تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٢-٣) أقوال ذوي النبوغ والعبقرية في البلاغة

(١) قال قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب:

المساواة: وهي مطابقة اللفظ المعنى، لا زائدًا ولا ناقصًا.

والإشارة: وهي أن يكون اللفظ كاللمحة الدالة.

والتذييل: وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد؛ ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه.

(٢) وقيل لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون اللفظ محيطًا بمعناك، كاشفًا عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سالمًا من التكلف، بعيدًا من سوء الصنعة، بريئًا من التعقيد، غنيًّا عن التأمل.

(٣) ومما قيل في وصف البلاغة: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يُسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.

(٤) وسأل معاوية صحارًا العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ.

(٥) وقال الفضل: قلت لأعرابي ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.

(٦) وسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابًا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما تكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل، فعامَّة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز: هو البلاغة.

(٧) ولابن المعتز: أبلغ الكلام: ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه.

(٨) وسمع خالد بن صفوان رجلًا يتكلم، ويكثر الكلام، فقال: اعلم «رحمك الله» أن البلاغة ليست بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى، والقصد إلى الحجة.

(٩) ولبشر بن المعتمر فيما يجب أن يكون عليه الخطيب والكاتب رسالة من أنفس الرسائل الأدبية البليغة، جمعت حدود البلاغة، وصورتها أحسن تصوير.

وسنذكر مع شيء من الإيجاز ما يتصل منها بموضوعنا، قال: خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين، وغرَّة من لفظ شريف، ومعنًى بديع.

واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدِّ، والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة.

وإيَّاك والتوعُّر؛ فإن التوعر يُسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويَشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقِّهما أن تصونهما عما يفسدهما ويُهجِّنهما …

وكن في ثلاث منازل: فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا.

إمَّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتَّضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي.

فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك … على أن تُفْهِم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسعة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكْفاء — فأنت البليغ التام.

فإن كانت المنزلة الأولى لا تُواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك، وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها وإلى حقِّها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحُلَّ في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها — فلا تُكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها؛ فإنك إذا لم تتعاطَ قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعِبْك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفته، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا، ولا محكِمًا لسانك، بصيرًا بما عليك أو ما لك — عابك من أنت أقل عيبًا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.

فإن ابتُليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعصى عليك بعد إحالة الفكرة — فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياضَ يومِك، أو سوادَ ليلِك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق.

فإن تمنَّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال — فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع المحبة والشهوة، فهكذا هذا.

وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا؛ حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.

وبعدُ؛ فأنت ترى فيما قالوه أن حد البلاغة هو أن تجعل لكل مقام مقالًا؛ فتوجز حيث يحسن الإيجاز، وتُطنِب حيث يجمُل الإطناب، وتؤكد في موضع التوكيد، وتقدم أو تؤخر إذا رأيت ذلك أنسب لقولك وأوفى بغرضك، وتخاطب الذكي بغير ما تخاطب به الغبي، وتجعل لكل حال ما يناسبها من القول، في عبارة فصيحة، ومعنًى مختار.

ومن هنا عَرَّفَ العلماء «البلاغة» بأنها: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحة عباراته.

واعلم أن الفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفًا للألفاظ مع المعاني، وأن الفصاحة تكون وصفًا للكلمة والكلام، والبلاغة لا تكون وصفًا للكلمة، بل تكون للكلام، وأن فصاحة الكلام شرط في بلاغته، فكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا، كالذي يقع فيه الإسهاب حين يجب الإيجاز.

تمرين

بيِّن الحال ومقتضاه فيما يلي:

(١) هَناءٌ مَحَا ذاكَ العزاءَ المقدَّمافما عَبَسَ المحزونُ حتى تَبَسَّما
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «هناء محا ذاك العزاء المقدما»

(٢) تقول للراضي عن إثارة الحروب: «إن الحرب مَتْلَفة للعِباد، ذهَّابة بالطارِف والتِّلاد.»

(٣) يقول الناس إذا رأوا لصًّا أو حريقًا: «لصٌّ»، «حريقٌ».

(٤) قال تعالى: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا .

(٥) يقول راثي البرامكة:

أُصبتُ بسادة كانوا عيونًابهم نُسْقَى إذا انقطع الغَمام

(١) الحال هنا هو تعجيل المسرة، والمقتضى هو تقديم الكلمة الدالة على السرور، وهي كلمة «هناء».

(٢) الحال هنا هو إنكار الضرر من الحرب، والمقتضى هو توكيد الكلام.

(٣) الحال هنا هو ضيق المقام، والمقتضى هو الاختصار بحذف المسند إليه، والتقدير: هذا لص، هذا حريق.

(٤) الحال في أَشَرٌّ أُرِيدَ هو عدم نسبة الشر إلى الله تعالى، والمقتضى هو حذف الفاعل؛ إذ الأصل: أشر أراده الله بمن في الأرض؟

والحال في أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا هو نسبة الخير إلى الله تعالى، والمقتضى بقاء الفاعل من غير حذف «أي فعل الإرادة جاء مع الشر على صورة المبني للمجهول، ومع الرشد على صورة المبني للمعلوم، والحال الداعية إلى بناء الأول للمجهول «التأدب» في جانب الله تعالى بعدم نسبة الشر إليه صراحة، وإن كان الخير والشر مما قدره الله تعالى وأراده».

(٥) الحال هنا هو الخوف من «الرشيد» ناكب البرامكة، والمقتضى حذف الفاعل من أُصبت.

ملاحظات

(١) التنافر: يُعرف «بالذوق» السليم، والحس الصادق.

(٢) مخالفة القياس: تُعرف «بعلم الصَّرف».

(٣) ضعف التأليف والتعقيد اللفظي: يُعرفان «بعلم النحو».

(٤) الغرابة: تُعرف بكثرة «الاطلاع» على كلام العرب، والإحاطة بالمفردات المأنوسة.

(٥) التَّعقيد المعنوي: يُعرف «بعلم البيان».

(٦) الأحوال ومقتضياتها: تُعرف «بعلم المعاني».

(٧) خُلوُّ الكلام من أوجه التَّحسين التي تكسوه رقة ولطافة بعد رعاية مطابقته: يعرف «بعلم البديع».

فإذًا وجب على طالب البلاغة: معرفة اللغة، والصَّرف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، مع كونه سليم الذوق، كثير الاطلاع على كلام العرب، وصاحب خبرة وافرة بكتُب الأدب، ودراية تامة بعاداتهم وأحوالهم، واستظهار للجيد الفاخر من نثرهم ونظمهم، وعلم كامل بالنابغين من شعراء وخطباء وكُتَّاب ممَّن لهم الأثر البين في اللغة، والفضل الأكبر على اللسان العربي المبين.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.