تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة

فيه ٣٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك إمارةٌأمنت وَهَذَا تحملين طليق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

على أَن هَذَا عِنْد الْكُوفِيّين اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذِي أَي: الَّذِي تحملينه طليق. قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ: الْعَرَب قد تذْهب بِهَذَا وَذَا إِلَى معنى الَّذِي فَيَقُولُونَ: وَمن ذَا يَقُول ذَاك فِي معنى من الَّذِي يَقُول وأنشدوا: عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك أَمارَة الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي تحملين طليق. انْتهى. قَالَ أَبُو على الْفَارِسِي فِي إِيضَاح الشّعْر: هَذَا الْبَيْت ينشده البغداديون ويستدلون بِهِ على أَن ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَأَنه يُوصل كَمَا يُوصل الَّذِي فيجعلون تحملين صلَة ل ذَا كَمَا يجعلونه صلَة للَّذي. وَعِنْدنَا يحْتَمل قَوْله تحملين وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهَذَا رجل تحملين

فتحذف الْهَاء من الصّفة كَمَا حذفت فِي قَوْلك: النَّاس رجلَانِ: رجلٌ أكرمت ورجلٌ أهنت. وَكَقَوْلِه: وَمَا شيءٌ حميت بمستباح أَي: حميته. وَالْآخر: أَن يكون صفة لطليق فَقدمت فَصَارَ فِي مَوضِع نصب على الْحَال: فَإِذا احْتمل غير مَا تأولوه من الصِّلَة لم يكن على الحكم بِأَن ذَلِك والأسماء المبهمة توصل كَمَا يُوصل الَّذِي دليلٌ. وَكَذَلِكَ مَا اسْتشْهدُوا بِهِ من قَوْله تَعَالَى: وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى وقالوه وتأولوه على أَن الْمَعْنى: وَمَا الَّتِي بيمينك وَلَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون بيمينك فِي مَوضِع الْحَال وَالْعَامِل فِي الْحَال فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا مَا فِي الِاسْم الْمُبْهم من معنى الْفِعْل. انْتهى.

وَالِاحْتِمَال الأول ضَعِيف لِأَنَّهُ تخريجٌ على ضَرُورَة لِأَن حذف الْمَوْصُوف إِذا كَانَت صفته جملَة بِدُونِ أَن يكون بَعْضًا من مجرور ب من أَو فِي خاصٌ بِالضَّرُورَةِ أَو الشذوذ. وأضعف من هَذَا تَخْرِيج ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف أَن جملَة تحملين صلةٌ لموصول مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهَذَا الَّذِي تحملين. وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ بصريٌّ لِأَنَّهُ لَا يرى أحدٌ مِنْهُم حذف الْمَوْصُول الاسمي وَبَقَاء صلته.

والتخريج على الحالية هُوَ الْجيد وَلَا حَاجَة إِلَى اعْتِبَار كَونه فِي الأَصْل صفة فَلَمَّا قدم صَار حَالا لِأَن ذَاك انما يعْتَبر فِي الْأَحْوَال المفردة لَا فِي الْجمل نَحْو: لمية موحشاً طلل وادعاء أَن الْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي إسم الْإِشَارَة من معنى الْفِعْل غير جيد فَإِن جملَة تحملين)

حَال من ضمير طليق فطليق هُوَ الْعَامِل فِي الْحَال وصاحبها. فَإِن قلت: نزل كَلَامه على أَن الْجُمْلَة حالٌ من إسم الْإِشَارَة فَيكون الْعَامِل معنى التَّنْبِيه. قلت: يأباه قَوْله: إِن تحملين مقدم من تَأْخِيره. فَتَأمل. وَالْبَيْت أول أبياتٍ ليزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الْحِمْيَرِي خَاطب بهَا بغلة. وَبعده:

طليق الَّذِي نجى من الْحَبْس بَعْدَمَاتلاحم فِي دربٍ عَلَيْك مضيق
ذري وتناسي مَا لقِيت فَإِنَّهُلكل أناسٍ خبطةٌ وحريق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
قضى لَك خمخامٌ بأرضك فالحقيبأهلك لايؤخذ عَلَيْك طَرِيق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
فيا بغلة شماء لَو كنت مادحاًمدحتك إِنِّي للكرام صديق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
لعمري لقد أنجاك من هوة الردىإمامٌ وحبلٌ للأنام وثيق
سأشكر مَا أوليت من حسن نعمةٍومثلي بشكر المنعمين حقيق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وَقد تقدم سَبَب هَذِه الأبيات مَعَ تَرْجَمَة يزِيد هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثلثمائة وَلَكِن يَنْبَغِي إِيرَاده هُنَا مُخْتَصرا لطول الْعَهْد. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: يزِيد هَذَا حليفٌ لقريش وَيُقَال: إِنَّه كَانَ عبدا للضحاك بن عبد عَوْف الْهِلَالِي فأنعم عَلَيْهِ وَلما ولي سعيد بن عُثْمَان ابْن عَفَّان خُرَاسَان استصحبه فَلم يَصْحَبهُ يزِيد وَصَحب زِيَاد بن أبي سُفْيَان فَلم

يحمده وأتى عباد بن زِيَاد فَكَانَ مَعَه. وَكَانَ عبادٌ طَوِيل اللِّحْيَة عريضها فَركب ذَات يومٍ وَابْن مفرغ مَعَه فِي موكبه فَهبت ريحٌ فنفشت لحيته فَقَالَ ابْن مفرغ:

أَلا لَيْت اللحى كَانَت حشيشاًفترعاها خُيُول المسلمينا

فَبلغ ذَلِك عباداً فحقد عَلَيْهِ وجفاه فَقَالَ ابْن مفرغ:

إِن تركي ندى سعيد بن عثمان فَتى الْجُود ناصري وعديدي
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
واتباعي أَخا الرضَاعَة واللؤم لنقصٌ وفوت شأوٍ بعيد
قلت وَاللَّيْل مطبقٌ بعراهلَيْتَني مت قبل ترك سعيد
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

فَأَخذه عبيد الله بن زِيَاد وحبسه وعذبه وسقاه التربد فِي النَّبِيذ وَحمله على بعير وَقرن بِهِ خنزيرةً وأمشاه بَطْنه مشياً شَدِيدا فَكَانَ يسيل مِنْهُ مَا يخرج على الخنزيرة فتصيح وَكلما صاحت قَالَ ابْن مفرغ وَسُميَّة: أم زِيَاد وَجعلهَا خنزيرة. فطيف بِهِ فِي أَزِقَّة الْبَصْرَة وَجعل النَّاس يَقُولُونَ: أَيْن جيست أَي: مَا هَذَا وَهُوَ يَقُول:)

آب است نَبِيذ است عصارات زبيب است سميَّة روسبيد است وَهَذِه كَلِمَات بِالْفَارِسِيَّةِ أَي: هَذَا الَّذِي تَرَوْنَهُ إِنَّمَا هُوَ نبيذٌ وعصارة زبيب وَسُميَّة الْبَغي.

يَعْنِي بهَا الخنزيرة. فَلَمَّا ألح عَلَيْهِ مَا يخرج مِنْهُ قيل لِعبيد الله: إِنَّه يَمُوت فَأمر بِهِ فَأنْزل واغتسل فَلَمَّا خرج من المَاء قَالَ:

يغسل المَاء مَا فعلت وَقَوْلِيراسخٌ مِنْك فِي الْعِظَام البوالي

ثمَّ دس عَلَيْهِ غرماءه يستعدون عَلَيْهِ فَأمر بِبيع مَا وجد لَهُ فِي إِعْطَاء غُرَمَائه فَكَانَ فِيمَا بيع لَهُ غُلَام يُقَال لَهُ برد وَكَانَ يعدل عِنْده وَلَده وجاريةٌ يُقَال لَهَا الأراكة. ففيهما يَقُول:

يَا برد مَا مسنا دهرٌ أضرّ بِنَامن قبل هَذَا وَلَا بعنا لَهُ ولدا
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
أما الْأَرَاك فَكَانَت من محارمناعَيْشًا لذيذاً وَكَانَت جنَّة رغدا
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
لَوْلَا الدَّاعِي وَلَوْلَا مَا تعرض ليمن الْحَوَادِث مَا فارقتها أبدا
وشريت بردا لَيْتَنيمن بعد بردٍ كنت هامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
أَو بومةً تَدْعُو صدًىبَين المشقر واليمامه
الرّيح تبْكي شجوهوالبرق يلمع فِي الغمامه

ثمَّ إِن عبيد الله أَمر بِهِ فَحمل إِلَى سجستان إِلَى أَخِيه عباد بن زِيَاد وَكَانَ ابْن مفرغ كتب فِي حيطان الطّرق والمنازل والخانات هجاءهم فألزم محوه بأظافره حَتَّى فَسدتْ أنامله وَمنع أَن يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَة وألزمه أَن يُصَلِّي إِلَى قبْلَة النَّصَارَى فَلَمَّا وصل إِلَى عبادٍ حبس فَكَانَ يهجوهم فِي الْحَبْس. وَمِمَّا قَالَه فِيهِ:

إِن زياداً ونافعاً وَأَبا بكرة عِنْدِي من أعجب الْعجب
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
إِن رجَالًا ثَلَاثَة خلقُوامن رحم أُنْثَى مخالفي النّسَب
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
ذَا قرشيٌّ كَمَا يَقُول وَذَامولى وَهَذَا بِزَعْمِهِ عَرَبِيّ
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وَالثَّلَاثَة أَوْلَاد سميَّة. أما نَافِع فَهُوَ من الْحَارِث بن كلدة. وَأما أَبُو بكر وزيادٌ فهما من عبيدٍ الرُّومِي فَإِن الْحَارِث بعد أَن أولدها نَافِعًا زَوجهَا لِعبيد فزيادٌ ادّعى أَنه قرشي وَأَبُو بكرَة مولى لكَونه ابْن عبيد.

وَأما نَافِع فَهُوَ عربيٌّ لكَونه ابْن الْحَارِث الثَّقَفِيّ. فَلَمَّا طَال حَبسه دخل)

أهل الْيمن إِلَى مُعَاوِيَة فشفعوا فِيهِ وَوجه رجلا من بني أَسد يُقَال لَهُ خمخام وَقَالَ ابْن السَّيِّد: هُوَ من بني راسب بريداً إِلَى عباد وَأمره أَن يبْدَأ بِالْحَبْسِ فَيخرج ابْن مفرغ مِنْهُ قبل أَن يعلم عبادٌ فيغتاله. فَفعل ذَلِك فَلَمَّا خرج من الْحَبْس قربت بغلةٌ من بغال الْبَرِيد فركبها وَقَالَ: عدس مَا لعبادٍ عَلَيْك إمارةٌ الأبيات وَتَمام الْقِصَّة هُنَاكَ. فَقَوله: عدس هُوَ زجرٌ للبغل أَي: إِنَّه زجرٌ لَهُ ليسرع. قَالَه الْجَوْهَرِي وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَرُبمَا سموا الْبَغْل عدس بزجره. قَالَ الشَّاعِر:

إِذا حملت بزتي على عدسفَمَا أُبَالِي من غزا وَمن جلس

وَقَالَ الجاحظ: زعم أناسٌ أَن عدس اسْم لكل بغلة وذهبوا إِلَى قَول الشَّاعِر:

إِذا حملت بزتي على عدسعلى الَّتِي بَين الْحمار وَالْفرس

فَمَا أُبَالِي من غزا وَمن جلس وَرُوِيَ عَن الْخَلِيل أَن عدس كَانَ رجلا عنيفاً بالبغال أَيَّام سُلَيْمَان ﵇ فَإِذا قيل لَهَا ذَلِك إنزجرت وأسرعت. وَهَذَا لَا يعرف فِي اللُّغَة. وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن الَّذِي رَكبه ابْن مفرغ فرس. قَالَ: فَبعث على الْبَرِيد من أطلقهُ فَبَدَأَ بِالْحَبْسِ فَأخْرجهُ فَلَمَّا قرب إِلَيْهِ فرسه قَالَ: عدس مَا لعباد الْبَيْت.

وَهَذَا وهمٌ وَيدل لما قُلْنَا قَوْله: فِيمَا بغلة شماء................. الْبَيْت وَأَن عدس خاصٌّ بزجر البغال. وَقَالَ بَعضهم: إِن عدس إسم بغلته. وَهَذَا غير صَحِيح أَيْضا لِأَنَّهَا لم تكن لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ من بغال الْبَرِيد. وَقَوله: مَا لعبادٍ إِلَخ مَا نَافِيَة وَاللَّام مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَعَلَيْك مُتَعَلق بالظرف وإمارة إِمَّا فَاعل لقَوْله لعباد وَإِمَّا مُبْتَدأ وَخَبره لعباد. وَجُمْلَة: أمنت مستأنفة بَيَانا للجملة المنفية. وَجُمْلَة: وَهَذَا تحملين طليق حالٌ من فَاعل أمنت أَي: أمنت فِي حَال كَون محمولك طليقاً. والطليق: الَّذِي أطلق من الإسار أَي: أمنت من حكم عباد. وَإِذا لم يكن لَهُ حكم على البغلة فَلِأَن لَا يكون عَلَيْهِ حكمٌ أولى. وَقَوله: وَهَذَا تحملين يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ نَفسه. وَمن الْعجب قَول الْعَيْنِيّ هُنَا: إِن عدس منادى بِحرف نِدَاء مَحْذُوف وَبني على السّكُون لِأَنَّهُ فِي الأَصْل حِكَايَة صَوت. إِلَى أَن قَالَ: وإمارة مُبْتَدأ. وَعباد هُوَ أَخُو عبيد الله بن زِيَاد الَّذِي قَاتل الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ فِي كربلاء. وزيادٌ يُقَال لَهُ زِيَاد بن سميَّة وَهِي أمه بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء وَيُقَال لَهُ زِيَاد بن عبيد بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ أَبوهُ. وَيُقَال)

لَهُ أَيْضا زِيَاد بن أَبِيه أَي: ابْن أبي مُعَاوِيَة لِأَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان جعله أَخا لنَفسِهِ واستلحقه بِأَبِيهِ. وَبَيَان ذَلِك كَمَا ذكره الْملك إِسْمَاعِيل الأيوبي صَاحب حماة فِي كِتَابه أَخْبَار الْبشر: أَنه لما دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة استلحق مُعَاوِيَة زِيَاد بن سميَّة وَكَانَت سميَّة جَارِيَة لِلْحَارِثِ بن كلدة الثَّقَفِيّ فَزَوجهَا بعبدٍ لَهُ رومي يُقَال لَهُ عبيد فَولدت سميَّة زياداً على فرَاشه فَهُوَ ولد عبيدٍ شرعا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان قد سَار فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى الطَّائِف فَنزل على إنسانٍ يَبِيع الْخمر يُقَال لَهُ أَبُو مَرْيَم أسلم بعد ذَلِك وَكَانَت لَهُ صُحْبَة فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان: قد اشْتهيت النِّسَاء فَقَالَ لَهُ أَبُو مَرْيَم: هَل لَك فِي سميَّة فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: هَاتِهَا على

طول ثدييها ودفر إبطيها فَأَتَاهُ بهَا فَوَقع عَلَيْهَا فَيُقَال إِنَّهَا علقت مِنْهُ بِزِيَاد فَوَضَعته فِي سنة الْهِجْرَة.

وَنَشَأ زيادٌ فصيحاً ثمَّ لما كَانَ قَضِيَّة شَهَادَة الشُّهُود على الْمُغيرَة بالزنى وجلدهم وَمِنْهُم أَبُو بكرَة أَخُو زِيَاد لأمه وَامْتِنَاع زِيَاد عَن التَّصْرِيح كَمَا ذكرنَا اتخذ الْمُغيرَة بذلك لزياداً يدا. ثمَّ لما ولي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الْخلَافَة اسْتعْمل زياداً على فَارس فَقَامَ بولايتها أحسن قيام. وَلما سلم الْحسن الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة امْتنع زيادٌ بِفَارِس وَلم يدْخل فِي طَاعَة مُعَاوِيَة وأهم مُعَاوِيَة أمره وَخَافَ أَن يَدْعُو إِلَى أحدٍ من بني هَاشم وَيُعِيد الْحَرْب وَكَانَ مُعَاوِيَة قد ولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْكُوفَة فَقدم الْمُغيرَة على مُعَاوِيَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فَشَكا إِلَيْهِ مُعَاوِيَة امْتنَاع زِيَاد بِفَارِس. فَقَالَ الْمُغيرَة: أتأذن لي فِي الْمسير إِلَيْهِ فَأذن لَهُ وَكتب مُعَاوِيَة لزيادٍ أَمَانًا فَتوجه الْمُغيرَة إِلَيْهِ لما بَينهمَا من الْمَوَدَّة وَمَا زَالَ عَلَيْهِ حَتَّى أحضرهُ إِلَى مُعَاوِيَة وَبَايَعَهُ وَكَانَ الْمُغيرَة يكرم زياداً ويعظمه من حِين كَانَ مِنْهُ فِي شَهَادَة الزِّنَى مَا كَانَ. فَلَمَّا كَانَت هَذِه السّنة سنة أَربع وَأَرْبَعين استلحق مُعَاوِيَة زياداً وأحضر النَّاس وَحضر من يشْهد لزيادٍ بِالنّسَبِ وَكَانَ مِمَّن حضر ذَلِك الْيَوْم أَبُو مَرْيَم الْخمار الَّذِي أحضر سميَّة إِلَى أبي سُفْيَان بِالطَّائِف فَشهد بِنسَب زيادٍ من أبي سُفْيَان وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت إسكتي سميَّة يقطران من مني أبي سُفْيَان. فَقَالَ زِيَاد: رويدك طلبت شَاهدا وَلم تطلب شتاماً. فاستلحقه مُعَاوِيَة. وَهَذِه أول وَاقعَة خولفت فِيهَا الشَّرِيعَة عَلَانيَة لصريح قَول النَّبِي ﷺ َ: الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر. وَأعظم النَّاس ذَلِك وأنكروه خُصُوصا بني أُميَّة لكَون زِيَاد بن عبيد الرُّومِي صَار من بني أُميَّة بن عبد شمس.

وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَخُو مَرْوَان فِي ذَلِك:

أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن صخرٍلقد ضَاقَتْ بِمَا تَأتي اليدان

)

أتغضب أَن يُقَال أَبوك عفٌّوترضى أَن يُقَال أَبوك زاني
للشاعر عبد الرحمن بن الحكم، اقرأ القصيدة
وَأشْهد أَن رَحِمك من زيادٍكرحم الْفِيل من ولد الأتان

ثمَّ ولى مُعَاوِيَة زياداً الْبَصْرَة وأضاف إِلَيْهِ خُرَاسَان وسجستان ثمَّ جمع لَهُ الْهِنْد والبحرين وعمان. ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين فِيهَا قدم زيادٌ إِلَى الْبَصْرَة وسدد أَمر السلطنة وأكد الْملك لمعاوية وجرد السَّيْف وَأخذ بالظنة وعاقب على الشُّبْهَة فخافه النَّاس خوفًا شَدِيدا.

وَكَانَ مُعَاوِيَة وعماله يدعونَ لعُثْمَان فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة ويسبون عليا. وَلما كَانَ الْمُغيرَة مُتَوَلِّي الْكُوفَة كَانَ يفعل ذَلِك وَكَانَ حجرٌ يقوم وَمَعَهُ جمَاعَة يردون عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُغيرَة يتَجَاوَز عَنْهُم فَلَمَّا ولي زيادٌ ودعا لعُثْمَان وَسَب عليا قَامَ حجر وَقَالَ كَمَا كَانَ يَقُول من الثَّنَاء على عَليّ فَغَضب زيادٌ وأمسكه وأوثقه بالحديد وَثَلَاثَة عشر نَفرا مَعَهم وأرسلهم إِلَى مُعَاوِيَة فشفع فِي ستةٍ مِنْهُم عَشَائِرهمْ وَبَقِي ثَمَانِيَة مِنْهُم حجر فَقَتلهُمْ مُعَاوِيَة. وَكَانَ حجرٌ صحابياً من أعظم النَّاس دينا وَصَلَاة. وروى ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: أَربع خِصَال كن فِي مُعَاوِيَة لَو لم تكن فِيهِ إِلَّا واحدةٌ لكَانَتْ موبقة وَهِي: أَخذه الْخلَافَة بِالسَّيْفِ من غير مشاورةٍ وَفِي النَّاس بقايا الصَّحَابَة وذوو الْفَضِيلَة. واستخلافه ابْنه يزِيد وَكَانَ سكيراً خميراً يلبس الْحَرِير وَيضْرب بالطنابير. وادعاؤه زياداً أَخا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: الْوَلَد للْفراش وللعاهرة الْحجر. وَقَتله حجر بن عديٍّ وَأَصْحَابه فيا ويلاً لَهُ من حجر وَأَصْحَاب حجر. وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَنه أسر إِلَى الرّبيع أَن لَا يقبل شَهَادَة أَرْبَعَة وهم: مُعَاوِيَة عَمْرو بن العَاصِي والمغيرة وَزِيَاد.

وَأما قَضِيَّة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فقد كَانَت فِي سنة سبع عشرَة وَهِي أَن الْمُغيرَة كَانَ عمر بن الْخطاب قد ولاه الْبَصْرَة وَكَانَ فِي قبالة الْعلية الَّتِي فِيهَا الْمُغيرَة بن شُعْبَة عليةٌ فِيهَا أَرْبَعَة وهم أَبُو بكرَة مولى النَّبِي ﷺ َ وَأَخُوهُ لأمه زِيَاد ابْن أَبِيه وَنَافِع بن كلدة وشبل بن معبد فَرفعت الرّيح الكوة عَن الْعلية فنظروا إِلَى الْمُغيرَة وَهُوَ على أم جميل بنت الأرقم بن عَامر بن صعصعة وَكَانَت تغشى الْمُغيرَة فَكَتَبُوا بذلك فعزل الْمُغيرَة واستقدمه مَعَ الشُّهُود. فَلَمَّا قدم إِلَى عمر شهد أَبُو بكرَة ونافعٌ وشبلٍ على الْمُغيرَة بالزنى وَأما زِيَاد بن أَبِيه فَلم يفصح بِشَهَادَة الزِّنَى فَقَالَ: رَأَيْته جَالِسا بَين رجْلي امْرَأَة وَرَأَيْت رجلَيْنِ مرتفعتين ونفساً يَعْلُو واستاً تربو عَن ذكر وَلَا أعلم مَا وَرَاء ذَلِك. فَقَالَ عمر: هَل رَأَيْت الْميل فِي المكحلة فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: هَل تعرف الْمَرْأَة قَالَ: وَلَكِن أشبههَا. فَأمر عمر بِالثَّلَاثَةِ الَّذين شهدُوا بالزنحها أَن)

يحدوا حد الْقَذْف فجلدوا. وَكَانَ زيادٌ أَخا أبي بكرَة لأمه فَلم يكلمهُ أَبُو بكرَة بعْدهَا. انْتهى مَا نقلته عَن أَخْبَار الْبشر.

وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: كتاب مثالب الْعَرَب أَصله لزياد بن أَبِيه فَإِنَّهُ لما ادّعى أَبَا سُفْيَان أَبَا علم أَن الْعَرَب لَا تقر لَهُ بذلك مَعَ علمهمْ بنسبه فَعمل كتاب المثالب والصق بالعرب كل عيبٍ وعار وباطل وإفك وبهت. ثمَّ ثنى على ذَلِك الْهَيْثَم بن عديٍّ وَكَانَ دعياً فَأَرَادَ أَن يعر أهل الشّرف تشفياً مِنْهُم. ثمَّ جدد ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَزَاد فِيهِ لِأَن أَصله كَانَ يَهُودِيّا أسلم جده على يَدي بعض آل أبي بكر فانتمى إِلَى وَلَاء تيم. ثمَّ نَشأ غيلَان الشعوبي الْوراق وَكَانَ زنديقاً ثنوياً لَا يشك فِيهِ فَعمل لطاهر ابْن الْحُسَيْن كتابا خَارِجا عَن الْإِسْلَام بَدَأَ فِيهِ بمثالب بني هَاشم وَذكر مناكحهم وأمهاتهم ثمَّ بطُون قُرَيْش ثمَّ سَائِر الْعَرَب وَنسب إِلَيْهِم كل كذب وزور وَوضع عَلَيْهِم كل إفْك وبهتان. وَوَصله عَلَيْهِ طاهرٌ بِثَلَاثِينَ ألفا.

وَأما كتاب المثالب والمناقب الَّذِي بأيدي النَّاس الْيَوْم فَإِنَّمَا هُوَ للنضر بن شُمَيْل الْحِمْيَرِي وخَالِد بن سَلمَة المَخْزُومِي وَكَانَا أنسب أهل زمانهما أَمرهمَا هِشَام بن عبد الْملك أَن يبينا مثالب الْعَرَب ومناقبها وَقَالَ لَهما وَلمن ضم إِلَيْهِمَا: دعوا قُريْشًا بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. فَلَيْسَ لقرشيٍّ فِي ذَلِك الْكتاب ذكر. انْتهى. وَقَوله: طليق الَّذِي نجى إِلَخ الَّذِي نجاه من الْحَبْس هُوَ مُعَاوِيَة. والدرب بِالْفَتْح: بَاب السِّكَّة الْوَاسِع وَالْبَاب الْأَكْبَر. ومضيق: فَاعل تلاحم. وَقَوله: لكل أناسٍ خبطة إِلَخ الخبطة بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الخبطة: الركمة تصيب من قبل الشتَاء والمطر الْوَاسِع. وَقَالَ: الركمة بِالضَّمِّ: الطين الْمَجْمُوع.

وَقَوله: قضى لَك خمخام بِفَتْح الخاءين المعجمتين. وروى ابْن قُتَيْبَة بحاءين مهملتين.

وَيُؤْخَذ مجزوم بِلَا الناهية وَأَرَادَ بِهِ الدُّعَاء لَهَا بِأَن لَا تُؤْخَذ فِي طَرِيق وَهُوَ عَلَيْهَا. والشماء: الْعَالِيَة المرتفعة مؤنث الأشم. والهوة بِالضَّمِّ: الْموضع الهاوي. والردى: الْهَلَاك. وإمامٌ: فَاعل أنجاك. والطرق والطروق: الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ وَأَرَادَ بِهِ مُطلق الْإِتْيَان. وَقَوله:

وشريت بردا لَيْتَنيمن بعد بردٍ كنت هامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

فِي الْقَامُوس: الهامه: طائرٌ من طير اللَّيْل وَهُوَ الصدى. وَقَالَ فِي صدى: والصدى: طائرٌ يطير بِاللَّيْلِ يقفز قفزاً. والمشقر كمعظمٍ: حصن

قديم. واليمامة: بِلَاد الجو وأصل الْيَمَامَة اسْم امرأةٍ وَهِي جاريةٌ زرقاء وَكَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَهِي مشهورةٌ سمي الجو باسمها. وَبهَا تنبأ مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَهِي عَن مَكَّة سِتّ عشرَة مرحلةً من الْبَصْرَة وَعَن الْكُوفَة نَحْوهَا.)

وَقَوله: شجوه مفعول لأَجله أَي: شجو برد. والشجو: الْحزن أَي: لشجوها عَلَيْهِ. والبرق معطوفٌ على الرّيح أَي: والبرق يبكي أَيْضا. وَجُمْلَة يلمع إِلَخ حالٌ. قَالَ السَّيِّد المرتضى قدس سره فِي أَمَالِيهِ الْغرَر والدرر: عطف الْبَرْق على الرّيح ثمَّ أتبعه بقوله: يلمع فِي الغمامة كَأَنَّهُ قَالَ: والبرق أَيْضا يبكيه لامعاً فِي غمامه أَي: فِي حَال لمعانه. وَلَو لم يكن الْبَرْق مَعْطُوفًا على الرّيح فِي الْبكاء لم يكن للْكَلَام معنى وَلَا فَائِدَة. وَالْبَيْت الأول اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة على أَن الشِّرَاء يَأْتِي بِمَعْنى البيع كَمَا فِي الْبَيْت يُقَال: شريت الشَّيْء أشريه شرى وَشِرَاء إِذا بِعته وَإِذا أَخَذته أَيْضا. فَهُوَ من الأضداد. وَقد عَن لي أَن أسوق القصيدة هُنَا فَإِنَّهَا جيدةٌ فِي بَابهَا. قَالَ:

أصرمت حبلك من أَمَامهمن بعد أيامٍ برامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
ورمقتها فَوَجَدتهَاكالضلع لَيْسَ لَهَا استقامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
لهفي على الرَّأْي الَّذِيكَانَت عواقبه ندامه
تركي سعيداً ذَا الندىوَالْبَيْت ترفعه الدعامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
ليثاً إِذا شهد الوغىترك الْهوى وَمضى أَمَامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
كَانُوا صديقا قبل ذَافألم دهرٌ ذُو عرامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
وتبعت عبد بني علاجٍ تِلْكَ أَشْرَاط القيامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
جَاءَت بِهِ حبشيةٌسكاء تحسبها نعَامَة
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
من نسوةٍ سود الوجهـ ترى عَلَيْهِنَّ الندامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

وشريت بردا لَيْتَني............ الْبَيْتَيْنِ وبعدهما:

وَالْعَبْد يقرع بالعصاوَالْحر تكفيه الملامه
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
والهول يركبه الْفَتىحذر المخازي والملامه

وَقَوله: سكاء تحسبها نعامه قَالَ فِي الْعباب السكَك بِفتْحَتَيْنِ: صغر الْأذن وأذنٌ سكاء أَي: صَغِيرَة. يُقَال: كل سكاء تبيض وكل شرفاء تَلد. فالسكاء: الَّتِي لَا أذن ظَاهِرَة لَهَا. والشرفاء: الَّتِي لَهَا أذنٌ ظَاهِرَة. انْتهى. والنعام صَغِير الْأذن خلقه. وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»