من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد التَّاسِع بعد الأربعمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل:
ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللّوىوالعيش بعد أُولَئِكَ الأيّام
على أَن أولاء يشار بِهِ إِلَى جمع عَاقِلا كَانَ أَو غَيره كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن أولاء أُشير بِهِ إِلَى الْأَيَّام وَهُوَ جمع لغير من يعقل. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: إنَّ السَّمعَ والبَصَر والفُؤَادَ كُلُّ أولئكَ كَانَ عنهُ مسؤُولا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: ويروى الأقوام بدل الْأَيَّام فَلَا شَاهد فِيهِ. وَزعم ابْن عَطِيَّة أَن هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب وَأَن الطَّبَرِيّ غلط إِذْ أنْشدهُ الْأَيَّام وَأَن الزّجاج تبعه فِي هَذَا الْغَلَط.
انْتهى.
قلت: رَوَاهُ مُحَمَّد بن حبيب فِي النقائض وَمُحَمّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب: الأقوام كَمَا قَالَ ابْن عَطِيَّة.
ومطلعها:
سرت الهموم فبتن غير نياموأخو الهموم يروم كلّ مرام
ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللّوى............ الْبَيْت وَقَالَ بعد بَيْتَيْنِ:
فَإِذا وقفت على الْمنَازل باللّوىفاضت دموعي غير ذَات نظام
طرقتك صائدة الْقُلُوب وَلَيْسَ ذَاحِين الزّيارة فارجعي بِسَلام
تجْرِي السّواك على أغرّ كأنّهبردٌ تحدّر من متون غمام
لَوْلَا مراقبة الْعُيُون أريننامقل المها وسوالف الآرام
ثمَّ بعد أَن تغزل بِأَبْيَات شرع فِي هجو الفرزدق فَقَالَ:)
إنّ ابْن آكِلَة النّخالة قد جنىحَربًا عَلَيْهِ ثَقيلَة الأجرام
خلق الفرزدق سوءةً فِي مَالكولخلف ضبّة كَانَ شرّ غُلَام
مهلا فرزدق إنّ قَوْمك فيهمخور الْقُلُوب وخفّة الأحلام
الظّاعنون على الْعَمى بجميعهمالنّازلون بشرّ دَار مقَام
لَو غَيْركُمْ علق الزّبير بحبلهأدّى الْجوَار إِلَى بني العوّام
وَبعده بيتان هما آخر القصيدة.
وَقَوله: ذمّ الْمنَازل الخ قَالَ ابْن هِشَام: الْأَرْجَح فِيهِ كسر الْمِيم الَّذِي هُوَ وَاجِب إِذا فك الْإِدْغَام على لُغَة الْحجاز ودونه الْفَتْح للتَّخْفِيف وَهُوَ لُغَة بني أَسد وَالضَّم ضَعِيف وَوَجهه إِرَادَة الِاتِّبَاع. والمنازل: جمع منزلَة أَو منزلَة. فَهُوَ كالمساجد والمحامد.
وَهَذَا أولى لقَوْله منزلَة اللوى. وَبعد إِمَّا حَال من الْمنَازل أَو ظرف. والعيش عطف على الْمنَازل. وَالْأَيَّام صفة لاسم الْإِشَارَة أَو عطف بَيَان.
وَقَوله: طرقتك صائدة الخ هَذَا الْتِفَات من التَّكَلُّم إِلَى الْخطاب. والطروق: الْإِتْيَان لَيْلًا.
قَالَ ابْن هِشَام: قد عيب عَلَيْهِ طرد خيال محبوبته. وَأجِيب بِأَنَّهُ طرقه فِي حَال السّفر فأشفق عَلَيْهِ من الْخطر.
وَقَوله: تجْرِي السوالك على أغر أَي: على ثغر أغر.
وَقَوله: لَوْلَا مراقبة الْعُيُون أَي: الرقباء جمع عين وَهُوَ الجاسوس.
وَقَوله: إِن ابْن آكِلَة النحالة يَعْنِي البعيث. وَأَرَادَ بآكلة النخالة الْخِنْزِير والبعيث شَاعِر من بَين مجاشع. والجرم بِكَسْر الْجِيم: الْجَسَد يُقَال: رَمَاه بأجرامه أَي: بجسده.
وَالْخلف بِسُكُون اللَّام: الرَّدِيء من النَّاس وَغَيرهم وَبِفَتْحِهَا: الْجيد من النَّاس وَمن كل شَيْء.
وَقَوله: الظاعنون الخ مَعْنَاهُ: أَنهم يركبون مَا لَا ينالون غَايَته وينزلون شَرّ الْبِقَاع لنذالتهم لَا يمكنون من مَوضِع جيد.
وَقَوله: لَو غَيْركُمْ علق الزبير الخ الْحَبل هُنَا: الذِّمَّة. والجوار: الْمُجَاورَة والذمة. وعلق الشَّيْء بِكَذَا من بَاب تَعب وَتعلق بِهِ إِذا نشب بِهِ واستمسك.
يُرِيد أَن قوم الفرزدق غدروا بالزبير بن الْعَوام فَقَتَلُوهُ. يَقُول: لَو كَانَ فِي ذمَّة غَيْركُمْ لَأَدَّى ذمَّته إِلَى بني الْعَوام وَلم يغدر بِهِ.)
وَمُلَخَّص سَبَب قَتله أَن الزبير لما جَاءَ مَعَ عَائِشَة فِي وقْعَة الْجمل ذكره عَليّ ﵁ بقول النَّبِي ﵊ ُ: إِنَّك ستحاربه وَأَنت ظَالِم لَهُ فَاسْتَرْجع وَقَالَ: أذكرتني شَيْئا أنسانيه الدَّهْر.
ثمَّ فَارق المعركة آخِذا طَرِيق مَكَّة فَنزل على قوم من بني تَمِيم فَقَامَ إِلَيْهِ عَمْرو ابْن جرموز الْمُجَاشِعِي فأضافه ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله حَدثنِي عَن خِصَال أَسأَلك عَنْهَا. قَالَ: هَات.
قَالَ: خذلك عُثْمَان وبيعتك عليا وإخراجك أم الْمُؤمنِينَ وصلاتك خلف ابْنك ورجوعك عَن هَذِه الْحَرْب. فَظن بِي كل شَيْء إِلَّا الْجُبْن.
فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: وَا لهفي على ابْن صَفِيَّة أضرمها نَارا ثمَّ أَرَادَ أَن يلْحق بأَهْله قتلني الله إِن لم أَقتلهُ.
ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ كالمستنصح. قَالَ: يَا أَبَا عبد الله دون أهلك فيافي فَخذ نجيبي هَذَا وخل فرسك ودرعك فَإِنَّهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْك بِمَا تكره.
وَلم يزل بِهِ حَتَّى ترك عِنْده فرسه وَدِرْعه وَخرج مَعَه إِلَى وَادي السبَاع وَأرَاهُ أَنه يُرِيد مسايرته ومؤانسته فَقتله غيلَة وَهُوَ يُصَلِّي وأتى بِسَيْفِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأخْبرهُ بقتْله فبشره عَليّ بالنَّار.
ثمَّ خرج ابْن جرموز على عَليّ مَعَ أهل النهروان فَقتل مَعَ من قتل هُنَاكَ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل إِلَّا أَنه رَوَاهُ بِنصب غَيْركُمْ قَالَ: تصب بِفعل مُضْمر يفسره مَا بعده لِأَنَّهَا للْفِعْل. وَهُوَ فِي التَّمْثِيل: لَو علق الزبير غَيْركُمْ. انْتهى.
وَأوردهُ أَيْضا أَبُو بكر بن السراج فِي الْأُصُول فِي بَاب أَن الْمَفْتُوحَة قَالَ: إِن الْأَسْمَاء تقع بعد لَو على تَقْدِير تَقْدِيم الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا.
فمما وَليهَا من الْأَسْمَاء قَول الله ﷿: لَو أَنْتُم تملِكُون وَقَالَ جرير: لَو غَيْركُمْ علق الزّبير بحبله الْبَيْت. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن الرِّوَايَة عِنْده بِالرَّفْع وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن علق لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول صَرِيح.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب عِنْد الْكَلَام على لَو غَيْركُمْ بِالرَّفْع. وَيرد عَلَيْهِ أَن هَذَا لَا يَصح لِأَن الْمُتَعَلّق بالحبل الزبير لَا غَيْركُمْ. وَقد يُوَجه بِأَن التَّعَلُّق من الطَّرفَيْنِ: من الزبير بنزوله عِنْدهم وَمن الْغَيْر بِحِفْظ الذمام. وَفِيه تعسف وَالظَّاهِر أَن هَذَا مِمَّا حذف فِيهِ كَانَ الشأنية كَقَوْلِه: الْبَسِيط)
لَو فِي طهيّة أحلامٌ لما عرضوا وَجُمْلَة غَيْركُمْ علق الزبير بحبله من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر كَانَ الشانية المحذوفة. أَو يكون غَيْركُمْ اسْم كَانَ المحذوفة النَّاقِصَة وَجُمْلَة علق الزبير فِي مَحل نصب على أَنه خَبَرهَا.
وَإِنَّمَا أطنبت فِي شرح هَذَا الْبَيْت لِأَنِّي لم أر أحدا وَفِي حَقه من الشُّرَّاح حَتَّى إِن الدماميني مَعَ جلالته مَا فهم مَعْنَاهُ قَالَ فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي: وَالَّذِي يظْهر أَن غَرَض الشَّاعِر ذمّ مخاطبيه بِأَنَّهُم لَا قُوَّة لَهُم يحكمون بهَا من التجأ إِلَى جوارهم.
يَقُول: لَو تمسك الزبير بِذِمَّة غَيْركُمْ لم يلْتَفت إِلَى جوَار قومه واستمسك بهؤلاء الَّذين استجار بهم لكَوْنهم من الحماية لَهُ بِحَيْثُ يفوقون عصبَة قومه.
يَعْنِي: وَأما أَنْتُم فلستم بِهَذِهِ المثابة فَلَا يعْتد الزبير باعتصامكم بل هُوَ مستمسك بجوار قومه لَا يرد عَلَيْهِم لافتقاره إِلَيْهِ وضعفكم.
هَذَا كَلَامه على الْبَيْت بحذافيره وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا مساس لَهُ بِالْبَيْتِ ومنشوء عدم الِاطِّلَاع وَقَوله: كَانَ الْعَنَان على أَبِيك محرما الخ أَرَادَ عنان الْفرس. والكير: كور الْحداد. يُرِيد أَنهم لَيْسُوا بفرسان وَأَن أَبَاهُ قين أَي: حداد.
وَقد عَارضه الفرزدق بقصيدة مِنْهَا هَذِه الأبيات:
قَالَ ابْن صانعة الزّروب لِقَوْمِهِلَا أَسْتَطِيع رواسي الْأَعْلَام
قَالَت تجاوبه المراغة أمّهقد رمت ويل أَبِيك غير مرام
وَوجدت قَوْمك فقؤوا من لؤمهمعَيْنَيْك عِنْد مَكَارِم الأقوام
صغر دلاؤءهم فَمَا ملؤوا بهَاحوضاً وَلَا شهدُوا غَدَاة زحام
أشبهت أمّك إِذْ تعاض دارماًبأدقّةٍ متقاعسين لئام
وحسبت بَحر بني كليبٍ مصدرافغرقت حِين وَقعت فِي القمقام
فِي لجّةٍ غمرت أَبَاك بحورهافِي الجاهليّة كَانَ وَالْإِسْلَام
إِلَى هُنَا كَلَام أم جرير لَهُ. وَمن هُنَا شرع يفتخر فَقَالَ:
إنّ الأقارع والحتات وغالباًوَأَبا هنيدة دافعوا لمقامي
بمناكبٍ سبقت أَبَاك صدورهاومآثرٍ لمتوّجين كرام
إنّي وجدت أبي بنى لي بَيتهفِي دوحى الرؤساء والحكّام
)
منّا الَّذِي جمع الْمُلُوك وَبينهمْحربٌ يشبّ وقودها بضرام
خَالِي الَّذِي ترك النّجيع برمحهيَوْم النّقا شرقاً على بسطَام
وَأبي صعصعة بن ليلى غالبٌغلب الْمُلُوك ورهطه أعمامي
وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح جَمِيع هَذَا عِنْد الْكَلَام على قَوْله: فِي لجّة غمرت أَبَاك بحورها فَإِنَّهُ من شَوَاهِد هَذَا الْكتاب فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع