من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س
أبني كليبٍ إِن عمي اللذاقتلا الْمُلُوك وفككا الأغلالا
على أَن حذف النُّون من قَوْله اللذا وَأَصله اللَّذَان تَخْفِيفًا لاستطالة الْمَوْصُول بالصلة. هَذَا قَول الْبَصرِيين. وَأما الْكُوفِيُّونَ فَحذف النُّون عِنْدهم لُغَة فِي إِثْبَاتهَا أَطَالَت الصِّلَة أم لم تطل.
حَكَاهُ عَنْهُم ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: قَالَ رجلٌ من الْأَنْصَار
الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَايَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف
لم يحذف النُّون للإضافة وَلَا ليعاقب الِاسْم النُّون وَلَكِن حذفوها كَمَا حذفوها من اللَّذين وَالَّذين حِين طَال الْكَلَام وَكَانَ الِاسْم الأول منتهاه الِاسْم الآخر. وَقَالَ الأخطل: أبني كُلَيْب إِن عمي اللذا الْبَيْت
لِأَن مَعْنَاهُ الَّذين فعلوا يَعْنِي: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة وَهُوَ مَعَ الْمَفْعُول. بِمَنْزِلَة اسْم مُفْرد لم يعْمل
وإِن الَّذِي حانت بفلجٍ دِمَاؤُهُمْهم الْقَوْم كل الْقَوْم يَا أم خَالِد
انْتهى. وَالْبَيْت من قصيدة للأخطل يفتخر بقَوْمه ويهجو جَرِيرًا. وَالْألف للنداء وَبَنُو كُلَيْب بن يَرْبُوع: رَهْط جرير. فَخر الأخطل على جرير بِمن اشْتهر من قومه من بني تغلب وساد كعمرو بن كُلْثُوم التغلبي قَاتل عَمْرو بن هندٍ ملك الْعَرَب وعصم أبي حَنش قَاتل شُرَحْبِيل بن عَمْرو بن حجر وَغَيرهم من سَادَات تغلب. والأغلال: جمع غل وَهُوَ طوقٌ من حَدِيد يَجْعَل فِي عنق الْأَسير وَقد يكون من قدٍّ وَعَلِيهِ شعر فيقمل على الْأَسير وَمِنْه قيل للْمَرْأَة السَّيئَة الْخلق: غلٍّ قملٌ بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْمِيم أَي: ذُو قمل. أَي: إِن عميه يفكان الغل من عنق الأسراء وينجونهم من أسر أعدائهم قسراً عَلَيْهِم. قَالَ السكرِي فِي شرح ديوَان الأخطل: أحد عميه أَبُو حَنش عصم بن النُّعْمَان قَاتل شُرَحْبِيل بن الْحَارِث بن عَمْرو بن آكل المرار يَوْم الْكلاب
الأول.
وَالْآخر دوكس بن الفدوكس بن مَالك بن جشم بن بكر بن حبيب بِالتَّصْغِيرِ. وَبعده:)
وأخوهما السفاح ظمأ خيلهحَتَّى وردن جبا الْكلاب نهالا
الْكلاب بِضَم الْكَاف: اسْم ماءٍ فِيمَا بَين الْبَصْرَة والكوفة على بضع عشرَة لَيْلَة ومن الْيَمَامَة على سبع ليالٍ أَو نَحْوهَا. والجبا بِكَسْر الْجِيم بعْدهَا مُوَحدَة قَالَ السكرِي: السفاح اسْمه سَلمَة بن خَالِد بن برة الْقُنْفُذ وَهُوَ كَعْب بن زُهَيْر من بني تيم بن أُسَامَة بن بكر بن حبيب وَإِنَّمَا سمي السفاح لِأَنَّهُ لما دنا من الْكلاب عمد إِلَى مزاد أَصْحَابه فشققها وسفح ماءها وَقَالَ: لَا مَاء لكم إِلَّا مَاء الْقَوْم فَقَاتلُوا عَنهُ وَإِلَّا فموتوا عطاشا. انْتهى. وللعرب وقعتان على الْكلاب يُقَال لَهما: يَوْم الْكلاب الأول وَيَوْم الْكلاب الثَّانِي. وَقد تقدم شرح الْكلاب الثَّانِي فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ وَهَذَا شرح الْيَوْم الأول بِاخْتِصَار. قَالَ الإِمَام العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: أما الْيَوْم الأول فَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لبني تغلب وَعَلَيْهِم سَلمَة بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ وَمَعَهُمْ ناسٌ من بني تَمِيم قليلٌ وَفِيهِمْ سُفْيَان بن مجاشع. وَكَانَت تميمٌ يَوْمئِذٍ فرْقَتَيْن: فرقةٌ مَعَ تغلب وَفرْقَة مَعَ بكر بن وَائِل. فلقي سَلمَة بن الْحَارِث بن عَمْرو أَخَاهُ شُرَحْبِيل بن الْحَارِث وَمَعَ شُرَحْبِيل بكر بن وَائِل
وَبَعض بني تَمِيم فَهزمَ أَصْحَاب شُرَحْبِيل وَقتل شُرَحْبِيل. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: شُرَحْبِيل بن حَارِث الْكِنْدِيّ من ولد حجر آكل المرار: ملك بني تَمِيم وَسَلَمَة بن الْحَارِث ملك بني تغلب. انْتهى.
وَقد تجوز الأخطل فِي جعل أبي حنشٍ ودوكسٍ عميه مَعَ أَنَّهُمَا من أعمام آبَائِهِ كَمَا تجوز فِي جعل السفاح أَخا لَهما. وَالصَّوَاب مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة ابْن كُلْثُوم من كتاب الشُّعَرَاء: يَعْنِي بعميه عمرا وَمرَّة ابْني كُلْثُوم فَإِن عمرا قتل عَمْرو بن هِنْد وَمرَّة قتل الْمُنْذر بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر.
وَلذَلِك قَالَ الفرزدق لجرير:
مَا ضرّ تغلب وائلٍ أهجوتهاأم بلت حَيْثُ تناطح البحران
انْتهى. وَنقل ابْن المستوفي عَن الْخَوَارِزْمِيّ أَنه قَالَ: فِي حَاشِيَة نُسْخَتي من الْمفصل: يَعْنِي بعميه ابْن هُبَيْرَة التغلبي والهذيل بن عمرَان الْأَصْغَر. قَالَ: سُئِلت كَيفَ يكونَانِ عميه وَأَحَدهمَا ابْن عمرَان وَالْآخر ابْن هُبَيْرَة أجبْت بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا عَمه وَالْآخر عَم أَبِيه أَو جده.
وَكِلَاهُمَا يُسمى عَمَّا. انْتهى. وَقَالَ ابْن خلف: عماه أَبُو حَنش وَأَخُوهُ أَو رجل آخر من قومه غير أخي أبي حَنش. وَقيل: عَمه الآخر عَمْرو ابْن كُلْثُوم. انْتهى. وَأول القصيدة نسيبٌ وَهَذَا مطْلعهَا:
كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍغلس الظلام من الربَاب خيالا
)
وتعرضت لَك بالأبالخ بَعْدَمَاقطعت بأبرق خلةً ووصالا
وتغولت لتروعنا جنيةًوالغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هفواتهن إِلَى الصِّبَاسَببا يصدن بِهِ الرِّجَال طوَالًا
مَا إِن رَأَيْت كمكرهن إِذا جرىفِينَا وَلَا كحبالهن حِبَالًا
المهديات لمن هوين مسَبَّةوالمحسنات لمن قلين مقَالا
يرعين عَهْدك مَا رأينك شَاهداوَإِذا مذلت يصرن عَنْك مذالا
وَإِذا وعدنك نائلاً أخلفنهوَوجدت عِنْد عداتهن مطالا
ثمَّ بعد أَرْبَعَة أَبْيَات من هَذَا النمط قَالَ: أبني كُلَيْب أَن عمي اللذا الْبَيْت وَذكر ثَلَاثَة أَيَّام أخر مِمَّا أوقع بَنو تغلب ببني تَمِيم وَهِي يَوْم الكحيل بِالتَّصْغِيرِ وَيَوْم الشرعبية وَيَوْم إراب. وَكَانَ السَّبَب فِي يَوْم الْكلاب أَن الْحَارِث بن عَمْرو الْكِنْدِيّ جد امْرِئ الْقَيْس الشَّاعِر ملك الْمدر والوبر أَرْبَعِينَ سنة وَقيل سِتِّينَ سنة وَقد كَانَ فرق بَينه فِي قبائل معدٍّ قبل مَوته فَجعل حجرا وَهُوَ أَبُو امْرِئ الْقَيْس فِي بني أَسد وكنانة وَكَانَ أسن وَلَده. وَجعل شُرَحْبِيل فِي بكر بن وَائِل وَبني حَنْظَلَة بن مَالك وَبني أسيد بن عَمْرو ابْن تَمِيم وَطَوَائِف من بني عَمْرو بن تَمِيم والرباب وَجعل ابْنه معدي كرب فِي قيس عيلان وَجعل سَلمَة وَهُوَ أَصْغَرهم فِي بني تغلب والنمر بن قاسط
وَبني سعد بن زيد مَنَاة. فَلَمَّا هلك أَبُو هم الْحَارِث بن عَمْرو تشَتت أَمرهم وَتَفَرَّقَتْ كلمتهم ومشت الرِّجَال بَينهم وتفاقم أَمرهم حَتَّى جمع كل واحدٍ مِنْهُم لصَاحبه الجموع وزحف إِلَيْهِ بالجيوش فَسَار شُرَحْبِيل فِيمَن مَعَه فَنزل الْكلاب وَأَقْبل أَخُوهُ سَلمَة فِيمَن مَعَه من بني تغلب وسعدٍ وَغَيرهمَا وَكَانَ على بني تغلب السفاح الْمَذْكُور فَالتقى الْقَوْم فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر النَّهَار خذلت بَنو حَنْظَلَة وَعَمْرو بن تَمِيم والرباب وَانْصَرف بَنو سعد وصبر ابْنا وَائِل: بكر وتغلب وَلَيْسَ مَعَهم أحدٌ غَيرهم حَتَّى غشيهم اللَّيْل فَنَادَى مُنَادِي شُرَحْبِيل: من أَتَانِي بِرَأْس سَلمَة فَلهُ مائَة من الْإِبِل. ونادى مُنَادِي سَلمَة كَذَلِك. وَلما انهزم بَنو حَنْظَلَة مَعَ من ذكرنَا خرج مَعَهم شُرَحْبِيل ولحقه ذُو السنينة كَانَت لَهُ سنٌّ زَائِدَة فَسُمي بذلك فَضَربهُ شُرَحْبِيل على ركبته فأطن رجله وَكَانَ ذُو السنينة أَخا أبي حَنش لأمه فَقَالَ ذُو السنينة: يَا أَبَا حَنش قتلني الرجل وَهلك سَاعَته. فَقَالَ أَبُو)
حَنش: قتلني الله إِن لم أَقتلهُ فَحمل أَبُو حَنش على شُرَحْبِيل فأدركه والتفت إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا حَنش اللَّبن اللَّبن قَالَ: قد هرقت لَبَنًا كثيرا. فَقَالَ: يَا أَبَا حَنش أملكا بسوقة فَقَالَ: إِنَّه كَانَ ملكي. فطعنه فَأَلْقَاهُ فاحتز رَأسه فَبعث بِهِ مَعَ ابْن عَم لَهُ إِلَى سَلمَة فطرحه بَين يَدَيْهِ فَقَالَ سَلمَة: لَو كنت أَلقيته إِلْقَاء رَفِيقًا فَقَالَ: مَا صنع بِهِ وَهُوَ حيٌّ شرٌّ من هَذَا وَعرف الْقَوْم الندامة فِي وَجهه واجزع على أَخِيه فهرب أَبُو حَنش فَقَالَ سَلمَة:
أَلا أبلغ أَبَا حنشٍ رَسُولافَمَا لَك أَن تَجِيء إِلَى الثَّوَاب
تعلم أَن شَرّ النَّاس طراًقتيلٌ بَين أَحْجَار الْكلاب
فَأَجَابَهُ أَبُو حَنش:
أحاذر أَن أجيئك ثمَّ تحبوحباء أَبِيك يَوْم صنيبعات
وَكَانَت غدرةً شنعاء نهفوتقلدها أَبوك إِلَى الْمَمَات
وَقَوله: كذبتك عَيْنك إِلَخ خطابٌ لنَفسِهِ وَفِيه حذف ألف الإستفهام أَي: أكذبتك. وَبِه اسْتشْهد بَعضهم. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: إِن أم تَأتي للإستفهام الْمُجَرّد عَن الإضراب وَقَالَ: إِن الْمَعْنى فِي الْبَيْت هَل رَأَيْت وَفِي تَفْسِير ابْن جرير عِنْد قَوْله تَعَالَى: أم تُرِيدُونَ أَن تسألوا رَسُولكُم قَالَ: أم هُنَا على الشَّك وَلكنه قَالَه ليقبح بِهِ صنيعهم كَقَوْل الأخطل: كذبتك عَيْنك الْبَيْت. والرباب: اسْم امْرَأَة. ووَاسِط هَذِه: قَرْيَة غربي الْفُرَات مُقَابل الرقة من أَعمال الجزيرة. والخابور: قرب قرقيسياء وَهِي من منَازِل بني تغلب وَلَيْسَت وَاسِط هُنَا وَاسِط الَّتِي بناها الْحجَّاج بَين الْبَصْرَة والكوفة خلافًا لشارح شَوَاهِد الْمُغنِي. نقل ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ عَن الْأسود أبي مُحَمَّد الغندجاني قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الندى قَالَ: للْعَرَب سَبْعَة أواسط: وَاسِط نجد وواسط الْحجاز وواسط الجزيرة. قَالَ الأخطل: كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ الْبَيْت وواسط الْيَمَامَة وواسط الْعرَاق وَهِي الَّتِي بناها الْحجَّاج فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَفرغ مِنْهَا فِي سِتّ وَثَمَانِينَ. قَالَ أَبُو الندى: وَقد أنسيت اثْنَتَيْنِ.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وواسط أَيْضا: قَرْيَة مشهورةٌ ببلخ وواسط: قَرْيَة بحلب قرب بزاعة مَشْهُورَة عِنْدهم وبالقرب مِنْهَا قريةٌ يُقَال لَهَا الْكُوفَة.
وواسط: قَرْيَة بدجيل على ثَلَاثَة فراسخ من بَغْدَاد. وواسط: قَرْيَة بالأندلس. وواسط: قريةٌ قرب مرزاباد حلَّة بني مزِيد من أَعمال بَغْدَاد يُقَال لَهَا وَاسِط مرزاباد. وواسط: قَرْيَة فِي شَرْقي)
دجلة الْموصل بَينهمَا ميلان ذَات بساتين كَثِيرَة. وواسط: قَرْيَة بِالْيمن بسواحل زبيد. وواسط: مَوضِع فِي بِلَاد تَمِيم. وواسط من منَازِل بني قُشَيْر. وواسط: موضعٌ بَين العذيب والصفراء.
وَغير ذَلِك. وَقَوله: وتعرضت لَك بالأبالخ هُوَ جمع بليخ بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام وَآخره خاء مُعْجمَة قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: البليخ: نهر الرقة والفرات وَبَينه وَبَين شط الْفُرَات لَيْلَة. وَجمعه بِاعْتِبَار أَجْزَائِهِ. وتغولت: تهولت. والغانية: الْمَرْأَة الَّتِي غنيت بجمالها عَن الزِّينَة.
وهفواتهن: جهلهن. وَالسَّبَب: الْحَبل. والطول بِضَم الطَّاء بِمَعْنى الطَّوِيل صفة لسَبَب. ومذلت بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة. بِمَعْنى قلقت وضجرت ومذال بِكَسْر الْمِيم: جمع مذلة بِفَتْح فَسُكُون كعبلة وعبال وجعدة وجعاد بِمَعْنى قلقة ومتضجرة. والأخطل: شَاعِر نَصْرَانِيّ من شعراء الدولة الأموية وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
وَقد نسب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل الْبَيْت الشَّاهِد للفرزدق وَنَقله الْعَيْنِيّ عَنهُ. وَهَذَا سهوٌ من قلم النَّاسِخ. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع