من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَلَقَد أَبيت من الفتاة بمنزلٍفأبيت لَا حرجٌ وَلَا محروم
على أَن لَا حرجٌ عِنْد الْخَلِيل مرفوعٌ على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة محكية بقول مَحْذُوف أَي: أَبيت مقولاً فِي: هُوَ لَا حرجٌ وَلَا محروم. وَهَذَا من حِكَايَة الْجمل بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ وَلَا يَصح أَن يكون من حِكَايَة الْمُفْرد لِأَن حِكَايَة إعرابه إِنَّمَا تكون إِذا أُرِيد لَفظه نَحْو: قَالَ فلَان: زيدٌ إِذا تكلم بزيد مَرْفُوعا وَفِي غير هَذَا يجب نَصبه إِلَّا أَن يكون بِتَقْدِير شَيْء فنجب حِكَايَة إعرابه كَمَا هُنَا. وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي الْمَسْأَلَة: وَزعم الْخَلِيل أَن أَيهمْ إِنَّمَا وَقع فِي قَوْلهم: اضْرِب أَيهمْ أفضل على أَنه حِكَايَة كَأَنَّهُ قَالَ: اضْرِب الَّذِي يُقَال لَهُ: أَيهمْ أفضل. وَشبه بقول الأخطل: وَلَقَد أَبيت من الفتاة بمنزلٍ............. الْبَيْت قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي رفع حرجٌ ومحروم وَكَانَ وَجه الْكَلَام نصبهما على الْحَال. وَوجه رفعهما عِنْد الْخَلِيل الْحمل على الْحِكَايَة وَالْمعْنَى: فأبيت كَالَّذي يُقَال لَهُ لَا حرجٌ وَلَا محروم.
وَلَا يجوز: رَفعه حملا على مُبْتَدأ مُضْمر كَمَا لَا يجوز: كَانَ زيد لَا قَائِم وَلَا قَاعد على تَقْدِير: لَا هُوَ قَائِم وَلَا هُوَ قَاعد لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع تبعيض وَلَا قطع فَلذَلِك حمله على الْحِكَايَة. اه. وَقَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: زعم الْخَلِيل أَن هَذَا لَيْسَ على إِضْمَار أَنا وَلَو كَانَ كَذَلِك لجَاز: كَانَ عبد الله لَا مُسلم وَلَا صَالح وَلكنه فِيمَا زعم الْخَلِيل: فأبيت كَالَّذي يُقَال لَهُ: لَا حرجٌ وَلَا محروم.
وَإِنَّمَا فر الْخَلِيل من إِضْمَار أَنا وَإِن كَانَت قد تضمر فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ أَن يَقُول: كنت لَا خَارج وَلَا ذَاهِب. وَهَذَا قبيحٌ جدا فَجعله على الْحِكَايَة: فأبيت بِمَنْزِلَة الَّذِي يُقَال لَهُ: لَا حرجٌ وَلَا محروم أَي: إِنَّهَا لم تحرمني فَيُقَال لي محروم وَلم أتحرج من حضوري نعها فَيُقَال لي: حرج. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزاج: هُوَ بِمَعْنى لَا حرجٌ وَلَا محروم فِي مَكَاني. فَإِذا لم يكن فِي مَكَانَهُ حرجاً وَلَا محروماً فَهُوَ لَا حرج وَلَا محروم. وَزعم الْجرْمِي أَنه على معنى فأبيت وَأَنا لَا حرجٌ وَلَا محروم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد زعم بَعضهم أَنه على النَّفْي كَأَنَّهُ قَالَ: فأبيت لَا حرج وَلَا محروم بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنا فِيهِ. وَكَلَام أبي إِسْحَاق شرحٌ لهَذَا. قَالَ أَبُو الْحسن: فَيكون فِي الْمَكَان الَّذِي أَنا)
فِيهِ خَبرا عَن حرج وَالْجُمْلَة خبر أَبيت. انْتهى كَلَام النّحاس. قَالَ السيرافي: وَهَذَا التَّفْسِير أسهل لِأَن الْمَحْذُوف خبر حرج وَهُوَ ظرف وَحذف الْخَبَر فِي النَّفْي كثير كَقَوْلِنَا: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَي: لنا. وَقَوله: وَلَقَد أَبيت قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: بَات لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا كَمَا نقل الْأَزْهَرِي عَن الْفراء: بَات الرجل إِذا سهر اللَّيْل كُله فِي طاعةٍ أَو مَعْصِيّة. وَثَانِيهمَا: بِمَعْنى صَار يُقَال: بَات بِموضع كَذَا أَي: صَار بِهِ سَوَاء كَانَ فِي ليل أَو نَهَار. وَعَلِيهِ قَوْله ﵊ ُ: فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده أَي: صَارَت ووصلت. اه.
وَالْمُنَاسِب هُنَا الْمَعْنى الثَّانِي. وَالرِّوَايَة فِي ديوَان الأخطل: وَلَقَد أكون. والمستقبل هُنَا فِي مَوضِع الْمَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يخبر عَن حَاله فِيمَا مضى وَأكْثر مَا يَجِيء هَذَا فِيمَا علم مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل خلقا وطبعاً وَقد تكَرر ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ وَلَا يكون كَفعل فعله فِي الدَّهْر مرّة وَاحِدَة. والفتاة: الْجَارِيَة الشَّابَّة يُرِيد أَنه كَانَ فِي شبابه تحبه الفتيات ويبيت عِنْدهن بمنزلٍ يَعْنِي بِمَنْزِلَة جميلَة. والحرج بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء: الْمضيق عَلَيْهِ. يَقُول: إِن مَوْضِعه لم يكن مضيقاً بِهِ وَلَا هُوَ محرومٌ من جِهَتهَا مَا يُريدهُ.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
وَلَقَد يكن إِلَيّ صوراً مرّةأَيَّام لون غدائري يحموم
وَالنُّون فِي يكن ضمير النِّسَاء الغواني فِي بيتٍ قبله. والصور: جمع صائرة بِمَعْنى مائلة. والغدائر: الذوائب جمع غديرة. واليحموم: الْأسود. والبيتان من قصيدةٍ ذكر فِيهَا مَا كَانَ يَفْعَله أَيَّام الشَّبَاب ثمَّ توعد جَمِيعًا وَهُوَ رجلٌ من كلب بِأَنَّهُ إِن لم يمسك لِسَانه عَنهُ هجاه وهجا قبيلته.
والأخطل شاعرٌ نصرانيٌّ من شعراء الدولة الأموية. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع