تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة

فيه ١٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

رب من أنضجت غيظاً صَدرهقد تمنى لي موتا لم يطع

على أَن جملَة أنضجت فِي مَوضِع جر على أَنَّهَا صفة ل من لِأَنَّهَا نكرَة بِمَعْنى إِنْسَان بِدَلِيل دُخُول رب عَلَيْهَا. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا على أَن من فِيهَا نكرةٌ مَوْصُوفَة بالظرف لِأَنَّهَا وَقعت بعد كل كوقوعها بعد رب فِي الْبَيْت. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: زعم الْكسَائي أَن من لَا تكون نكرَة إِلَّا فِي مَوضِع يخص النكرات. ورد بقوله: فَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا وَبقول الفرزدق:

أَي: كشخص ممطورٍ بواديه لِأَن مجرور على وَالْكَاف لَا يجب أَن يكون نكرَة. وَقد خرج من فيهمَا على الزِّيَادَة وَذَلِكَ شيءٌ لم يثبت. وَرُوِيَ أَيْضا:

(رُبمَا أنضجت غيظاً قلب من... قد تمنى......... إِلَخ) فَلَا شَاهد فِيهِ إِن كَانَت من مَوْصُولَة وَمَا حينئذٍ كَافَّة مهيئة لدُخُول رب على الْجُمْلَة. ومجرور رب هُنَا فِي مَحل رفع على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِمَّا قد تمنى وَلم يطع خبر بعد خبر وَإِمَّا لم يطع وَجُمْلَة قد تمنى صفة ثَانِيَة. وإنضاج اللَّحْم: جعله بالطبخ أَو الشي مستوياً يُمكن أكله وَيحسن وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَن نِهَايَة الكمد الْحَاصِل للقلب أَو اسْتِعَارَة. شبه تحسير الْقلب وإكماده بإنضاج اللَّحْم الَّذِي يُؤْكَل. وغيظاً إِمَّا مفعول لأَجله أَي: أنضجت قلبه لأجل غيظي إِيَّاه وَإِمَّا تَمْيِيز عَن النِّسْبَة أَي: أنضج غيظي إِيَّاه قلبه وَهُوَ مصدر غاظه إِذا أغضبهُ. قَالَ ابْن السّكيت: وَلَا يُقَال أغاظه. وأثبته صَاحب الْقَامُوس قَالَ: يُقَال: غاظه وغيظه وأغاظه. وَرُوِيَ: قلبه مَوضِع صَدره المُرَاد بِهِ قلبه وَرُوِيَ أَيْضا: كبده. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ طَوِيلَة عدتهَا مائَة بَيت وَثَمَانِية أبياتٍ لسويد بن أبي كَاهِل الْيَشْكُرِي مسطورةٍ فِي المفضليات مطْلعهَا:

بسطت رَابِعَة الْحَبل لنافوصلنا الْحَبل مِنْهَا مَا اتَّسع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

وَهَذِه أبياتٌ مِنْهَا بعد الشَّاهِد الْمَذْكُور. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة سُوَيْد من كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ

رب من أنضجت غيظاً قلبهقد تمنى لي موتا لم يطع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
ويراني كالشجا فِي حلقهعسراً مخرجه مَا ينتزع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

)

مزبدٌ يخْطر مَا لم يرنيفَإِذا أسمعته صوتي انقمع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
قد كفاني الله مَا فِي نَفسهوَمَتى مَا يكف شَيْئا لم يضع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
لم يضرني غير أَن يحسدنيفَهُوَ يزقو مثل مَا يزقو الضوع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
ويحييني إِذا لاقيتهوَإِذا يَخْلُو لَهُ لحمي رتع
كَيفَ يرجونا سقاطي بِمد مَاجلل الرَّأْس مشيبٌ وصلع

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح القصيدة: رُوِيَ أَيْضا: رُبمَا أنضجت غيظاً قلب من إِلَخ والشجى: الْغصَص وَنَحْوه. ومزبد: من أزبد. وأصل الْخطر فِي النَّاس: تَحْرِيك الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْي والاختيال بهما. وانقمع: دخل بعضه فِي بعض. وَالْمعْنَى أَنه يتعظم إِذا لم يرني فَإِذا رَآنِي تضاءل. والضوع بِضَم الضَّاد: ذكر البوم. ويزقو: يَصِيح. ورتع: أكل. والسقاط: الفترة. يَقُول على طَرِيق التَّعَجُّب: كَيفَ يأملون فترتي وسقطي وَقد بلغت هَذِه السن. وسُويد هُوَ ابْن أبي كَاهِل واسْمه غطيف بن حَارِثَة بن حسل بن مَالك ابْن عبد سعد بن عدي بن جشم بن ذبيان

أَنا أَبُو سعدٍ إِذا اللَّيْل دجادخلت فِي سرباله ثمَّ النجا
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

وَيُقَال اسْم وَالِده شبيب. وَهُوَ شاعرٌ مقدم مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. عده ابْن سلامٍ الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة السَّادِسَة وقرنه بعنترة الْعَبْسِي. قَالَ أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم: قَرَأت شعر سويدٍ على الْأَصْمَعِي فَلَمَّا بلغت قصيدته الَّتِي أَولهَا:...

بسطت رَابِعَة الْحَبل لنافوصلنا الْحَبل مِنْهَا مَا اتَّسع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

فَضلهَا الْأَصْمَعِي وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب تفضلها وتقدمها وتعدها من حكمهَا وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تسمى الْيَتِيمَة لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَمْثَال. وعاش سويدٌ فِي الْجَاهِلِيَّة دهراً وَعمر فِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة بعد الْهِجْرَة إِلَى زمن الْحجَّاج. كَذَا فِي الْإِصَابَة. وَهُوَ من المعمرين وَلم يذكرهُ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين. وَكَانَ زيادٌ الْأَعْجَم قد هجا بني يشْكر بقوله:

إِذا يشكريٌّ مس ثَوْبك ثَوْبهفَلَا تذكرن الله حَتَّى تطهرا
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
فَلَو أَن من لؤمٍ تَمُوت قبيلةٌإِذا لأمات اللؤم لَا شكّ يشكرا
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فَأَتَت بَنو يشْكر سويداً ليهجو زياداً فأبا سويدٌ فَقَالَ زِيَاد:)

وأنبئتهم يستصرخون ابْن كاهلٍوللؤم فيهم كاهلٌ وسنام
دعيٌّ إِلَى ذبيان طوراً وَتارَةإِلَى يشكرٍ مَا فِي الْجَمِيع كرام
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فَقَالَ لَهُم سُوَيْد: هَذَا مَا طلبتم لي وَكَانَ سويدٌ مغلباً. وَأما قَول زِيَاد الْأَعْجَم: دعيٌّ فَإِن أم سُوَيْد كَانَت امْرَأَة من بني غبر وَكَانَت قبل أبي كَاهِل عِنْد رجلٍ من بني ذبيان بن قيس فَمَاتَ عَنْهَا فَتَزَوجهَا أَبُو كَاهِل وَكَانَت فِيمَا يُقَال حَامِلا فَلَمَّا وَلدته اسْتَلْحقهُ أَبُو كَاهِل وَسَماهُ سويداً وَكَانَ سويدٌ إِذا غضب على بني يشْكر انْتَمَى إِلَى بني ذبيان وَإِذا رَضِي عَنْهُم أَقَامَ على نسبه فيهم. وهاجى سويدٌ حَاضر بني سَلمَة الْعَنزي فطلبهما عبد الله بن عَامر فهربا من الْبَصْرَة.

ثمَّ هاجى الْأَعْرَج أَخا بني حَمَّاد بن يشْكر فَأَخذهُمَا صَاحب الصَّدَقَة فِي أَيَّام ولَايَة عَامر بن مسعودٍ الجُمَحِي الْكُوفَة فحبسهما وَأمر أَن لَا يخرجَا من السجْن حَتَّى يؤديا مائَة من الْإِبِل ففك بَنو حَمَّاد صَاحبهمْ وَبَقِي سُوَيْد فخذله بَنو سعد وهم قومه فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى استوهبته عبسٌ وذبيان لمديحه لَهُم وانتمائه إِلَيْهِم وأطلقوه بِغَيْر فدَاء. وَحلف أَن لَا يعود. وَهَذِه أبياتٌ من قصيدةٍ انْتهى فِيهَا إِلَى ذبيان ومدحهم:

أَنا الْغَطَفَانِي ابْن ذبيان فابعدواوللزنج أدنى مِنْكُم ويحابر
أَبَت لي عبسٌ أَن أسام دنيةًوسعدٌ وذبيان الهجان وعامر
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
وحيٌّ كرامٌ سادةٌ من هوازنٍلَهُم فِي الملماة الأنوف الفواخر
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

الشَّاهِد الموفى الْأَرْبَعين بعد الأربعمائة...

آل الزبير سَنَام الْمجد قد علمتذَاك الْعَشِيرَة والأثرون من عددا

على أَن من عِنْد الْكُوفِيّين حرف زَائِد أَي: والأثرون عددا. وَهِي عِنْد الْبَصرِيين مَوْصُوفَة أَي: والأثرون إنْسَانا معدودا. وَهَذَا الْجَواب أوردهُ الفالي فِي شرح اللّبَاب قَالَ: يَجْعَل عددا مصدرا بِمَعْنى

الْمَفْعُول أَي: معدوداً فَتكون صفة مُفْردَة. ف من اسمٌ موصوفٌ بمفرد كَقَوْلِه: فَكفى بِنَا فضلا على من غَيرنَا وَيجوز أَن تكون مَوْصُوفَة بجملة محذوفة وَذَلِكَ أَن عددا: مفعول مُطلق وعامله مَحْذُوف تَقْدِيره: يعد عددا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَالْجُمْلَة صفة من أَي: إنْسَانا يعد عددا. وعَلى هَذَا الْجَواب اقْتصر صَاحب اللّبَاب وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: زَاد الْكسَائي فِي مَعَاني من قسما آخر وَهُوَ أَنَّهَا قد جَاءَت صلَة يَعْنِي زَائِدَة وَأنْشد: والأثرون من عددا وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ والأثرون من يعد عددا فَحذف الْفِعْل وَاكْتفى بِالْمَصْدَرِ مِنْهُ كَمَا تَقول: مَا أَنْت إِلَّا سيراً. ف من فِي هَذَا القَوْل نكرةٌ مَوْصُوفَة بِالْجُمْلَةِ المحذوفة فالتقدير: والأثرون إنْسَانا يعد. اه.

وَأجَاب بهما ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: عددا إِمَّا صفةٌ لمن على أَنه اسْم وضع مَوضِع الْمصدر وَهُوَ الْعد أَي: والأثرون قوما ذَوي عددٍ أَي: قوما معدودين. وَإِمَّا مَعْمُول ليعد محذوفاً صلَة أَو صفة لمن وَمن بدل من الأثرون. اه. وَإِنَّمَا نصبوا تَفْسِير من وَهُوَ قَوْلهم: إنْسَانا أَو قوما لِأَن من تَمْيِيز. وعَلى قَول الْكُوفِيّين من زائدةٌ وعدداً هُوَ التَّمْيِيز. وَفِي تخريجهم نظرٌ لَا تخفى سماجته مَعَ أَنه لَيْسَ فِيهِ كَبِير مدح فَإِن مُرَاد الشَّاعِر أَن آل الزبير سَنَام الْمجد وَالْأَكْثَر ون عددا فَإِن أتباعهم أَكثر من أَتبَاع غَيرهم عددا إِلَّا أَنهم يعدون عددا فَإِن من يعد قَلِيل والقلة لَا فَخر فِيهَا وَلَا مدح. وَجعل ابْن هِشَام من بَدَلا من الأثرون على تَقْدِير الْفِعْل لَا وَجه لَهُ إِذْ لَا فرق فِي الْمَعْنى بَين قَوْلنَا: قوما معدودين وَبَين قوما يعدون. فَتَأمل.

وَنَقله كَونهمَا اسْما فِي حَال الزِّيَادَة يُخَالِفهُ صَرِيح نقل الشَّارِح الْمُحَقق وصريح كَلَام ابْن الشجري. وَتَخْرِيج الْكُوفِيّين خالٍ من التعسف مَعَ صِحَة مَعْنَاهُ ومتانة مغزاه. وَقَالَ الأندلسي فِي شرح الْمفصل: الرِّوَايَة عِنْد الْبَصرِيين: والأثرون مَا عددا وَزِيَادَة مَا جَائِزَة لَا اخْتِلَاف فِيهَا. وَقَوله: آل الزبير: مُبْتَدأ وسنام الْمجد: خَبره والأثرون مَعْطُوف على الْخَبَر وَجُمْلَة قد علمت ذَاك الْعَشِيرَة: اعتراضية لتقوية الْمَعْنى) وتسديده وَذَاكَ مفعول علمت وَهُوَ إِشَارَة إِلَى كَونهم سَنَام الْمجد والأكثرين عددا. وَالْعشيرَة فَاعل علمت وروى بدله الْقَبَائِل أَي: قبائل الْعَرَب. وَعلم هُنَا متعدٍّ لمفعول وَاحِد لِأَنَّهُ بِمَعْنى عرف. وسنام الْمجد: أَعلَى الْمجد استعير من سَنَام الْإِبِل. والأثرون: جمع أثرى وَهُوَ أفعل تَفْضِيل من ثريت بك بِكَسْر الرَّاء أَي: كثرت بك. قَالَه فِي الصِّحَاح. وَهَذَا الْبَيْت مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو لَا يعرف لَهُ قَائِل وَلَا تَتِمَّة. وَالله أعلم بِهِ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»