من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
أنموذج لسرقات الشعراء منه
قال المتنبي:
وقد أخذ التمام البدر فيهموأعطاني من السقم المحاقا
أخذ أبو الفرج الببغاء فلطفه وقال:
أوليس من إحدى العجائب أننيفارقته وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدر عند تمامهارحم فتى يحكيه عند محاقه
وقال أبو الطيب:
قد علم البين منا البين أجفاناتدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
أخذ المهلبي الوزير وقال:
تصارمت الأجفان منذ صرمتنيفما تلتقي إلا على عبرة تجري
وقال أبو الطيب وهو من قلائده:
وكنت إذا يممت أرضاً بعيدةسريت فكنت السر والليل كاتمه
أخذ الصاحب وقال:
تجشمتها والليل وحف جناحهكأني سر والظلام ضمير
وقال أبو الطيب، وهو أيضاً من قلائده:
لبس الوشي لا متجملاتولكن كي يصن به الجمالا
أغار عليه الصاحب لفظاً ومعنى فقال:
لبسن برود الوشي لا لتجملولكن لصون الحسن بين برود
وإنما فعل ببيتيه ما فعل أبو الطيب ببيت العباس بن الأحنف:
والنجم في كبد السماء كأنهأعمى تحير ما لديه قائد
فقال:
ما بال هذي النجوم حائرةكأنها العمي ما لها قائد
وهذه مصالتة لا سرقة وهي مذمومة جدا عند النقدة.
وقال أبو الطيب، وهو من فرائده:
سقاك وحيانا بك الله، إنماعلى العيس نور والخدور كمائمه
أخذه السري بن أحمد، قال ابن جني: أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد، وهي قوله:
حيا به الله عاشيقه فقدأصبح ريحانة لمن عشقا
ولم أجد أنا هذه القصيدة في ديوان شعره، والبيت نهاية في العذوبة وخفة الروح،
والسري كثير الأخذ من أبي الطيب في مثل قوله:
وخرق طال فيه السير حتىحسبناه يسير مع الركاب
وهو مأخوذ من قول أبى الطيب:
يخدن بنا في جوزه وكأنناعلى كرة أو أرضه معنا سفر
وقال السري:
وأحلها من قلب عاشقها الهوىبيتا بلا عمد ولا أطناب
وهو من قول أبى الطيب:
هام الفؤاد بأعرابية سكنتبيتا من القلب لم تضرب به طنبا
وقال السري:
وأنا الفداء لمن مخيلة برقهعندي وعند سواي من أنوائه
وإنما ألم بقول أبى الطيب:
ليت الغمام الذي عندي صواعقهيزيلهن إلى من عنده الديم
وقال أبو الطيب، وهو من قلائده:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
وقال أيضاً:
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذهب الرغام
أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين، وهما قريب من قريب، فقال:
فديتك ما بدالي قصد حرسواك من الورى إلا بدالي
وأنك منهم وكذاك أيضاًمن الماء الفرائد واللآلي
وتسكن دراهم ودارهم وكذاك سكنيالحجارة والزمرد في الجبال
وهذا معنى قد اخترعه المتنبي، وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال:
فإن يك سيار بن مكرم انقضىفإنك ماء الورد إن ذهب الورد
وقال:
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرهافإن في الخمر معنى ليس في العنب
ألم به أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب فقال:
أبوك حوى العليا وأنت مبرزعليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثلهوفي النار نور ليس يوجد في الزند
وخير من القول المقدم فاعترفنتيجته والنحل يكرم للشهد
وقال أيضاً:
أبوك كريم غير أنك سابقمداه بلا ضيم عليه ولا ذيم
فلا يعجبن الناس مما أقولهوأقضى به فالغيث أندى من الغيم
وقال أبو الطيب:
وصرت أشك فيمن أصطفيهلعلمي أنه بعض الأنام
أخذه أبو بكر الخوارزمي فقال:
قد ظلمناك بحسن الظنيا بعض الأنام
وقال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شيبتهفسرهم وأتيناه على الهرم
أخذه أبو الفتح وحسنه فقال:
لا غرو إن لم تجد في الدهر مخترفافقد أتيناه بعد الشيب والخرف
وقال أبو الطيب:
هما الغرض الأقصى، ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا، وأنت الخلائق
امتثله أبو الحسن السلامي فقال:
وبشرت آمالي بملك هو الورىودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر
وقال أبو الطيب:
لم تزل تسمع المديح ولكنصهيل الجياد غير النهاق
أخذه أبو القاسم الزعفراني ولطفه جداً فقال:
وتغنيك في النداء طيورأنا وحدي ما بينهن الهزار
وإذ قد ذكرت أنموذجا من سرقات الشعراء منه، فلا بأس أن أذكر سرقات من الشعراء، سوى ما أورده القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) فشفى وكفى وبالغ فأوفى، وسوى ما مر ويمر منها في أماكنها من فصول هذا الكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع