من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فَقلت لَهُ: لَا وَالَّذِي حج حاتمٌأخونك عهدا إِنَّنِي غير خوان
على أَنه بِتَقْدِير: حج حاتمٌ إِلَيْهِ فَحذف إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: قَوْله: لَا وَالَّذِي حج حَاتِم يحْتَمل الَّذِي ضَرْبَيْنِ: إِن عَنى بِالَّذِي الْكَعْبَة فَذكر على إِرَادَة الْبَيْت كَمَا يَقُولُونَ: والكعبة وَالْبَيْت وَالْمَسْجِد فَالضَّمِير فِي حج مَحْذُوف لِأَن هَذَا الْفِعْل متعدٍّ يدل على ذَلِك قَوْله: فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر. فَالْمَعْنى الَّذِي حجه حَاتِم. وَإِن عَنى بِالَّذِي الله سُبْحَانَهُ فالتقدير لَا وَالَّذِي حج لَهُ حَاتِم فَحذف من الصِّلَة. وَهَذَا النَّحْو من الْحَذف من الصلات قد جَاءَ فِي الشّعْر من ذَلِك قَوْله:
ناديت باسم ربيعَة بن مكدمإِن المنوه باسمه الموثوق
فَقَالَ: الموثوق وَحذف بِهِ. انْتهى. وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: سَأَلَني أَبُو عَليّ مرّة عَن قَوْله:
فَقلت لَهُ لَا وَالَّذِي حج حَاتِمالْبَيْت
فَقلت لَهُ: يجوز أَن يكون أقسم بِاللَّه ﷿ أَي: وَالله الَّذِي حج حَاتِم بَيته ثمَّ حذف الْمُضَاف فَصَارَ حجَّة ثمَّ حذف الضَّمِير على الْعَادة من الصِّلَة. وَيجوز أَن يكون الَّذِي مصدرا كَقَوْلِه تَعَالَى: الَّذِي يبشر الله عباده. وَهُوَ شَبيه بيتنا هَذَا. اه. أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْمُشبه بِهِ الْبَيْت الَّذِي شَرحه وَهُوَ:
رويق إِنِّي وَمَا حج الحجيج لَهُوَمَا أهل بجنبي نَخْلَة الْحرم
قَالَ: يحْتَمل مَا هُنَا أوجهاً: أَحدهَا أَن تكون عبارَة عَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ على مَا حَكَاهُ أَبُو زيد عَن الْعَرَب من قَوْله: سُبْحَانَ مَا سخركن لنا وَسُبْحَان مَا سبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَأَرَادَ: فِي مَا الثَّانِيَة لَهُ غير أَنه حذفهَا لطول الْكَلَام وَتقدم ذكرهَا مَعَ مَا فِي الأولى. وَيجوز أَيْضا أَن يكون مَا هُنَا مصدرا فَتكون الْهَاء فِي لَهُ لله تَعَالَى وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَنَّهُ قد جرى ذكر الْحَج فدلت الطَّاعَة على المطاع سُبْحَانَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وَحج الحجيج لله. ويؤكد ذَاك أَنه لم يعد مَعَ مَا الثَّانِيَة لَهُ لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَيْهَا من حَيْثُ كَانَت مصدرا وَغير محتاجة إِلَى عَائِد وَقد تقدم لَهُ الأولى. وَيجوز أَيْضا أَن تكون مَا عبارَة عَن الْبَيْت فَيقسم بِالْبَيْتِ كَقَوْل زُهَيْر:
فأقسمت بِالْبَيْتِ الَّذِي طَاف حولهرجالٌ بنوه من قريشٍ وجرهم
)
فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك احتملت الْهَاء فِي لَهُ أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون للبيت على أَن يكون لَهُ بِمَعْنى إِلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: بِأَن رَبك أوحى لَهَا أَي: إِلَيْهَا. وَالْآخر أَن يكون لله تَعَالَى أَي: وَالْبَيْت الَّذِي حج الحجيج لطاعة الله. وسألني أَبُو عَليّ مرّة عَن قَوْله. إِلَى آخر مَا أوردناه أَولا.
فَعلم أَن كَلَام الشَّارِح المحق هُوَ أحد تخريجي أبي عَليّ الْفَارِسِي على تَقْدِير حمل الَّذِي على الله. وَلم يرتضه ابْن جني على هَذَا التَّقْدِير بل جعله على تَأْوِيل: وَالله الَّذِي حج بَيته حَاتِم فَحذف بَيت أَولا ثمَّ الضَّمِير الْعَائِد تدريجاً. وَهَذَا أَقيس من كَلَام أبي عَليّ.
وَالْبَيْت أحد
مَرَرْت على دَار امْرِئ السوء عِنْدهلُيُوث كعيدانٍ بحائط بُسْتَان
ومررت على دَار امْرِئ الصدْق حولهمرابط أفراسٍ وملعب فتيَان
فَقَالَ مجيباً وَالَّذِي حج حاتمٌأخونك عهدا إِنَّنِي غير خوان
وَالسوء: بِفَتْح السِّين وَضمّهَا: مصدرٌ أَرَادَ بِهِ السَّيئ فَأطلق عَلَيْهِ مُبَالغَة. وَكَذَلِكَ الصدْق مصدر أطلق على الصَّادِق. وَيكون السوء والصدق فِي القَوْل وَالْفِعْل. والليوث: جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد أَرَادَ بِهِ الشجعان. وَقَالَ الْجرْمِي: هُوَ جمع ليثة يُقَال: نَاقَة ليثة. انْتهى.
وَفِي الْقَامُوس: الليثة من الْإِبِل: الشَّدِيدَة. والعيدان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: النّخل الطوَال قَالَ الْجَوْهَرِي: والعيدان بِالْفَتْح: الطوَال من النّخل الْوَاحِدَة عيدانة. هَذَا إِن كَانَ فعلان فَهُوَ من هَذَا الْبَاب فَإِن كَانَ فيعالاً فَهُوَ من بَاب النُّون. وَقَوله: بحائط بُسْتَان الْبَاء بِمَعْنى فِي. والحائط الْبُسْتَان والبستان فعلانٌ: الْجنَّة. قَالَ الْفراء: عربيٌّ. وَقَالَ بَعضهم: رومي مُعرب. فإضافة حَائِط إِلَى بُسْتَان بَيَانِيَّة.
وَقَوله: ومررت على دَار إِلَخ قَالَ الْجرْمِي: الْوَاو زَائِدَة فِي الْبَيْت كَأَنَّهُ عطف بَيْتا على بَيت. وفتيان: جمع فَتى. وَقَوله: أخونك عهدا الخون والخيانة: أَن يؤتمن الْإِنْسَان فَلَا ينصح بتعدى بِنَفسِهِ إِلَى مفعول واحدٍ تَارَة يُقَال: خَان الرجل الْأَمَانَة وَتارَة إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِنَفسِهِ وبحرف الْجَرّ يُقَال: خانه الْعَهْد وَفِي الْعَهْد. والعهد: الْوَصِيَّة والأمان والموثق والذمة. وَقَوله: فَقَالَ مجيباً فَاعل قَالَ ضمير امْرِئ الصدْق ومجيباً حَال مِنْهُ. وَقَوله وَالَّذِي الْوَاو للقسم وَالَّذِي مقسم بِهِ. وَحج حَاتِم صلَة الَّذِي والعائد مَحْذُوف كَمَا تقدم بَيَانه وَجُمْلَة: أخونك جَوَاب الْقسم بِتَقْدِير لَا النافية كَقَوْلِه تَعَالَى: تالله تفتؤ تذكر يُوسُف وَالْكَاف مفعول أول وَهِي مَفْتُوحَة لَا مَكْسُورَة وعهداً مفعول ثَان وَجُمْلَة: إِنَّنِي غير خوان اسْتِئْنَاف بياني. والأبيات لعريان بن سهلة الْجرْمِي وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة. كَذَا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره. والعريان بِضَم الْعين)
وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا مثناة
تحتية وَآخره نون. وسهلة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا لَام وهاء تَأْنِيث. والجرمي: نِسْبَة إِلَى جرم بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة. وجرم: بطنٌ من قَبيلَة طَيء وبطن من قَبيلَة قضاعة أَيْضا. وَلَا أعلم إِلَى أَي هذَيْن البطنين. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع