تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

القسم الأول: في اللفظة المفردة

المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية

وهي تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: في اللفظة المفردة

اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء:

الأول منها: اختيار الألفاظ المفردة

وحكم ذلك اللآلئ المبدَّدَة، فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم.

الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها

لئلَّا يجيء الكلام قلقًا نافرًا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها.

الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه

وحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارةً يجعل إكليلًا على الرأس، وتارةً يجعل قلادة في العنق، وتارةً يجعل شنفًا في الأذن، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه.

فهذه ثلاثة أشياء، لا بُدَّ للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل المعتَمَد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر.

فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة.

وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة? ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة, يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار, حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها.

ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقَّ فهمه وجلَّ نظره.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ فاستعمل "الجوف" في الأولى, و"البطن" في الثانية، ولم يستعمل "الجوف" موضع "البطن"، ولا "البطن" موضع "الجوف"، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عددٍ واحد، ووزنهما واحد أيضًا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل.

ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل القرآن أحدهما في موضع الآخر

وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة:

نحن بنو الموت إذا الموتُ نزللا عار بالموت إذا حُمَّ الأجل

الموت أحلى عندنا من العسل

وقال أبو الطيب المتنبي:

إذا شئت حَفَّت على كل سابحٍرجالٌ كأنَّ الموت في فمها شهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

فهاتان لفظتان هما "العسل" و"الشهد"، وكلاهما حسن مستعمل, لا يُشَكُّ في حسنه واستعماله، وقد وردت لفظة "العسل" في القرآن، دون لفظة "الشهد"، لأنها أحسن منها، ومع هذا, فإن لفظة "الشهد" وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة "العسل" في بيت الأعرج.

وكثيرًا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها, كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ, ووضعها في مواضعها اللائقة بها.

واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق.

ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم -من حيث انفرادها- قد استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب.

وهل تشك أيها المتأمّل لكتابنا هذا إذا فكَّرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزيّة الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلّا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها.

فإن ارتَبْتَ في ذلك فتأمَّل, هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها, وأفردت من بين أخواتها, كانت لابسةً من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟

ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها.

وسأضرب لك مثالًا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلةً متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين،

أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.

وأمَّا بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي:

تلذُّ له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذُّ له الغرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن, فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها, وحسن موقعها في تركيب الآية.

فأنصف أيها المتأمّل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته.

وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرَّض للتنبيه عليه أحد قبلي.

وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام, فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: "تلذ له المروءة وهي تؤذي" ثم قال: "ومن يعشق يلذ له الغرام" فجاء بكلام مستأنف.

وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأُضِيف إليها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ، فجاءه جبريل ﵇ ورقاه، فقال: "باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك".

فانظر إلى السرّ في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها وحسنها.

ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى

عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلمَّا أضيفت الهاء إليها -وتسمَّى "هاء السكت"- أضافت إليها حسنًا زائدًا على حسنها، وكستها لطافةً ولباقة.

وكذلك ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فلفظة "لي" أيضًا مثل لفظة "يؤذي" وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضًا:

تمسي الأمانيُّ صرعى دون مبلغهفما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع, فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي الطيب:

ما أجدر الأيام واللياليبأن تقول مَالَه ومَالِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

فإن لفظة "لي" ههنا قد وردت بعد "ما", وقبلها "ما له", ثم قال: "وما لي", فجاء الكلام على نسقٍ واحد، ولو جاءت لفظة "لي" ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة.

وبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم.

وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت من شعر الفرزدق، فجاءت في القرآن حسنة، وفي بيت الشعر غير حسنة، وتلك اللفظة هي لفظة "القمل", أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. أما بيت الشعر فقول الفرزدق:

من عِزِّهِ احتجرت كليبٌ عندهزربًا كأنَّهم لديه القمَّل

وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت من الشعر؛ لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: آخرًا انقطع الكلام عندها.

وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصْنَا منه في بحر عميق لا قرار له.

فمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها قد تضمَّنت خمسة ألفاظ، وهي: الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم، فلمَّا وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قُدِّمَ منها لفظتا "الطوفان" و"الجراد"، وأُخِّرَت لفظة "الدم" آخرًا، وجعلت لفظة "القمل والضفادع" في الوسط، ليطرق السمع أولًا الحسن من الألفاظ الخمسة, وينتهي إليه آخرًا، ثم إن لفظة "الدم" أحسن من لفظتي "الطوفان" و"الجراد"، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرًا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية.

وقد ذكر من تقدَّمَني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئًا فخُولف فيه، وكذلك استقبح الآخر شيئًا فخولف فيه.

ولو حققوا النظر ووقفوا على السرِّ في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها.

وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنىً عن غيره، لكن لا بُدَّ أن نذكر ههنا تفصيلًا لما أجملناه هناك، لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها مركَّبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح.

وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذًا في السمع كان حسنًا، وإذا كان حسنًا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه.

وقد رأيت جماعةً من الجهال إذا قيل لأحدهم: إن هذه اللفظة حسنة, وهذه قبيحة, أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنًا!.

ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة "الغصن" ولفظة "العسلوج", وبين لفظة "المدامة" ولفظة "الإسفنط", وبين لفظة "السيف" ولفظة "الخنشليل", وبين لفظة "الأسد" ولفظة "الفدوكس", فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر في رحله, وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد, شوهاء الخلق, ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وشعر قطط كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاحٍ، وطرة كأنها ليل على صباح.

فإذا كان بإنسان من سُقْمِ النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب.

فإن عاند معاند في هذا وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها, ويفضلها على صورة الرومية التي وصفتها!

قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذِّ النادر الخارج عن الاعتدال، بل

نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصًا يحبَّ أكل الفحم مثلًا, أو أكل الجص والتراب, ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة, أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته, وهو محتاج إلى علاج ومداواة؟

ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتًا منكرًا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضًا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم.

ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، وفجاجة الذهن, بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا, هو الذي كان عند العرب مستحسنًا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحًا.

والاستعمال ليس بدليل على الحسن، فإنَّا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها, فإنه معذور في أن يقول ما قال:

لا يعرف الشوق إلا من يكابدهولا الصَّبَابة إلا من يعانيها
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لا يعرف الشوق إلا من يكابده»

ومع هذا, فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا, وهذا دليل على أنه حسن" قولٌ فاسد لا يصدر إلا عن جاهل، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات, إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة.

وأما الذي تقلّد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل, ونصب المفعول, وجر المضاف إليه, وجزم الشرط, وأشباه ذلك، وما عداه فلا.

وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيًّا إلى زيد دون عمرو, أو إلى عمرو دون زيد؛ لأنه وصف ذَوويّ لا يتغير بالإضافة.

ألا ترى أن لفظة "المزنة" مثلًا حسنة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، وهلمَّ جرَّا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة "البعاق"، فإنها قبيحة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، فإذا استعملها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجًا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها.

وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلّق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسهما إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغَّرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. وفي الذي ذكرناه ما لا حاجة إليه.

أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسَّمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيًّا، ورباعيًّا، وخماسيًّا.

والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد ما يكره استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددًا واستعمالًا.

وأمَّا الخماسي فإنه الأقل، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر.

وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفًا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يُخِلُّ بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية؛ كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود, وبين حركات المصدر في النطق،

كالغليان، والضربان، والنقدان، والنزوان، وغير ذلك من مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود.

ومن نظر في حكمة وضع اللغة إلى هذه الدقائق, التي هي كالأطراف والحواشي, فكيف كان يخل بالأصل المعوَّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض? على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ, وهل هي متباعدة أو متقاربة, لطال الخطب في ذلك وعَسُرَ، وما كان الشاعر ينظم قصيدًا, ولا الكاتب ينشئ كتابًا, إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير.

ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإن حاسَّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح.

وسأضرب لك في هذا مثالًا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ, وقيل لك: ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة? فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر إلى أن أعتبر مخارج حروفها, ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبيح، لصحَّ لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطًا في اختيار الألفاظ, وإنما شذَّ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج، فحسن الألفاظ إذن ليس معلومًا من تباعد المخارج، وإنما عُلِمَ قبل العلم بتباعدها.

وكل هذا راجع إلى حاسَّة السمع، فإذا استحسنت لفظًا أو استقبحته وُجِدَ ما تستحسنه متباعد المخارج, وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده.

على أنَّ هذه القاعدة قد شذَّ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب من المخارج ما هو حسن رائق.

ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمَّى ثلاثتها "الشجرية", وإذا تراكب منها شيء من الألفاظ جاء حسنًا رائقًا.

فإن قيل "جيش" كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل "شجي" كانت أيضًا لفظة محمودة، ومما هو أقرب مخرجًا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، وتسمَّى "الشفهية"، فإذا نُظِمَ منها شيء من الألفاظ كان جميلًا حسنًا، كقولنا: "فم"، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: "ذقته بفمي"، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها, وكلاهما حسن لا عيب فيه.

وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن لما كان سببًا للقبح، إذ هما ضدان لا يجتمعان.

فمن ذلك أنه يقال: "ملع"، إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق, واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا, فإن هذه اللفظة مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة.

وههنا نكتة غريبة، وهو أنَّا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها.

وما ندري كيف صار القبح حسنًا؟ لأنه لم يتغيِّر من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطًا، والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرًا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في "ملع" و"علم".

فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق، فإن ذلك انحدار وهذا صعود, والانحدار أسهل!.

فالجواب عن ذلك أني أقول: ولو استمرَّ لك هذا لصحَّ ما ذهبت إليه، لكنَّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق, أو من وسط اللسان, أو من آخره إلى الحلق, لا يتغير، كقولنا: "غلب"، فإن الغين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار "بلغ"، وكلاهما حسن مليح.

وكذلك تقول: "حلم" من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت "ملح"، على وزن فَعُلَ -فتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضًا حسن مليح.

وكذلك تقول: "عقر" و"رقع"، و"عرف" و"فرع"، و"حلف" و"فلح"

و"قلم" و"ملق" و"كلم" و"ملك"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئًا كثيرًا تضيق عنه هذه الأوراق.

ولو كان ما ذكرته مطَّردًا لكنَّا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحًا، وليس الأمر كذلك.

وأمَّا ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربيّ فليس ذلك مما يوجب حسنًا ولا قبحًا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ, فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟

وأمَّا تصغير اللفظة فيما يعبَّر به عن شيء لطيف أو خفيٍّ أو ما جرى مجراه, فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإنَّ المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، وما من كتاب نحوٍ إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا, فإن صاحب هذه الصناعة مخيَّر في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير, وإن شاء بمعناه كقول بعضهم:

لو كان يخفى على الرحمن خافيةٌمن خلقه خفيت عنه بنو لبد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إن الفؤاد للبائن الغرد»

فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغِّر من هؤلاء القوم, ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير, ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا? فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها.

وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها.

فمنها ألا تكون الكلمة وحشيةً.

"الوحشي":

وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن.

والآخر: غريب قبيح.

وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا،

بل أن يكون نافرًا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنًا, وتارة يكون قبيحًا.

وعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشيِّ -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات.

وأما القسم الآخر من الوحشيّ -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي بادٍ, ولا قروي متحضر.

وأحسن الألفاظ ما كان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلا لمكان حسنه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونَقَّبُوا عنها، ثم عَدَلُوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضًا يتفاوت في درجات حسنه.

فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان, وقسم قبيح.

فالقسمان الحسنان:

أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشيّ.

والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشيّ، وقد تضمَّن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها "غريب القرآن"، وكذلك تضمَّن الحديث النبويّ منه شيئًا، وهو الذي يطلق عليه "غريب الحديث".

وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف, فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ؟ فهل في لفظة "ضيزى" من الحسن ما يوصف?

فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارًا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلَّهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون, وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة "ضيزى" فإنِّها لا يَسُدُّ غيرها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء، فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وكذلك إلى آخر السورة, فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها.

وإذا نزلنا معك أيُّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها, ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة.

وسأبيِّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة, قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة, ولا شكَّ أن "جائرة" أو "ظالمة" أحسن من "ضيزى"، إلّا أنَّا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة, لم يكن النظم كالنظم الأول, وصار الكلام كالشيء المعوَّز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام.

فلمَّا سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحامًا، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيًا، ويقولون ما يقولونه جهلًا, وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم.

وحيث انتهى القول إلى ههنا, فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمَّى "وحشيًّا" فقط، بل يسمَّى "الوحشيّ" الغليظ، وسيأتي ذكره.

وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلًا سلسًا, وما تضمَّنه من الكلمات الغريبة يسير جدًّا.

هذا, وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا، وكفى به قدوةً في هذا الباب، قال النبي ﷺ: "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن, وهي السبع المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ, يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه.

وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة.

وأمَّا ما ورد من اللفظ الوحشيّ في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ, قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستخيل الجهام، في أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات

العسلوج، وهلك الهَديّ وفاد الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر, وقام تعار، ولنا نعم همل أغفال، ما تبضُّ ببلال، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل، أصابتنا سنيةٌ حمراء مؤزلة ليس لها عللٌ ولا نهل.

فقال رسول الله ﷺ: "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها، وابعث راعيها الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد, ومن أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة, ولا تتثاقل عن الصلاة".

وكتب معه كتابًا إلى بني نهد: "من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض

والفريش وذو العنان الركوب والفلوّ الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة".

وفصاحة رسول الله ﷺ لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابًا لمن يخاطبه بمثلها, كهذا الحديث وما جرى مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولًا بين العرب، ولكنه ﷺ لم يستعمله إلا يسيرًا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح.

وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيًّا لعدم الاستعمال.

فلا تظنّ أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله, فتارةً يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارةً يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة.

وذلك في اللفظ عيبان:

أحدهما: أنه غريب الاستعمال.

والآخر: أنه ثقيل على السمع, كريه على الذوق.

وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى

"الوحشي الغليظ"، ويسمَّى أيضًا "المتوعِّر"، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفنِّ أصلًا.

فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ?

قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به.

وسأضرب لك في ذلك مثالًا، فمنه ما ورد لتأبَّط شرًّا في كتاب الحماسة:

يظل بموْمَاةٍ ويمسي بغيرهاجحيشًا ويَعْرَوْرِي ظهور المسالك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

فإن لفظة: "جحيش" من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويالله العجب! أليس أنها بمعنى "فريد"، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع "جحيش" لما اختلَّ من وزنه.

فتأبط شرًا ملوم من وجهين في هذا الموضع:

أحدهما: أنه استعمل القبيح.

والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها.

ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله:

قد قلت لما اطلخمَّ الأمر وانبعثتعشواء تليةٌ غبسًا دهاريسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحيا حشاشة قلب كان مخلوسا»

فلفظة: "اطلخمَّ" من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة, وأنها غليظة في السمع, كريهة على الذوق، وكذلك لفظة "دهاريس" أيضًا.

وعلى هذا ورد قوله من أبياتٍ يصف فرسًا من جملتها:

نعم متاع الدنيا حباك بهأروع لا جيدرٌ ولا جبس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هل أثر من ديارهم دعس»

فلفظة "جيدر" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي:

جفخت وهم لا يجفخون بها بهمشيمٌ على الحسب الأغرِّ دلائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فإن لفظة "جفخ" مرة الطعم، وإذا مرَّت على السمع اقشعرَّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبَّط شرًّا لفظة "جحيش"، فإن تأبط شرًّا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدَّم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي "جفخت", فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: "جفخ فلان"، إذا فخر، ولو استعمل عوضًا عن "جفختفخرت" لاستقام وزن البيت, وحظي في استعماله بالأحسن.

وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟!

وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشيّ اللفظ, الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه.

والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ, وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضريّ فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أشدّ ملامة من الآخر.

على أنَّ هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، فإني

وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ولربما أنكره بعد ذلك, إما عنادًا وإما جهلًا، لعدم الذوق السليم عنده.

فمن ذلك قول الفرزدق:

ولولا حياءٌ زدت رأسك شجةًإذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بهاتشبه ولو بين الخماسيّ والطفل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «رفعت لهم صوت المنادي فأبصروا»

فقوله: "شرنبثة" من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها.

وكذلك وردت لفظة "مشمخر" فإنَّ بشرًا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه الأسد، فقال:

وأطلقت المهند عن يمينيفقد له من الأضلاع عشرا
فخرَّ مضرجًا بدمٍ كأنيهدمت به بناءً مشمخرَّا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أفاطم لو شهدت ببطن خبت»

وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال:

مشمخرٌ تعلو له شرفاتٌرفعت في رءوس رضوى وقدس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»

فإن لفظة "مشمخر" لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها

أهوال يوم القيامة، فقال: "اقمطرَّ وبالها، واشمخرَّ نكالها" فما طابت ولا ساغت".

ومن هذا الأسلوب لفظة "الكنهور" في وصف السحاب كقول أبي الطيب:

يا ليت باكيةً شجاني دمعهانظرت إليك كما نظرت فتعذرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
وترى الفضيلة لا ترد فضيلةًالشمس تشرق والسحاب كنهورا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

فلفظة "الكنهور" لا تعاب نظمًا، وتعاب نثرًا.

وكذلك يجري الأمر في لفظة "العرمس", وهي اسم الناقة الشديدة، فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضًا:

ومهمهٍ جبته على قدميتعجز عنه العراميس الذلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ولا ساغت, وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام كقوله:

هي العرمس الوجناء وابن ملمَّةٍوجأشٌ على ما يحدث الدهر خافض

وكذلك ورد قوله أيضًا:

يا موضع الشدنية الوجناء

فإن " الشَّدنية" لا تعاب شعرًا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها.

وعلى هذا, فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور.

وذلك شيء استنبطته، واطَّلعت عليه كثرة ممارستي لهذا الفن، ولأنَّ الذوق الذي عندي دَّلني عليه، فمن شاء فليقلدني فيه، وإلّا فليدمن النظر حتى يطَّلع على ما اطَّلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت!

وقد رأيت جماعةً من مدَّعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلامًا وحشيًّا غامض الألفاظ يعجبون به, ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا الغموض والخفاء.

وسأبيِّن لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول: الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه.

فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك.

وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق, وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك.

ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًّا متوعرًا، عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل: أن يكون متينًا على عذوبته في الفم, ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكًا سفسفًا، وإنما هو اللطيف الرقيق

الحاشية الناعم الملمس؛ كقول أبي تمام:

ناعمات الأطراف لو أنها تلــبس أغنت عن الملاء الرقاق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيها البرق بت بأعلى البراق»

وسأضرب لك مثالًا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول:

انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئًا من ذلك وحشي الألفاظ، ولا متوعرًا.

ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فإنَّك لا ترى شيئًا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفًا.

فمثال الأول, وهو الجزل من الألفاظ, قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.

فتأمَّل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله, وذكر النار والجنة, وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة؟

وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.

وأما مثال الثاني: وهو الرقيق اللفظ, فقوله تعالى في مخاطبة النبي ﷺ: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخر السورة.

وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقَّة، وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد نثرًا، ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفوَ عن دم أبيه، فقال له:

"إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر, وما تحدثه أيامه, وتنتقل به أحواله, بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب, ولك من سؤدد منصبك, وشرف أعراقك, وكرم أصلك في العرب محتد، يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة, ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك, فوجدت عندك من فضيلة الرأي, وبصيرة الفهم, وكرم الصفح, ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمَّت رزيته بزارًا واليمن, ولم تخصص بذلك كندة دوننا, للشرف البارع الذي كان لحجر، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث:

إمَّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقُدْنَاه إليك بنسعةٍ تذهب شفرات حسامك بباقي قصرته، فنقول: رجل امتُحِنَ بهالك عزيز, فلم يستلّ سخيمته إلّا تمكينه من الانتقام.

أو فداءٌ بما يروح على بني أسد من نَعَمِها, فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداءً رجعت به القصب إلى أجفانها, لم يُرَدِّدْها تسليط الإحن على البراء.

وإمَّا أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأُزر، وتُعْقَد الخمر فوق الرايات".

فبكى امرؤ القيس ساعة, ثم رفع رأسه فقال:

"لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة, فأكتسب به سُبَّة الأبد، وفتَّ العضد.

وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنَّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا, وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقًا، وفوق الأسنة علقًا:

إذا جالت الحرب في مأزقٍتصافح فيه المنايا النُّفُوسَا

أتقيمون أم تنصرفون?".

قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية, وحرب وبلية".

ثم نهضوا عنه, وقبيصة يتمثَّل:

لعلك أن تَسْتَوْخِمَ الورد إن غَدَتْكتائبنا في مأزق الحرب تمطر

فقال امرؤ القيس: "لا والله! ولكن أستعذبه، فرُوَيْدًا ينفرج لك دجَاهَا من

فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكرٌ غير هذا بي أَوْلَى، إذ كنت نازلًا بربعي، ولكنك قلت فأجبت, فقال امرؤ القيس: هو ذاك.

فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمِّقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ, فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء.

وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة.

وإذا تصَّفحْتَ أشعارهم أيضًا وجدت الوحشيَّ من الألفاظ قليلًا بالنسبة إلى المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموءل بن عاديا، وهي:

إذا المرء لم يَدْنَس من اللوم عرضهفكل رداءٍ يرتديه جميل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثناء سبيل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»
تُعَيِّرُنَا أنَّا قليلٌ عديدنافقلت لها إنَّ الكرام قليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
وما ضَرَّنَا أنَّا قليلٌ وجارناعزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
يقرب حُبُّ الموت آجالنا لناوتكرهُه آجالهم فتطول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»
وما مات منَّا سيدٌ حتف أنفهولا طُلَّ منَّا حيث كان قتيل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
علونا إلى خير الظهور وحطنالوقتٍ إلى خير البطون يزول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»
فنحن كماء المزن ما في نصابناكَهَامٌ ولا فينا يُعَدُّ بخيل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
إذا سيدٌ منَّا خلا قام سيدٌقئولٌ لما قال الكرام فعول
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
وأيامنا مشهورةٌ في عدونالها غررٌ مشهورةٌ وحجول
وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍبها من قراع الدارعين فلول
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
مُعَوَّدَةٌ إلّا تسلَّ نصالهافتُغْمَد حتَّى يُسْتَبَاح قتيل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «مباضع إسحاق الطبيب كأنها»

فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زُبَرًا من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة.

وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرِّقَّة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول عروة بن أذينة:

إن التي زعمت فؤادك ملهاخُلِقَت هواك كما خُلِقتَ هوىً لها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»
بيضاء باكرها النعيم فصاغهابلباقةٍ فأدقَّها وأجلها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»
حجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي:ما كان أكثرها لنا وأقلها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍشفع الضمير إلى الفؤاد فسلَّها
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «إنَّ التي زَعَمَتْ فُؤَادَكَ مَلَّها»

وكذلك ورد قول الآخر:

أقول لصاحبي والعيس تهويبنا بين المنيفة فالضَّمار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
تمتَّع من شميم عرار نجدٍفما بعد العشيَّة من عرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
ألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍوَرَيَّا روضه غِبَّ القطار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
وأهلك إذ يحلُّ الحيُّ نجدًاوأنت على زمانك غير زار
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
شهورٌ ينقضين وما شعرنابأنصافٍ لهنَّ ولا سرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
فأمَّا ليلهنَّ فخير ليلٍوأطيب ما يكون من النهار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

ومما ترقص الأسماع له، ويرنُ على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في محبوبته من جرم:

بنفسي مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بنانهعلى كبدي كانت شفاءً أنامله
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «لو أنك شاهدت الصبا يا ابن بوزل»
ومن هَابَني في كل شيءٍ وهبْتُهفلا هو يعطيني ولا أنا سائله
للشاعر محمود قابادو، من قصيدة «إليك وإلا فادر من أنت جاهله»

وإذا كان هذا قول ساكنٍ في الفلاة لا يرى إلّا شيحةً أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضبًّا أو يربوعًا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقَّة العيش، يتعاطون وحشيّ الألفاظ، وشظَفَت العبارات ولا يخلد إلى ذلك إما جاهل بأسرار الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد ممن شدا شيئًا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، وذاك أنَّه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقَّفه من أربابها، وأما الفصيح المتَّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدَرَ عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه.

فإن مارى في ذلك مُمارٍ فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممَّن كان مشارًا إليه، حتى يعلم صحَّة ما ذكرته: هذا ابن دُرَيْد، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت

إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطًّا، مع أنَّ أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه.

هذا العباس بن الأحنف، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كممرّ نسيم على عذبات أغصان, وكلؤلؤات طلّ على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة, فمن ذلك قوله:

وإنِّي ليرضيني قليل نوالكموإن كان لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكممن الود إلّا عدتم بجميل

وهكذا ورد قوله في "فوز" التي كان يشبب في شعره:

يا فوز، يا منية عباسقلبي يُفَدَّي قلبك القاسي
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز يا منية عباس»
أسأت إذ أحسنت ظنِّي بكموالحزم سوء الظنِّ بالناس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز يا منية عباس»
يقلقني شوقي فآتيكموالقلب مملوءٌ من الياس

وهل أعذب من هذه الأبيات, وأعلق بالخاطر, وأسرى في السمع? ولمثلها تخف رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخَّر السوابق عند الرهان، ولم أجرها بلساني يومًا إلّا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي:

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍأراه غُبَاري ثُمَّ قال له الحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة, قريبة بعيدة! وهذا أبو العتاهية، كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك موجودون

كثيرًا, وكانت مدائحه في المهديّ بن المنصور، وإذا تأمَّلت شعره وجدته كالماء الجاري: رقة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واهٍ.

وكذلك أبو نواس، وبهذا قُدِّم على شعراء عصره, وناهيك بعصره وما جمعه من فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه.

ويحكى أنَّ أبا نواس جلس يومًا إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى الماء، فلمَّا شرب قال:

عَذُبَ الماء وطابا

م قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي العتاهي فقال: ما شأنكم مجتمعين? فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس:

عَذُبَ الماء وطابا

فقال أبو العتاهية:

حبَّذا الماء شرابا

فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبثٍ.

وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ, وسأورد منه ههنا شيئًا يُسْتَدَلُّ به على سلاسة طبعه، وترويق خاطره.

فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهديّ، ويشبب فيها بجاريته "عتب":

ألا ما لسيدتي ما لهاتُدِلُّ فاحمل إدلالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»
ألا إن جارية للإمام قد سكن الحسن سربالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»
لقد أتعب الله قلبي بهاوأتعب في اللوم عذَّالها
كأن بعيني في حيثماسلكت من الأرض تِمثالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»

فلما وصل إلى المديح قال من جملته:

أتته الخلافة منقادةًإليه تجرر أذيالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»
فلم تك تصلح إلا لهولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحدٌ غيركلزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوبلما قبل الله أعمالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»

ويحكى أن بشارًا كان شاهدًا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلمَّا سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده? يريد: هل زال عن سريره طربًا بهذا المديح؟

ولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره.

وقد أشرت إلى ذلك فما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر "الاستعارة"، فليؤخذ من هناك.

واعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلًا ومديحًا, وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا, فإنك تراها من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات.

وهذا هو الكلام الذي يسمَّى "السهل الممتنع"، فتراه يطمعك، ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب.

وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذنٍ!

وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت

وكانت في زمن العرب العاربة, فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحَضَر?

وبعد هذا, فاعلم أنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر.

فالألفاظ الجزلة تُتَخَيَّل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار.

والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي رماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج.

ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد, وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبغات, وقد تحلَّيْن بأصناف الحلي.

وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالًا مناسبة.

واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والعين، فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها.

والناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأَنْ ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة, فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجُّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تَمَّام في قصيدته الثائية التي مطلعها:

قف بالطلول الدَّارسات علاثا

وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها:

مبيتي من دمشق على فراش

وكما فعل ابن هانئ المغربي في قصيدته الخائية التي مطلعها:

سرى وجناح الليل أقتم أفتخ

والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة.

وأمَّا الناثر فإنه أقرب حالًا من الناظم؛ لأنَّ غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة.

فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئًا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظًا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع, والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدًّا، ولا يصاغ منه إلّا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصَّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعًا كريهًا.

على أنَّ هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدَّها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإنَّ الأمر فيهنَّ أقرب حالًا.

وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن يُنْعِمَ نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم، فليعرفه وليقف عنده!

المبتذل من الألفاظ:

ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة.

وذلك ينقسم قسمين:

الأول: ما كان من الألفاظ دالًّا على معنى وُضِعَ له في أصل اللغة, فغيَّرته العامة وجعلته دالًّا على معنى آخر، وهو ضربان:

الأول: ما يُكْرَهُ ذكره، كقول أبي الطيب:

أذاق الغواني حسنه ما أذقننيوعفَّ فجازاهنَّ عني بالصرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

فإن [معنى] لفظة "الصرم" في وضع اللغة هو القطع، يقال: "صرمه" إذا قطعه، فغيَّرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادًا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكنَّ المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا: "صرمه" و"صرمته" و"تصرَّمه" فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك.

وهذا الضرب المشار إٍليه لا يعاب البدوي على استعماله، كما يعاب المحتضر؛ لأنَّ البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرَّفت العامَّة فيها كما تصرَّفت في زمن المحتضرة من الشعراء، فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة "الصرم" وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المبتدئ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي:

قد كان صرمٌ في الممات لنافعجلت قبل الموت بالصرم
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة

فإنَّ هذا لا يعاب على أبي صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدَّم ذكره.

وقد صنَّف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابًا في هذا الفن، ووسمه بـ"إصلاح ما تغلط فيه العامة"، فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكر استعماله لكراهته؛ ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان.

وأما الضرب الثاني:

وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى, فجعلته العامة دالًّا على غيره، إلّا أنه ليس بمستقبَحْ ولا مستكره.

وذلك كتسميتهم الإنسان "ظريفًا" إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، "والظرف" في أصل اللغة مختَصٌّ بالنطق فقط.

وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو: الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر.

فالظرف إنما يتعلَّق بالنطق خاصَّة، فغيَّرته العامَّة عن بابه, ومِمَّن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال:

اختصم الجود والجمالفيك فصارا إلى جدال
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «اختصم الجود والجمال»
فقال هذا يمينه ليللعرف والبذل والنوال
وقال هذاك وجهه ليللظرف والحسن والكمال
فافترقا فيك عن تراضٍكلاهما صادق المقال
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «اختصم الجود والجمال»

وكذلك غلط أبو تمام، فقال:

لك هضبة الحلم التي لو وازنتأجَأ إذن ثقُلَت وكان خفيفًا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»
وحلاوة الشَّم التي لو مازجتخلق الزمان الفدم عاد ظريفًا

فأبو نواس غلط ههنا في أنَّه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضًا، إلّا أنَّ هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحًا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة.

القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن وضعه:

وإنما أنكر استعماله؛ لأنه مبتذل بينهم، لا لأنَّه مستقبح، ولا لأنَّه مخالف لما وضع له.

وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارةً عمَّا يكثر تداوله بين العامة, فإن

من الكثير المتداول بينهم ألفاظًا فصيحة، كالسماء، والأرض، والنار، والماء، والحجر، والطين، وأشباه ذلك.

وقد نطق القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظمًا ونثرًا.

والذي ترجَّح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامَّة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي:

وملمومةٌ سيفيَّةٌ ربعيةٌيصيح الحصى فيها صياح اللقالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

فإن لفظة "اللقالق" مبتذلة بين العامة جدًّا، وكذلك قوله:

ومن الناس من يجوز إليهمشعراء كأنها الخازباز

وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة "البرسام" الذي ذكره في شعره حيث قال:

إن بعضًا من القريض هراءٌليس شيئًا وبعضه أحكام
فيه ما يجلب البراعة والفهموفيه ما يجلب البرسام

ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفًا.

وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلُّ ومنهم المكِْثرُ، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلّا أنه في أشعارها أقلَّ, فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها:

من آل مية رائحٌ أو مغتديأو دميةٍ في مرمرٍ مرفوعةٍ
بنيت بآجرٍ يشاد بقرمدفلفظة "آجر" مبتذلة جدًّا

وإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر "الآجر" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ "القرمد" أيضًا، ولا بلفظ "الطوب" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ فعبَّر عن الآجر بالوقود على الطين.

ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها:

عرفت بأعشاش وما كدت تعزف

وأصبح مبيض الضريب كأنهعلى سروات النيب قطن مُنَدَّف

فقول: "مندَّف" من الألفاظ العامية، ومن هذا القسم قول البحتري:

وجوه حسَّادك مسودَّةأم صُبِغَتْ بعدي بالزاج
للشاعر البحتري، من قصيدة «مخبرتي برقة أحواج»

فلفظة: "الزَّاج" من أشدِّ ألفاظ العامَّة ابتذالًا.

وقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرًا، كقوله:

يا من جفاني وملانسيت أهلًا وسهلا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من جفاني وملا»
ومات مرحب لمارأيت مالي قلا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من جفاني وملا»
إني أظنك فيمافعلت تحكي القرلّى

وكقوله:

وأنمر الجلدة صيَّرتهفي الناس زاغًا وشقرَّاقا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأنمر الجلدة صيرته»
ما زلت أجري كلكي فوقهحتى دعا من تحته قاقا

وكقوله:

وملحة بالعذل تحسب أننيبالجهل أترك صحبة الشطار

وقد استعمل لفظة "الشاطروالشاطرةوالشطار" كثيرًا، وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها.

وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها.

ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره، وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح.

فأمَّا إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ألَا ترى أن لفظة "التعزيز" مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام, وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها, فخصت معناها بالحسن، وميزته عن القبيح. ولو وردت مهملة بغير قرينة, وأريد بها المعنى الحسن لَسَبَق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح.

مثال ذلك: لو قال قائل: لقيت فلانًا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانًا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس.

واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجئ معه لما استقبح، كقول الشريف الرضي:

أعزر علي بأن أراك وقد خلا

عن جانبيك مقاعد العواد

وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه, فقال: إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا سيِّمَا وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به، هذا حكاية كلامه، وهو مرضي واقع في موقعه.

ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا

مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾

ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر.

ولو قال الشاعر بدلًا من "مقاعد العوادمقاعد الزيارة"، أو ما جرى مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي.

وعلى هذا ورد قول تأبَّط شرًّا:

أقول للحيان وقد صفرت لهموطابي ويومي ضيق الجحر معور
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إذَا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ»

فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن "الجحر" يطلق على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملًا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره.

ومن ههنا ورد قول النبي ﷺ: "المؤمن لا يلسع من حجرٍ مرتين" وحيث قال: "يلسع" زال اللبس؛ لأنَّ اللسع لا يكون إلا للحيَّة وغيرها من ذوات السموم.

وأما ما ورد مهملًا بغير قرينة فقول أبي تمام:

أعطيت لي دية القتيل وليس ليعقلٌ ولا حقٌ عليك قديم

فقوله: "ليس لي عقل" يظنَّ أنه من "عقل الشي" إذا علِمَه، ولو قال: "ليس لي عليك عقل" لزال اللبس.

فيجب إذًا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع, وهو من جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة.

عدد حروف الكلمة:

ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلَّفة من أقلِّ الأوزان تركيبًا, وهذا مما ذكره ابن سنان في كتابه, ثم مثَّله بقول أبي الطيب المتنبي:

إن الكرام بلا كرامٍ منهممثل القلوب بلا سويداواتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

وقال: إن لفظة "سويداواتها" طويلة، فلهذا قبحت.

وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت -وهي مفردة- حسنة، فلمَّا جمعت قَبُحَت، لا بسبب الطول.

والدليل على ذلك أنَّه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة.

ولو كان الطول مما يوجب مما يوجب قبحًا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك.

ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة "سويداواتها". الهاء والألف اللتين هما عوض عن

الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف؟، ومع هذا فإنها قبيحة, ولفظة "ليستخلفنهم" عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنها حسنة رائقة.

والأصل في هذا الباب ما أذكره: وهو أنَّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلّا في الثلاثي, وفي بعض الرباعي؛ كقولنا: "عذب" و"عسجد". فإن هاتين اللفظتين إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، لا يكاد يوجد منه شيء حسن، كقولنا: "جحمرش"، و"صهصلق"، وما جرى مجراهما.

وكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان الَّلفظتان حسنتين, واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأنَّ تلك تسعة أحرف وعشرة, وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلّا ما كان من اسم نبي عُرِّبَ اسمه ولم يكن في الأصل عربيًّا نحو: "إبراهيم" و"إسماعيل".

ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلَّفة من حروف يثقل النطق بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال:

غدائره مستشزرات إلى العلاتضل المدارى في مثنًّى ومرسل

فلفظة "مستشزرات" مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا: "مستنكرات" أو "مستنفرات" على وزن "مستشزرات" لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة.

ولربَّما اعترض بعض الجهَّال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها.

وليس الأمر كذلك، فإنَّا لو حذفنا منها الألف والتاء قلنا: "مستشزر" لكان ذلك ثقيلًا أيضًا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، وإلّا فلو جعلنا عوضًا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا "مستشرف" لزال ذلك الثقل.

ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، فأكبر ذلك، لوقوفه مع شهرة التقليد في أنَّ امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك, فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة الطيب حاميةً للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك.

وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنَّا إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهنَّ مكانًا، وأحسنهنَّ وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك? وقد جاءت آخرًا, فنفت القبيح من اللغات قبلها, وأخذت الحسن? ثم إن واضعها تصرَّف في جميع اللغات السالفة فاختصر ما اختصر، وخفَّف ما خفَّف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني "كوميل" ممالًا على وزن "فوعيل"، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقيل المستبشع، وقال: "جمل"، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة, ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به.

خفة الحركات:

ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيَّة من حركات خفيفة، ليخفَّ النطق بها، وهذا الوصف يترتَّب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة, فإنه إذا توالى منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت.

ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو, والكسرة على الياء؛ لأن الضمَّة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان.

ولنمثِّلْ لك مثالًا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنَّا نقول: إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف, وهي -ج ز ع, فإذا جعلنا الجيم مفتوحة قلنا: "الجزع", أو مكسورة قلنا: "الجِزع", كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: "الجُزع"، وكذلك إذا والينا حركة الفتح قلنا: "الجَزَع" كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم عند قولنا: الجُزُع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرًا لمخارج حروفها, حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج, بل وجدناها تارة تكسى حسنًا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها.

واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية, وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد قول أبي تمام:

نفسٌ يحتَثُّه نَفَسودموع ليس تحتبس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نفس يحتثه نفس»
ومغانٍ للكرى دُثُرٌعُطُلُ من عهده دُرُسُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نفس يحتثه نفس»
شهرت ما كنت أكتمهناطقاتٌ بالهوى خُرُسُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نفس يحتثه نفس»

فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة كلها مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها؟

وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلًا، فإذا شذَّ عن ذلك شيء يسير، لا ينقض الأصل المقيس عليه.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.