من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة القاتلي أَنْت أَنا وَهَذَا بعض بيتٍ وَضعه بعض النُّحَاة للتعليم كَمَا فِي سفر السَّعَادَة وَهُوَ:
كَيفَ يخفى عَنْك مَا حل بِنَاأَنا أَنْت القاتلي أَنْت أَنا
وَرُوِيَ أَيْضا: أَنا أَنْت الضاربي أَنْت أَنا وَاقْتصر الشَّارِح الْمُحَقق على هَذَا الْقدر لتَعلق غَرَضه بِهِ وَلم يُورِدهُ بِتَمَامِهِ لشهرته وَخطأ قَائِله فَإِنَّهُ كَانَ يجب أَن يَقُول: القاتله بِالْهَاءِ لَا بِالْيَاءِ ليَكُون التَّقْدِير: الَّذِي قتلته أَنا. لِأَن أل فِي الْقَاتِل اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذِي وَحقّ الْعَائِد أَن يكون بضمير الْغَائِب لَا بضمير الْمُتَكَلّم لِئَلَّا يصير الْإِخْبَار لَغوا إِذْ التَّقْدِير: الَّذِي قتلني فَيصير من قبيل الَّذِي ضربت أَنا. وَقد ذكر أَنه لَا يجوز الْحمل على الْمَعْنى. قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: لَا يجوز الَّذِي ضربتك أَنْت وَلَا الَّذِي ضربتني أَنا. فَإِن قدمت نَفسك قبل الَّذِي قلت: أَنا الَّذِي ضربتك وَأَنا الَّذِي ضربتني. قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: وَلَوْلَا أَن هَذَا حُكيَ عَن الْعَرَب الموثوق بعربيتهم رددناه لفساده. وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر فِي صلَة الَّذِي مَحْمُولا على مَعْنَاهُ لَا لَفظه قَوْله:
وَأَنا الَّذِي قتلت بكرا بالقناوَتركت تغلب غير ذَات سَنَام
وَلَو حمل على لَفظه لقَالَ قتل. وَلَيْسَ كل كَلَام يحْتَمل أَن يحمل على الْمَعْنى. انْتهى. وَقد جوزه أَبُو ذرٍّ مُصعب بن أبي بكر الْخُشَنِي حَكَاهُ عَنهُ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف قَالَ: يُجِيز عودة ضمير مطابقاً للْخَبَر فِي الْخطاب والتكلم بِحمْلِهِ على الْمَعْنى. قَالَ: ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن تكون فَائِدَة الْخَبَر حَاصِلَة فِي الْمُبْتَدَأ. وَذَلِكَ خطأ. وَقَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: الْمُبْتَدَأ يخبر عَنهُ مظْهرا كَانَ أَو مضمراً بمتكلم أَو مُخَاطب أَو غَائِب فَيُقَال فِي الْإِخْبَار عَن هُوَ من قَوْلك: هُوَ قَائِم هُوَ وَفِي الْإِخْبَار عَنهُ إِذا كَانَ لمتكلم أَو مُخَاطب خلافٌ وَالأَصَح الْجَوَاز. وَالضَّمِير الَّذِي يأتى بِهِ خلفا يكون ضمير غيبَة. وَأَجَازَ الْكسَائي: الَّذِي أَنا قَائِم أَنا وَالَّذِي أَنْت قَائِم أَنْت.
وَالْكسَائِيّ نظر إِلَى الْمَعْنى. وَلَا شكّ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة نقلت إِلَى مسالة أَنْت الَّذِي قَامَ وَأَنا الَّذِي قَامَ حَيْثُ يجوز فِيهَا. أَنْت الَّذِي قُمْت وَأَنا الَّذِي قُمْت وَلَكِن شَرط مُرَاعَاة الْمَعْنى فِي هَذِه)
الْمَسْأَلَة تقدم الضَّمِير على الِاسْم الْمَوْصُول فَلَو تقدم الْمَوْصُول على الضَّمِير لم يجز مُرَاعَاة الْمَعْنى إِلَّا عِنْد الْكسَائي وَمن ثمَّ أجَاز: الَّذِي أَنا قَائِم أَنا وَالَّذِي أَنْت قَائِم أَنْت. انْتهى.
وَإِذا وقفت على هَذَا علمت أَن مَا رده الشَّارِح الْمُحَقق وَأَبُو حَيَّان لَيْسَ بوجهٍ لِأَنَّهُ قولٌ لإِمَام الْكُوفِيّين وَغَيره فناظم الْبَيْت تابعٌ لَهما. غَايَته أَنه مخالفٌ لقَوْل الْجُمْهُور. وَقد أعرب هَذَا المصراع بِوَجْهَيْنِ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الشهير بإبن بري كَمَا نَقله عَنهُ صَاحب سفر السَّعَادَة قَالَ: أحد الْوَجْهَيْنِ أَن تجْعَل الْألف وَاللَّام ل أَنا وَالْفِعْل ل أَنْت. فَأَنا على هَذَا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلي مُبْتَدأ ثَالِث لِأَنَّهُ غير أَنْت إِذا الْألف وَاللَّام لأَنا.
والعائد على الْألف وَاللَّام الْيَاء فِي القاتلي لِأَنَّهَا أَنا فِي الْمَعْنى وَأَنت فَاعل بالقاتلي أبرز لما جرى الْوَصْف على غير من هُوَ لَهُ إِذْ الْألف وَاللَّام لأَنا وَالْفِعْل لأَنْت فَأَنا على هَذَا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلي خبر أَنْت وَلَا يبرز الضَّمِير فِيهِ لِأَنَّهُ جرى على من هُوَ لَهُ وَيكون الْكَلَام قد تمّ عِنْد قَوْله القاتلي وَيكون أَنْت أَنا على طَرِيق الْمُطَابقَة للْأولِ ليَكُون آخر الْكَلَام دَالا وجارياً على أَوله. أَلا ترَاهُ قَالَ فِي أول الْكَلَام: أَنا أَنْت وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِره: أَنْت أَنا أَي: كَيفَ أَشْكُو مَا حل بِي مِنْك وَأَنا أَنْت وَأَنت أَنا فَإِذا شكوتك فَكَأَنَّمَا أَشْكُو نَفسِي. قَالَ: وَلَو جعلت الْألف وَاللَّام وَالْفِعْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لأَنا لَقلت: أَنا أَنْت القاتلك أَنا فَأَنا مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان والقاتلك مُبْتَدأ ثَالِث لِأَنَّهُ غير أَنْت وَفِيه ضميرٌ يعود على الْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ أَنا فِي الْمَعْنى. وَلم يبرز الضَّمِير الَّذِي فِي القاتلك. والقاتلك وَخَبره خبر أَنْت وَأَنت وَخَبره خبر أَنا. اه. وَقد أورد أَبُو حَيَّان هَذَا الْبَيْت فِي تَذكرته وَاقْتصر فِي إعرابه على الْوَجْه الأول من وَجْهي قَول ابْن بري قَالَ: أَنا الأول مُبْتَدأ وَأَنت الأول مُبْتَدأ ثَان وَالْألف وَاللَّام لأَنا وقاتلي لأَنْت. فقد جرى إسم الْفَاعِل صلَة على الْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ أَنا فأبرز ضَمِيره وَهُوَ أَنْت. فَأَنت يرْتَفع بِقَاتِلِي وَأَنا خبر عَن الْألف وَاللَّام وَهِي وَمَا بعْدهَا خبر عَن أَنْت الأول وَهُوَ وَمَا بعده خبر عَن أَنا الأول والعائد إِلَى أَنا الأول أَنا الثَّانِي وَالْيَاء فِي القاتلي عائدةٌ على الْألف وَاللَّام. انْتهى. وَقد أجَاب بِالْوَجْهِ الأول نظماً أَبُو بكر بن عمر بن إِبْرَاهِيم بن دعاس الْفَارِسِي فَإِنَّهُ سَأَلَهُ بَعضهم عَنهُ بقوله:
أَيهَا الْفَاضِل فِينَا أَفْتِنَاوأزل عَنَّا بفتواك العنا
كَيفَ إِعْرَاب نحاة النَّحْو فِي:أَنا أَنْت الضاربي أَنْت أَنا
فَأَجَابَهُ بقوله:)
أَنا أَنْت الضاربي مُبْتَدأفاعتبرها يَا إِمَامًا لسنا
ثمَّ إِن الضاربي أَنْت أَناخبرٌ عَن أَنْت مَا فِيهِ انثنا
وَأَنا الْجُمْلَة عَنهُ خبرٌوَهِي من أَنْت إِلَى أَنْت أَنا
وَأَبُو بكر هَذَا كَانَ فَقِيها حنفياً أديباً شَاعِرًا نَالَ من إِمَام الْيمن المظفر حظوة حَتَّى اخْتصَّ بِهِ ثمَّ طرده لإدلال تكَرر مِنْهُ من تعز إِلَى زبيد فَمَاتَ بهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبعٍ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة. وَكَانَ أهل زبيد ينسبونه إِلَى سَرقَة الشّعْر وَيَقُولُونَ: إِذا حُوسِبَ الشُّعَرَاء يَوْم الْقِيَامَة يُؤْتى بِابْن دعاس فَيَقُول: هَذَا الْبَيْت لفلانٍ وَهَذَا المصراع لفُلَان وَهَذَا الْمَعْنى لفُلَان. فَيخرج بَرِيئًا. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي. وَأما أَبُو مُحَمَّد ابْن بري فَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن بري بن عبد الْجَبَّار الْمَقْدِسِي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ كَانَ قيمًا بهما وبالشواهد ثِقَة. قَرَأَ عَلَيْهِ الْجُزُولِيّ. وصنف الرَّد على ابْن الخشاب فِي رده على الحريري فِي مقاماته وَكتاب الرَّد على درة الغواص للحريري وحواشي على صِحَاح الْجَوْهَرِي. قَالَ الصَّفَدِي: لم يكملها بل وصل إِلَى وقش وَهُوَ ربع الْكتاب فأكملها الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البسطي. مَاتَ فِي لَيْلَة السبت السَّابِعَة وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. وأقرأ كتاب سِيبَوَيْهٍ وتصدر بِجَامِع عَمْرو.
وَكَانَ مَعَ غزارة علمه ودقة فهمه ذَا غفلةٍ وبلاهة تحكى عَنهُ حكاياتٌ عَجِيبَة. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي.
وبري بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَالْيَاء وَهَكَذَا ضَبطه ابْن حجر فِي مشتبه النِّسْبَة. وَأما مُصعب الْخُشَنِي فَهُوَ مُحَمَّد بن مَسْعُود الْخُشَنِي الأندلسي الجياني كَانَ أحد الْأَئِمَّة المتقنين وَأحد المعتمدين فِي الْفِقْه وَالْأَدب إِمَامًا فِي الْعَرَبيَّة جال الأندلس فِي طلب الْعلم. وروى عَن ابْن قرقول وَابْن بشكوال وَعبد الْحق الإشبيلي وَأَجَازَ لَهُ السلَفِي وَولي قَضَاء بَلَده. وَلم يكن فِي وقته أتم وقاراً وَلَا أحسن سمتاً مِنْهُ. وَاتَّفَقُوا على أَنه لم يكن فِي وقته أضبط مِنْهُ وَلَا أتقن فِي جَمِيع علومه حفظا وقلماً. وَكَانَ نقاداً للشعر مُطلق الْعَنَان فِي معرفَة أَخْبَار الْعَرَب وأيامها وَأَشْعَارهَا ولغاتها مُتَقَدما فِي كل ذَلِك. والخشني بِضَم الْخَاء وَفتح الشين المعجمتين وبالنون: نسبةٌ إِلَى خشين كقريش: قَرْيَة بالأندلس وقبيلة من قضاعة وَهُوَ خشين بن النمر بن وبرة بن تغلب بن عمرَان بن حلوان بن الحاف بن قضاعة. كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي.
وَأما صَاحب سفر السَّعَادَة فَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد الْهَمدَانِي الملقب علم الدَّين السخاوي من سخى إِحْدَى بِلَاد مصر من إقليم الْمحلة. كَانَ فَقِيها شافعياً)
إِمَامًا فِي الْقرَاءَات وَالتَّفْسِير والنحو.
وصنف تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا: شرح الشاطبية. وَتَفْسِير الْقُرْآن فِي أَرْبَعه مجلدات. وَشرح الْمفصل شرحين. وسفر السَّعَادَة وسفير الإفادة. وَشرح أحاجي الزَّمَخْشَرِيّ النحوية وَغير ذَلِك. وَكَانَ مولده سنة ثمانٍ أَو تسعٍ وَخمسين وَخَمْسمِائة وَمَات بِدِمَشْق لَيْلَة الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثلاثٍ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بمنزله بالتربة الصالحية
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع