من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة وبئري ذُو حفرت وَذُو طويت هَذَا عجز وصدره: على أَن ذُو اسْم مَوْصُول وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى الَّتِي لِأَن الْبِئْر مُؤَنّثَة. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَزعم ابْن عُصْفُور أَن ذُو خَاصَّة بالمذكر وَأَن الْمُؤَنَّث يخْتَص بِذَات وَأَن الْبِئْر فِي الْبَيْت ذكرت على معنى القليب كَمَا قَالَ الْفَارِسِي فِي قَوْله:
يَا بئرنا بِئْر بني عديلأنزحن قعرك بالدلي
حَتَّى تعودي أقطع الْوَلِيّ إِن التَّقْدِير: حَتَّى تعودي قلبياً أقطع فَحذف الْمَوْصُوف. وَفرق ابْن الضائع بَينهمَا بِأَن أقطع صفةٌ فَيحمل على الْفِعْل بِخِلَاف ذُو.
قَالَ: أَلا ترى أَن من قَالَ نفع الموعظة لَا يَقُول مُشِيرا إِلَيْهَا: هَذَا الموعظة. وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل فِي: قَالَ هَذَا رحمةٌ من رب: إِنَّه إِشَارَة إِلَى الْقطر لَا إِلَى الرَّحْمَة.
اه. وَالْبَيْت مشهورٌ. وَهُوَ من أَبْيَات خَمْسَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لسنان ابْن الْفَحْل الطَّائِي وَهِي:
وَقَالُوا قد جننت فَقلت كلاوربي مَا جننت وَلَا انتشيت
وَلَكِنِّي ظلمت فكدت أبْكِيمن الظُّلم الْمُبين أَو بَكَيْت
فَإِن المَاء مَاء أبي وجديوبئري ذُو حفرت وَذُو طويت
وقبلك رب خصمٍ قد تمالواعَليّ فَمَا هلعت وَلَا دَعَوْت
قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي فِي شرح الحماسة: قد عيب على أبي تَمام إِيرَاده مثل هَذِه الأبيات فِي بَاب الحماسة والبكاء على الظُّلم ضعفٌ وَعجز وَالْوَجْه فِيهِ أَن بكاءه كَانَ لمطالبتهم مَا لَيْسَ لَهُم وَلَا سَبِيل لَهُ على الإعتساف. والمغالبة فعل أهل الْجَاهِلِيَّة إِذْ لَا يراقب دين وَلَا يرهب سُلْطَان وَيدل على ذَلِك مَا ذكره ابْن دريدٍ فِي سَببه: أَنه اخْتصم حَيَّان من الْعَرَب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة فِي ماءٍ من مِيَاههمْ وَعبد الرَّحْمَن مصاهرٌ لأحد الْحَيَّيْنِ فبرك شيخٌ بَين يَدَيْهِ من الْحَيّ الآخر وَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير أَنا الَّذِي أَقُول:
إِلَى الرَّحْمَن ثمَّ إِلَى أَمِيريتعسفت المفاوز واشتكيت
رجَالًا طالبوني ثمَّ لجواوَلَو أَنِّي ظلمتهم انْتَهَيْت
)
رجوا فِي صهرهم أَن يغلبونيوبالرحمن صدق مَا ادعيت
وَقَالُوا قد جننت فَقلت كلا................. الأبيات الْخَمْسَة وَبعدهَا:
فأنصفني هداك الله مِنْهُموَلَو كَانَ الْغَلَبَة لاكتفيت
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شَرحه: وَهَذَا ماءٌ لبني أم الْكَهْف من جرم طَيء ولبني هرم بن العشراء من فَزَارَة اخْتصم فِيهِ الْحَيَّانِ وهم مختلطون مجاورون.
وَقَوله: وَلَو أَنِّي ظلمتهم انْتَهَيْت أَي: قلت أَنا ظَالِم ثمَّ امْتَنعُوا لكففت وَلم ألج. وَقَوله: وَقَالُوا: قد جننت مَعْطُوف على لجوا وجننت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وبالخطاب فِي الأول وبالتكلم فِي الثَّانِي. وكلا للزجر والردع. قَالَ الإِمَام المرزوقي: كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول: قَالُوا جننت أَو سكرت. فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا لِأَن النَّفْي الَّذِي يتعقب فِي الْجَواب ينظمهما. وَمثله قَول الآخر:...
فَمَا أَدْرِي إِذا يممت وَجهاأُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني
لِأَن المُرَاد أُرِيد الْخَيْر وأتجنب الشَّرّ فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا لِأَن مَا بعده يبينهما وَهُوَ:
الْخَيْر الَّذِي أَنا أبتغيهأم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني
أَرَادَ: إِنِّي لما أظهرت إنكاري وتشددت فِي إبائي قَالُوا: إِنَّه جن أَو سكر. فزجرتهم وَحلفت بِاللَّه نافياً مَا نسبت إِلَيْهِ. والإنتشاء والنشوة: السكر. ثمَّ أَخذ يبين كَيفَ استنكر مَا دفع إِلَيْهِ حَتَّى قيل فِيهِ مَا قيل كَقَوْلِه: وَلَكِنِّي ظلمت فكدت إِلَخ وَذكر الْبكاء ليري أنفته وامتعاضه وإنكاره لما أُرِيد ظلمه فِيهِ واغتياظه.
فَأَما الْعَرَب فَإِنَّمَا تنْسب نَفسهَا إِلَى القساوة وَتعير من يبكي. قَالَ مهلهل:
يبكي علينا وَلَا نبكي على أحدٍلنَحْنُ أغْلظ أكباداً من الْإِبِل
يَقُول: لَكِن عرض علينا ضيمٌ لم آلفه واستنزلت عَن حقٍّ لي طَال ملازمتي لَهُ فشارفت الْبكاء أَو بَكَيْت كل ذَلِك لاستنكافي مِمَّا أرادوني عَلَيْهِ. وَقَوله: فَإِن المَاء مَاء إِلَخ صرح بِمَا أُرِيد غصبه عَلَيْهِ فَقَالَ هُوَ ماءٌ موروث عَن الأسلاف وَحمى مَعْرُوف لي سلمه النَّاس لي على مر الْأَيَّام وبئر توليت استحداثها وحفرها وطيها. وطي الْبِئْر: بناؤها بِالْحِجَارَةِ. وطويت الْبِئْر فَهُوَ طويٌّ. وَقَوله: وقبلك رب خصم إِلَخ الْخصم لكَونه فِي الأَصْل مصدرا يُطلق على الْمُفْرد)
وَغَيره وَالذكر وَالْأُنْثَى بِلَفْظ وَاحِد. وَفِي لُغَة يُطَابق فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع فَيجمع على خصوم وخصام. وخصم الرجل يخصم من بَاب تَعب إِذا أحكم الْخُصُوم فَهُوَ خصم وخصيم.
وخاصمته فَخَصمته أخصمه من بَاب قتل إِذا غلبته فِي الْخُصُومَة. وتمالوا أَصله تمالؤوا بِهَمْزَة مَضْمُومَة بعد اللَّام الْمَفْتُوحَة يُقَال مالأه ممالأةً كفاعله مفاعلة بِمَعْنى عاونه معاونة. وتمالؤوا على الْأَمر: تعاونوا. وَقَالَ ابْن السّكيت: اجْتَمعُوا عَلَيْهِ. وهلع هلعاً من بَاب تَعب بِمَعْنى جزع فَهُوَ هلعٌ وهلوع مُبَالغَة وَقيل الْهَلَع: أفحش الْجزع. ودعوت بِمَعْنى قلت: يَا لفُلَان قَالَ الإِمَام المرزوقي: نبه على حسن ثباته فِي وَجه الْخُصُوم وتمرنه بمجادلتهم قَدِيما وحديثاً وتحككه لَهُم على احتفالٍ مِنْهُم على مناوأته سالفاً وآنفاً فَيَقُول: وَقد
بليت قبلك بِقوم لدٍّ تألبوا عَليّ وتعاونوا فَلم أجزع لما منيت بهم جزعاً فَاحِشا وَلَا استنصرت عَلَيْهِم غَيْرِي. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ هلعت وَقد قَالَ: كدت أبْكِي من الظُّلم إِلَخ وَهل الْهَلَع إِلَّا الْبكاء والجزع قلت: إِن الْهَلَع هُوَ الْجزع الْفَاحِش الَّذِي يظْهر فِيهِ الخضوع والإنقياد فَهَذَا هُوَ الَّذِي زعم أَنه لَا يظْهر عَلَيْهِ.
والبكاء الَّذِي ذكر أَنه شارفه إِنَّمَا كَانَ على طَرِيق الاستنكاف وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن عَن تخشع وتذلل وَلَا انقيادٍ وَلَا استسلام. وَسلم الْكَلَام من التَّنَاقُض. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَهَذَا لَيْسَ تناقضاً لِأَنَّهُ على اخْتِلَاف وَقْتَيْنِ أَي: إِنَّه ذل جَانِبه بعد أَن كَانَ عَزِيزًا.
وَهَذَا كَلَام الْخَطِيب التبريزي. وَنَظِيره أَبْيَات فَاطِمَة بنت الأجحم حِين ضعف جَانبهَا لمَوْت من كَانَ ينصرها وَهِي أبياتٌ حَسَنَة تمثلت بهَا سيدتنا فَاطِمَة ﵂ حِين قبض رَسُول الله ﷺ َ وَهِي:
قد كنت لي جبلا ألوذ بظلهفتركتني أَمْشِي بأجرد ضاحي
قد كنت ذَات حميةٍ مَا عِشْت ليأَمْشِي البرَاز وَكنت أَنْت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقيمِنْهُ وأدفع ظالمي بالراحي
وَإِذا دعت قمريةٌ شجناً لَهَالَيْلًا على فننٍ دَعَوْت صباحي
وَقَوله: وَلَكِنِّي نصبت لَهُم إِلَخ الألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام:
الحربة وَالْجمع إلال كحربة وحراب. يَقُول: ولكنني صبرت لَهُم وانتصبت فِي وُجُوههم وَهَيَّأْت سلاحي لدفعهم وطردتهم عَن وردهم كَفعل الْفَارِس الذاب الْمَانِع حَتَّى خلصت عَن غصبهم حَقي وقريت المَاء من دونهم فِي حَوْضِي. يُقَال: قريت المَاء فِي الْحَوْض بِالْقَافِ أَي: جمعته وَاسم ذَلِك المَاء: قرى)
بِكَسْر الْقَاف مَقْصُور. وَسنَان بن الْفَحْل: شَاعِر إسلاميٌّ فِي الدولة المروانية. وَهُوَ بِكَسْر السِّين بعْدهَا نونان. والفحل بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَأما عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك فقد ذكره الفاسي فِي تَارِيخ مَكَّة المشرفة وَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك بن قيس بن خَالِد بن وهب بن ثَعْلَبَة بن وائلة بن عَمْرو بن شَيبَان بن محَارب بن فهر بن مَالك الفِهري. قَالَ الزبير: ولاه يزِيد بن عبد الْملك الْمَدِينَة والموسم. وَذكر الطَّبَرِيّ أَن فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة ضمت إِلَيْهِ مَكَّة مَعَ الْمَدِينَة وَأَنه عزل عَن مَكَّة وَالْمَدينَة فِي النّصْف من ربيع الأول سنة أَربع وَمِائَة بِعَبْد الْوَاحِد بن ربيع الْبَصْرِيّ. وَسبب عَزله أَنه كَانَ خطب فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن ﵄ فامتنعت من قبُوله فألح عَلَيْهَا وتوعدها فشكته إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فَبعث إِلَى عبد الْوَاحِد فولاه الْمَدِينَة وَأمره بِالْقَبْضِ على عبد الرَّحْمَن وَأخذ مَاله حَتَّى تَركه فِي جُبَّة صوفٍ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ قد بَاشر نِيَابَة الْمَدِينَة ثَلَاث سِنِين وأشهراً.
وَكَانَ الزُّهْرِيّ قد أَشَارَ عَلَيْهِ بِرَأْي وَهُوَ أَنه يسْأَل الْعلمَاء إِذا أشكل عَلَيْهِ أمرٌ فَلم يفعل فَأَبْغضهُ النَّاس وذمه الشُّعَرَاء. وَهَذَا كَانَ آخر أمره. انْتهى.
وَإِنَّمَا ذكرت عبد الرَّحْمَن هَذَا ليعلم مِنْهُ عصر سِنَان بن الْفَحْل الطَّائِي فَإِنِّي لم أظفر لَهُ بترجمة وَلم أر
قولا لهَذَا الْمَرْء ذُو جَاءَ ساعياًهَلُمَّ فَإِن المشرفي الْفَرَائِض
على أَن ذُو بِمَعْنى الَّذِي. والساعي: الْوَالِي على صَدَقَة الزَّكَاة. وهلم: أقبل وتعال. والمشرفي: السَّيْف الْمَنْسُوب إِلَى المشارف وَهِي قرى للْعَرَب كَانَت السيوف تطبع بهَا. والفرائض: الْأَسْنَان الَّتِي تصلح لِأَن تُؤْخَذ فِي الزَّكَاة. يَقُول: أبلغا هَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ ساعياً أَي: والياً للصدقات: هَلُمَّ فَإنَّك تُعْطى السَّيْف بَدَلا من فَرَائض الْإِبِل. وَهَذَا مثلٌ ضربه لهَذَا السَّاعِي مستهزئاً بِهِ ومتوعداً إِيَّاه. يَقُول: إِنَّك مللت الْعَافِيَة والسلامة فَهَلُمَّ إِلَى الْبلَاء وَالشَّر من هَذِه الْولَايَة. وَالْبَيْت أول أبياتٍ لقوالٍ الطَّائِي أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَقد شرحناها مَعَ ذكره سَببهَا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الثلثمائة من بَاب النَّعْت.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع