من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل على أَن تَصْغِير دويهية للتعظيم فَإِنَّهُ أَرَادَ بهَا الْمَوْت وَلَا داهية أعظم مِنْهَا
والتصغير غير مُنَاسِب لذكر الْمَوْت. وَالدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بهَا الْمَوْت كَقَوْلِه: تصفر مِنْهَا الأنامل. وَالْمرَاد من الأنامل الْأَظْفَار فَإِن صفرتها لَا تكون إِلَّا بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد: إِذا مَاتَ الرجل أَو قتل اصْفَرَّتْ أنامله واسودت أظافره. وَلم يرتضه الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فَإِنَّهُ قَالَ: قيل مَجِيء التصغير للتعظيم فَيكون من بَاب الْكِنَايَة يكنى بالصغر عَن بُلُوغ الْغَايَة فِي الْعظم لِأَن الشَّيْء إِذا جَاوز حَده جانس ضِدّه. وقريبٌ مِنْهُ قَول الشَّاعِر:
وكل أناسٍ سَوف تدخل بَينهمدويهيةٌ تصفر مِنْهَا الأنامل
ورد بِأَن تصغيرها على حسب احتقار النَّاس لَهَا وتهاونهم بهَا إِذْ المُرَاد بهَا الْمَوْت أَي: يجيئهم مَا يحتقرونه مَعَ أَنه عَظِيم فِي نَفسه تصفر مِنْهُ الأنامل. وَاسْتدلَّ أَيْضا بقوله:
فويق جبيلٍ سامق الرَّأْس لم تكنلتبلغه حَتَّى تكل متعملا
ورد بتجويز كَون المُرَاد دقة الْجَبَل وَإِن كَانَ طَويلا وَإِذا كَانَ كَذَا فَهُوَ أَشد لصعوده. اه.
وَكَذَلِكَ الجاربردي لم يرتضه وأوله بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التصغير فِيهِ لتقليل الْمدَّة. وَثَانِيهمَا: بِأَن المُرَاد أَن أَصْغَر الْأَشْيَاء قد يفْسد الْأُمُور العظائم فحتف النُّفُوس قد يكون بِالْأَمر الصَّغِير الَّذِي لَا يؤبد بِهِ. وَقَالَ الفالي فِي شرح اللّبَاب: هَذَا على الْعَكْس كتسمية اللديغ سليما ونظائره إطلاقاً لاسم الضِّدّ على الضِّدّ. وَقد أوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية بِأَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على مَجِيء التصغير للتعظيم. وأنشده ابْن هِشَام فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من الْمُغنِي فِي أم وَفِي رب وَفِي كل وَفِي حذف الصِّلَة من الْبَاب الْخَامِس. والداهية: مُصِيبَة الدَّهْر مُشْتَقَّة من الدهي بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ النكر فَإِن كل أحد ينكرها وَلَا يقبلهَا. ودهاه الْأَمر يدهاه إِذا أَصَابَهُ بمكروه. وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: خويجية تصفر مِنْهَا الأنامل وَقَالَ: الخويجية: الداهية وَهِي بخاءين معجمتين: مصغر الخوخة بِالْفَتْح وَهِي الْبَاب الصَّغِير.
وَرَوَاهَا الطوسي أَيْضا عَن أبي عمرٍ ووَقَالَ: يَقُول: ينفتح عَلَيْهِم بابٌ يدْخل مِنْهُ الشَّرّ. وسوف: هُنَا للتحقيق والتأكيد.
وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته مَعَ شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد الموفى الْخمسين بعد الأربعمائة قَول المتنبي: بئس اللَّيَالِي سهدت من طربي شوقاً إِلَى من يبيت يرقدها على أَنه يخرج بِحَذْف الْمَوْصُول وَالتَّقْدِير: بئس اللَّيَالِي الَّتِي سهدت قِيَاسا على تَخْرِيج الْكُوفِيّين قَوْله تَعَالَى: وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقامٌ معلومٌ أَي: إِلَّا من لَهُ مقَام فَإِن الْمَوْصُول يجوز حذفه عِنْدهم.
وَقد ارْتَضَاهُ الْمُحَقق. وَأَشَارَ إِلَيْهِ الواحدي فِي شَرحه بقوله: يُرِيد اللَّيَالِي الَّتِي لم ينم فِيهَا لما أَخذه من القلق وخفة الشوق إِلَى الحبيب الَّذِي كَانَ يرقد تِلْكَ اللَّيَالِي.
وخرجه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ على حذف الْمَوْصُوف أَي: ليالٍ سهدت. وَهَذَا خَاص بالشعر لِأَن الْمَوْصُوف بِالْجُمْلَةِ أَو الظّرْف إِنَّمَا يجوز حذفه إِذا كَانَ بَعْضًا مِنْهُ مجرور ب من أَو فِي. قَالَ ابْن الشجري: وَمِمَّا أهمل مفسرو شعر أبي الطّيب المتنبي تعريبه قَوْله: بئس اللَّيَالِي سهدت من طربي............. الْبَيْت يتَوَجَّه فِيهِ السُّؤَال عَن الْمَقْصُود فِيهِ بالذم وَمَا مَوضِع من طربي من الْإِعْرَاب وَمَا الَّذِي نصب شوقاً وَكم وَجها فِي نَصبه وَبِمَ يتَعَلَّق إِلَى وَكم حذفا فِي الْبَيْت
فَأَما الْمَقْصُود بالذم فمحذوف وَهُوَ نكرةٌ مَوْصُوفَة ب سهدت والعائد إِلَيْهِ من صفته محذوفٌ أَيْضا فالتقدير: لَيَال سهدت فِيهَا. وَنَظِير هَذَا الْحَذف فِي قَوْله تَعَالَى: وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق. التَّقْدِير: آيةٌ يريكم الْبَرْق فِيهَا. وَجَاء فِي الشّعْر حذف النكرَة المجرورة الموصوفة بِالْجُمْلَةِ فِي قَوْله: أَرَادَ: بكفي رجل فَحذف رجلا وَهُوَ ينويه. وقله: من طربي مفعول لَهُ وَمن بِمَعْنى اللَّام وشوقاً يحْتَمل أَن يكون مَفْعُولا من أَجله عمل فِيهِ طربي فَيكون الشوق عِلّة للطرب. والطرب عِلّة للسهاد. وَلَا يعْمل سهدت فِي شوقاً لِأَنَّهُ قد يتَعَدَّى إِلَى علةٍ فَلَا يتَعَدَّى إِلَى أُخْرَى إِلَّا بعاطف كَقَوْلِك: سهدت طَربا وشوقاً. وَيحْتَمل أَن ينْتَصب شوقاً انتصاب الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: شقَّتْ شوقاً أَو شاقني التَّذَكُّر شوقاً. وَشقت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَقَوْل الْمَمْلُوك: قد بِعْت أَي: بَاعَنِي مالكي. فَأَما إِلَى فَالْوَجْه أَن تعلقهَا بالشوق لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين إِلَيْهَا وَإِن شِئْت علقتها بالطرب وَذَلِكَ إِذا نصبت شوقاً بطربي. فَإِن نصبته على الْمصدر امْتنع تَعْلِيق إِلَى بطربي لِأَنَّك حينئذٍ تفصل شوقاً وَهُوَ أجنبيٌّ بَين الطَّرب وصلته. وَكَانَ الْوَجْه فِي يرقدها يرقد فِيهَا كَمَا)
تَقول: يَوْم السبت خرجت فِيهِ وَلَا تَقول خرجته إِلَّا على التَّوَسُّع فِي الظّرْف تَجْعَلهُ مَفْعُولا بِهِ.
فَفِي الْبَيْت أَرْبَعَة حذوف: الأول: حذف الْمَقْصُود بالذم وَهُوَ لَيَال. الثَّانِي: حذف فِي من سهدت فِيهَا فَصَارَ سهدتها. وَالثَّالِث: حذف الضَّمِير من سهدتها. وَالرَّابِع: حذف فِي من يرقدها.
وَقد روى سهدتها طَربا. وَقد فرق بعض اللغويين بَين السهاد والسهر فَزعم أَن السهاد للعاشق واللديغ والسهر فِي كل شَيْء. وَأنْشد قَول النَّابِغَة: يسهد فِي ليل التَّمام سليمها وَبت كَمَا بَات السَّلِيم مسهدا والطرب: خفةٌ تصيب الْإِنْسَان لشدَّة سرُور أَو حزن. اه. وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي قَالَهَا فِي صباه مدحاً فِي مُحَمَّد بن عبد الله الْعلوِي. وَهَذِه أَربع أَبْيَات من مطْلعهَا:
أَهلا بدارٍ سباك أغيدهاأبعد مَا بَان عَنْك خردها
ظلت بهَا تنطوي على كبدٍنضيجةٍ فَوق خلبها يَدهَا
يَا حاديي عيسها وأحسبنيأوجد مَيتا قبيل أفقدها
قفا قَلِيلا بهَا عَليّ فَلَاأقل من نظرةٍ أزودها
نصب أَهلا بمضمر تَقْدِيره: جعل الله تَعَالَى بِتِلْكَ الديار أَهلا. وَإِنَّمَا تكون مأهولةً إِذا سقيت الْغَيْث فينبت الْكلأ فَيَعُود إِلَيْهَا أَهلهَا. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة دعاءٌ لَهَا بالسقي. والأغيد: الناعم الْبدن وَأَرَادَ جَارِيَة وَذكر اللَّفْظ لِأَنَّهُ عَنى الشَّخْص. والخرد: جمع خريدة وَهِي الْبكر الَّتِي لم تمسس وَأبْعد مُبْتَدأ وخردها الْخَبَر أَي: أبعد شَيْء فارقك جواري هَذِه الدَّار. وَقَوله: ظلت بهَا تنطوي إِلَخ يُرِيد ظللت فَحذف إِحْدَى اللامين تَخْفِيفًا. يَقُول: ظللت بِتِلْكَ الديار تنثني على كبدك وَاضِعا يدك فَوق خلبها. والمحزون يفعل ذَلِك كثيرا لما يجد فِي كبده من حرارة الوجد يخَاف على كبده تَنْشَق كَمَا قَالَ الصمَّة الْقشيرِي:
والانطواء كالانثناء. والنضج لليد وَلَكِن جرى نعتاً للكبد لإضافة الْيَد إِلَيْهَا. وَجعل الْيَد نضيجة لِأَنَّهُ أدام وَضعهَا على الكبد فأنضجتها بِمَا فِيهَا من الْحَرَارَة وَلِهَذَا جَازَ إضافتها إِلَى الكبد. وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا طَالَتْ صحبته إِيَّاه كَقَوْلِهِم لفناء الدَّار: الْعذرَة.
وَإِذا جَازَت هَذِه التَّسْمِيَة كَانَت الْإِضَافَة أَهْون فلطول وضع يَده على كبده أضافها إِلَيْهَا كَأَنَّهَا لَهَا لِأَنَّهَا لم تزل عَلَيْهَا. والخلب: غشاءٌ للكبد رَقِيق لازبٌ بهَا. وارتفع يَدهَا بنضيجة وَهُوَ)
اسْم فَاعل يعْمل عمل الْفِعْل. وَيجوز أَن تكون نضيجة من صفة الكبد وَتمّ الْكَلَام ثمَّ وضع الْيَد على الكبد. كَذَا فِي شرح الواحدي.
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْبَاب الثَّالِث من الْمُغنِي وَقَالَ: يحْتَمل قَول المتنبي يذكر دَار المحبوب: ظلت بهَا تنطوي الْبَيْت أَن تكون الْيَد فِيهِ فاعلة بنضيجة أَو بالظرف أَو بِالِابْتِدَاءِ. وَالْأول أبلغ لِأَنَّهُ أَشد للحرارة. والخلب: زِيَادَة الكبد أَو حجاب الْقلب أَو مَا بَين الكبد وَالْقلب. أضَاف الْيَد إِلَى الكبد للملابسة بَينهمَا لِأَنَّهُمَا فِي الشَّخْص. اه. وَقَوله: يَا حاديي عيسها الْبَيْتَيْنِ قَالَ الواحدي: دع الحاديين ثمَّ ترك مَا دعاهما إِلَيْهِ حَتَّى ذكره فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَأخذ فِي كَلَام آخر. وتسمي الروَاة هَذَا الِالْتِفَات كَأَنَّهُ الْتفت إِلَى كلامٍ آخر. أَقُول: هَذَا اعتراضٌ وَلَيْسَ من الِالْتِفَات فِي شَيْء. وَأَرَادَ قبيل أَن أفقدها فَلَمَّا حذف أَن عَاد الْفِعْل إِلَى الرّفْع. وَقَالَ للحاديين الَّذين يحدوان عيرها: احتباسها عَليّ زَمَانا قَلِيلا لأنظر إِلَيْهَا وأتزود مِنْهَا نظرة فَلَا أقل مِنْهَا. وَمن رفع أقل جعله بِمَنْزِلَة لَيْسَ. وَضمير بهَا يجوز أَن يعود إِلَى العيس وَإِلَى الْمَرْأَة. وقريبٌ من هَذَا فِي الْمَعْنى قَول ذِي الرمة:
وَإِن لم يكن إِلَّا تعلل ساعةٍقليلٌ فَإِنِّي نافعٌ لي قليلها
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن لَا فِيهِ نافيةٌ للْجِنْس عاملةٌ عَمَّا إِن. وَيجوز رفع أقل على أَن تكون عاملة عمل لَيْسَ. وترجمة المتنبي قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع