من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الأربعمائة
وإنّي لراجٍ نظرةً قبل الَّتِيلعلّي وَإِن شطّت نَوَاهَا أزورها
على أَن جملَة لعَلي الخ صلَة الَّتِي بِتَقْدِير القَوْل أَي: الَّتِي أَقُول لعَلي أزورها.
وَإِنَّمَا قدر أَقُول لِأَنَّهَا إنشائية لَا يَصح وُقُوعهَا صلَة فَقدر القَوْل لتَكون خبرية. وَيَنْبَغِي أَن يَقُول وَهَذَا تَخْرِيج أبي عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ فِيهَا: قَول الفرزدق: وإنّي لراجٍ نظرةً قبل الَّتِي هُوَ على غير الظَّاهِر وتأويله الْحِكَايَة كَأَنَّهُ قَالَ: الَّتِي أَقُول فِيهَا هَذَا القَوْل. وإضمار القَوْل شَائِع كثير والحكاية مستعملة إِذا كَانَ عَلَيْهَا دَلِيل وَالدّلَالَة هُنَا قَائِمَة وَهِي أَن الصِّلَة إِيضَاح وَمَا عدا الْخَبَر لَا يُوضح.
وَقَالَ أَيْضا فِي إِيضَاح الشّعْر: جَاءَ فِي هَذَا الْبَيْت للفرزدق الصِّلَة غير الْخَبَر والصلة لَا تكون إِلَّا خَبرا كَمَا أَن الصّفة كَذَلِك.
فَإِن قلت: فقد جَاءَ من الموصولة مَا وصل بِغَيْر الْخَبَر نَحْو مَا قَالُوهُ: كتبت إِلَيْهِ: أَن قُم وَبِأَن قُم قلت: ذَلِك وَإِن جَاءَ فِي أَن لَا يَسْتَقِيم فِي الَّذِي وَنَحْوه من الْأَسْمَاء لِأَن الَّذِي يَقْتَضِي الْإِيضَاح بصلته وَلَيْسَت أَن كَذَلِك. أَلا ترى أَنَّهَا حرف وَأَنه لَا يرجع إِلَيْهَا ذكر من الصِّلَة.
وَهَذَا وَإِن جَاءَ فِي الْبَيْت فَإِن النَّحْوِيين يجْعَلُونَ لَعَلَّ ك لَيْت فِي أَن الْفَاء لَا تدخل على خَبَرهَا فَلَا يجيزون: لَعَلَّ الَّذِي فِي الدَّار فمنطلق كَمَا لَا يجيزكون ذَلِك فِي لَيْت.)
فَإِن قلت: أحمل لَعَلَّ على الْمَعْنى لِأَنَّهُ طمع كَأَنَّهُ قَالَ: أطمع فِي زيارتها قيل لَك: فَصله أَيْضا بالتمني وَقل: الْمَعْنى الَّذِي أَتَمَنَّى وَصله بالاستفهام والنداء وَجَمِيع مَا لم يكن خَبرا وَقل: الْمَعْنى وَيجوز فِيهِ أَن تقدر قبل لعَلي فعلا وتحذفه لطول الْكَلَام فَيكون الصِّلَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ أَقُول فِيهَا وَهُوَ خبر لَا إِشْكَال فِيهِ. وَحسن الْحَذف لطول الْكَلَام. اه.
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْبَاب الثَّانِي من الْمُغنِي على أَن جملَة: وَإِن شطت نَوَاهَا مُعْتَرضَة بَين لعَلي وَبَين أزورها. وصلَة الَّتِي قَول مَحْذُوف كَمَا ذكرنَا.
وَذكره الْخفاف فِي شرح جمل الزجاجي على أَن أزورها صلَة الَّتِي وَفصل بَينهمَا بلعل وَإِن شطت على وَجه الِاعْتِرَاض وَيكون خبر لَعَلَّ محذوفاً تَقْدِيره: لعَلي أبلغ ذَلِك. والفصل بَين الصِّلَة والموصول بجمل الِاعْتِرَاض جَائِز.
قَالَ الشَّاعِر: ذَاك الَّذِي وَأَبِيك يعرف مَالِكًا ففصل بالقسم بَين الصِّلَة والموصول.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: ويحتم أَن هَذَا الْبَيْت من قبيل الِاعْتِرَاض بَين الْمَوْصُول وصلته على أَن تَقْدِير الصِّلَة أزورها وَيقدر خبر لعَلي محذوفاً أَي: لعَلي أفعل ذَلِك.
وَهَذَا التَّخْرِيج مَأْخُوذ من كَلَام أبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَمَا ارتضى ظَاهره بل وَجهه فَقَالَ: فَإِن قلت: أَرَادَ بأزورها التَّقْدِيم كَأَنَّهُ قَالَ: الَّتِي أزورها قُلْنَا إِن ذَلِك لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّهُ وَاقع وَالْوَجْه فِيهِ أَنه لما جرى أزورها خَبرا ل لَعَلَّ سد أزورها مسد الصِّلَة الَّتِي يجب أَن تكون خَبرا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي أزورها فأغنى ذكر أزورها خَبرا ل لَعَلَّ عَن ذكره لَهَا قبل لَعَلَّ وَالْمعْنَى على التَّقْدِيم.
وأشبه هَذَا قَوْلهم: لَو أَن زيدا جَاءَنِي فِي أَن الْفِعْل الْجَارِي فِي الصِّلَة سد مسد الْفِعْل الَّذِي يَقع قبل أَن بعد لَو وَلَوْلَا هَذَا الْفِعْل لم يجز.
أَلا ترى أَنه لَا يجوز لَو مجيئك. فَكَذَلِك سد ذكره بعد لعَلي مسد ذكره قبل لعَلي. فَهَذَا وَجهه.
وَلَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس على هَذَا وَلَا يُؤْخَذ بِهِ وَكَأن الَّذِي حسن هَذَا طول الْكَلَام وَذكر الْخَبَر فِي الصِّلَة. وَقد رَأَيْت طول الصِّلَة يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز إِذا لم تطل. اه.)
وَلم يكْتب الدماميني وَلَا شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي على هَذَا الْبَيْت شَيْئا.
هَذَا. وَآخر الْبَيْت مغير عَن أَصله وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة: لعلّي وَإِن شقّت عليّ أنالها وَالْبَيْت من قصيدة لامية كَمَا يَأْتِي بَعْضهَا. وَحِينَئِذٍ يَأْتِي فِي أنالها مَا قيل فِي أزورها بل يتحتم إِضْمَار القَوْل.
وقاتلةٍ لي لم يُصِبْنِي سهامهارمتني على سوداءٍ قلبِي نبالها
وإنّي لرامٍ رميةً قبل الَّتِيلعلّي وَإِن شقّت عليّ أنالها
أَلا لَيْت حظّي من عليّة أنّنيإِذا نمت لَا يسري إليّ خيالها
فَلَا يلبث اللّيل الموكّل دونهَاعَلَيْهِ بتكرار اللّيالي زَوَالهَا
وَبعد هَذَا شرع فِي مدحه.
وَقَوله: وقاتلة لي الخ هُوَ من الْقَتْل يَقُول: رب امْرَأَة قتلتني مَعَ أَنَّهَا لم تصبني بسهامها الْحَقِيقِيَّة لَكِنَّهَا رمت سويداء قلبِي بِنِبَالٍ عيونها فقتلتني.
وَقَوله: رمتني جَوَاب رب.
وَقَوله: وَإِنِّي لرام الخ يُقَال: رمى نظره نَحْو كَذَا أَي: توجه نَحوه وَرمى نَحوه رميةً إِذا قَصده قصدا.
وَمِنْه الحَدِيث: لَيْسَ وَرَاء الله مرمىً أَي: مقصد ترامى إِلَيْهِ الآمال وَيُوجه نَحوه الرَّجَاء.
وشطت من بَابي ضرب وَقتل. يُقَال: شطت الدَّار أَي: بَعدت. ونواها: فَاعل شطت.
والنوى مُؤَنّثَة لَا غير وَهِي الْوَجْه الَّذِي ينويه الْمُسَافِر
من قرب أَو بعد. وَيجوز أَن يكون فَاعل شطت ضمير الَّتِي ونواها مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي. هَذَا على الرِّوَايَة الأولى.
وَأما شقَّتْ على الرِّوَايَة الثَّانِيَة ففاعله ضمير رمية من شقّ الْأَمر عَلَيْهِ إِذا اشْتَدَّ وَثقل عَلَيْهِ.
وَمِنْه حَدِيث: لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة. وأنالها: نَالَ خيرا نيلاً أَي: أَصَابَهُ.
وَقَوله: فَلَا يلبث اللَّيْل الخ قَالَ شَارِح ديوانه: يَقُول زَالَت فَذَهَبت فزوالها يهدي إِلَيّ خيالها كل لَيْلَة وزوالها لَا يحبس اللَّيْل عني فَلَا يلبث زَوَالهَا أَن يُعِيد خيالها.
وَقَالَ الحرمازي: يَقُول: لَيْت حظي مِنْهَا أَن لَا يلبث اللَّيْل الْمُوكل على زَوَالهَا بالتكرار أَي: بكر)
زَوَالهَا عَليّ اللَّيْل يَجْعَل اللَّيْلَة ليَالِي.
وَهُوَ مثل قَوْله:
كأنّ اللّيل يحْبسهُ عليناضرارٌ أَو يكرّ إِلَى نذور
أَي: كَأَنَّهُ يغور كلما كَاد يفنى. اه.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده: جاؤوا بمذقٍ هَل رَأَيْت الذّئب قطّ على أَن الْجُمْلَة الاستفهامية وَقعت صفة ل مذق بِتَقْدِير: تَقول عِنْد رُؤْيَته: هَل رَأَيْت الخ.
مَا زلت أسعى مَعَهم وأختبطحتّى إِذا جنّ الظّلام وَاخْتَلَطَ
جاؤوا بمذق الخ. يُقَال: خبطت فلَانا وأختبطته أَي: سَأَلته بِغَيْر وسيلةٍ مَا شكا قوما وَقَالَ: لم أزل طول النَّهَار أسعى مَعَهم وأسألهم شَيْئا حَتَّى إِذا أظلم اللَّيْل وَاخْتَلَطَ الظلام جاؤوني بِلَبن مخلوط بِمَاء كثير يضْرب لَونه لِكَثْرَة مَائه إِلَى لون الذِّئْب فَكل من رَآهُ يستفهم عَن رُؤْيَته الذِّئْب لِأَنَّهُ بلونه يحمل رائيه على السُّؤَال عَن الذِّئْب.
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن الذِّئْب مَوْصُوف بِالْوَرَقَةِ وَاللَّبن إِذا كثر مَاؤُهُ يصير أَوْرَق. والورقة بِالضَّمِّ: لون أَبيض يخالطه سَواد.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة هُوَ بعض بَيت أَصله:
الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَايَأْتِيهم من ورائهم وكف
على أَنه حذف بعض الصِّلَة تَخْفِيفًا وَهُوَ النُّون وَالْأَصْل الحافظون عَورَة الْعَشِيرَة. ف أل مَوْصُول اسْمِي بِمَعْنى الَّذين وَالْوَصْف الْمَجْمُوع صلته وَقد حذف بَعْضهَا وَهُوَ النُّون.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْإِضَافَة.
والعورة: الْمَكَان الَّذِي يخَاف مِنْهُ الْعَدو وَقَالَ ثَعْلَب: كل مخوف عَورَة. وَقَالَ كرَاع: عَورَة الرجل فِي الْحَرْب: ظَهره وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة.)
والوكف بِفَتْح الْوَاو وَالْكَاف ويروى بدله نطف بِفَتْح النُّون والطاء الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْعَيْب أَي: يحفظون الْعَشِيرَة أَن يصيبهم مَا يعابون بِهِ وَلَا يضيعون مَا استحفظوا فَيلْحق الْعَشِيرَة عيب بذلك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع