
فيه ما يجلب البراعة والفهموفيه ما يجب البرسام
وكلفظة الخازَبَاز في قوله:
ومن الناس من تجوز عليهمشعراء كأنها الخازَبَار
(ب) ما استعملته العامة دالًّا على غير ما وُضع له، وليس بمستقبَح ولا مكروه؛ كقول المتلمس:
وقد أتناسى الهم عند احتضارهبناج عليه الصيعرية مكدَم
وكقول أبي نواس:
اختصم الجود والجمالفيك فصارا إلى جدال
فقال هذا يمينه ليللعرف والبذل والنوال
وقال هذاك وجهه ليللظرف والحسن والكمال
فافترقا فيك عن تراضٍكلاهما صادق المقال
فوصف في الأول البعير بالصيعرية، وهي مختصة بالنوق، وفي الثاني الوجه بالظرف وهو في مختص بالنطق للفالق والشنطار، ونحوهما.
الثاني: لا تستعمل الألفاظ المبهمة إذا كان غرضك التعيين وإحضار صورة الشيء، أو المعنى المراد في الذهن.
الثالث: لا تستعمل اللفظ المشترك إلا مع قرينة تبين المراد من معانيه المشتركة.
(٥) الإرقام: الإسراع. الهمرجلة: الناقة السريعة. الشيظم: الطويل الجسيم من الإبل والخيل. شبرقت: قطعت. التنوفية والتنوفة: المفازة. الوحي: الصوت الخفي. زيزيزم: حكاية أصوات الجن.
(٦) الهيق: الظليم «ذكر النعام». شام البرق: نظر إليه أين يقصد وأين يمطر، واستعمل هنا للنظر إلى الأفرخ. النأي: البعد.
تدريب «١»
ما الذي أخلَّ بفصاحة الكلمات فيما يلي؟
(١) قال النابعة الذبياني:
أو دُميةٍ مرمرٍ مرفوعةبُنيت بآجُرٍّ يُشاد بقَرْمَد
(٢) وقال أبو تمام:
لك هضبة الحلم التي لو وازنتأجأ إذا ثقلت وكان خفيفا
وحلاوة الشيم التي لو مازجتخلق الزمان الفدم عاد ظريفا
(٣) وقال المتنبي:
يُوسِّطه المفاوز كل يومطِلاب الطالبين لا الانتظار
(١) الدمية: الصورة المنقوشة المزينة فيها حمرة كالدم، تُضرب مثلًا في الحسن. المرمر: الرخام. الآجُرُّ: مما يبنى به. القَرْمَد — بفتح القاف: ما يُطلى به للزينة، وقيل: حجارة لها خروق يوقد عليها فتنضج ويبنى بها، وقيل: الخزف المطبوخ.
(٢) الهضبة: الرابية. أجأ: جبل. الفدم: الغليظ الجافي. وصف الشيم بالحلاوة، وهي خاصة بالعينين. ووصف خلق الزمان بالظرف، وهو خاص بالنطق.
تدريب «٢»
ما الذي أخل بفصاحة الكلمات فيما يأتي؟
(١) لم يَلْقَها إلا بشكة باسلٍيخشى الحوادث حازم مُستعدد
(٢) وأصبح مبيضَّ الضَّرِيب كأنهعلى سروات البيت قطن مُنْدِف
(٣) فأيقنت أني عند ذلك ثائرغداتئذ أو هالك في الهوالك
(٤) وملمومةٍ سيفيةٍ رَبَعِيَّةيصيح الحصا فيها صياحَ اللقائق
(٥) وألقى بصحراء الغَبيط بَعَاعَهنزول اليماني ذو العياب المُحمِّل
(٦) ليس التعلل بالآمال من أربيولا القنوع بضنك العيش من شِيَمِي
(١) الشكة: الخصلة. الباسل: الشجاع.
(٢) قائله الفرزدق، الضريب: الشبيه والمثيل. سروات البيت: أعاليه. مندف مندوف: من قولهم: ندف القطن ضربه بالمندف.
(٣) الثائر الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثأره.
(٤) قائله المتنبي، ملمومة: كتيبة مجتمعة. سيفية: نسبة لسيف الدولة. ربعية: نسبة إلى ربيعة قبيلته. اللقالق: جمع لقلقلة، وهي صوت اللقلاق «طائرًا»، أو هي كل صوت في اضطراب وحركة.
(٥) قائله امرؤ القيس. الغبيط: الأرض المطمئنة. وقيل: الواسعة المستوية برفع طرفاها. البعاع: ثقل السحاب من المطر، يقال: بع السحاب يبع بعًّا وبعاعًا إذا ألح بمكان، وألقى عليه باعه؛ أي ثقله. العياب: جمع عيبة، وهي ما يجعل فيه الثياب، يقال: جعل الرجل خير متاعه في عيبته. والمحل يروى بكسر الميم على جعل اليماني رجلًا، وبفتحها على جعله جملًا، والمعنى أن هذا المطر نزل بهذا المكان ولم يبرح كما نزل الرجل في ذلك الموضع. وضمير ألقى يرجع إلى السحاب فيما قبله.
(٦) القنوع: المسألة، يقال: قنع قنوعًا إذا سأل، والمراد القناعة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع