من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَنحن اقْتَسَمْنَا المَال نِصْفَيْنِ بَيْننَافَقلت لَهُم: هَذَا لَهَا هَا وَذَا ليا
على أَن الْفَصْل بِالْوَاو بَين هَا وَذَا قَلِيل وَالْأَصْل: وَهَذَا ليا.
نقل بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل عَن صدر الأفاضل: إِنَّمَا جَازَ تَقْدِيم هَا على الْوَاو لِأَن هَا تبنبيه والتنبيه قد يدْخل على الْوَاو إِذا عطفت جملَة على أُخْرَى كَقَوْلِك: أَلا إِن زيدا خَارج أَلا وَإِن عمرا مُقيم. اه.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب استعمالهم عَلامَة الْإِضْمَار الَّذِي لَا يُوقع موقع مَا يضمر فِي الْفِعْل قَالَ: وَكَذَلِكَ هَا أَنا ذَا وَهَا نَحن أولاء وَهَا هُوَ ذَاك وَهَا أَنْت ذَا وَهَا أَنْتُم أولاء وَهَا أنتن أولاء وَإِنَّمَا اسْتعْملت هَذِه الْحُرُوف هُنَا لِأَنَّك لَا تقدر على شَيْء من الْحُرُوف الَّتِي تكون عَلامَة فِي الْفِعْل وَلَا على الْإِضْمَار الَّذِي فِي فعل.
وَزعم الْخَلِيل أَن هَا هُنَا هِيَ الَّتِي مَعَ ذَا إِذا قلت هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادوا أَن يَقُولُوا: هَذَا أَنْت وَلَكنهُمْ جعلُوا أَنْت بَين هَا وَذَا وَأَرَادُوا أَن يَقُولُوا: أَنا هَذَا وَهَذَا أَنا فقدموا هَا وَصَارَت أَنا بَينهمَا.
وَزعم أَبُو الْخطاب أَن الْعَرَب الموثوق بهم تَقول: أَنا هَذَا وَهَذَا أَنا. وَمثل مَا قَالَ الْخَلِيل فِي هَذَا قَول الشَّاعِر:)
وَنحن اقْتَسَمْنَا المَال نِصْفَيْنِ بَيْننَا................. الْبَيْت كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول: وَهَذَا لي فصير الْوَاو بَين هَا وَذَا. وَزعم أَن مثل ذَلِك: إِي هَا الله ذَا أَي: إِنَّمَا هُوَ هَذَا. وَقد تكون هَا فِي هَا أَنْت ذَا غير مُقَدّمَة وَلكنهَا تكون بمنزلتها فِي هَذَا.
ويدلك على هَذَا قَوْله ﷿: هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ فَلَو كَانَت هَا هُنَا هِيَ الَّتِي تكون أَولا إِذا قلت هَؤُلَاءِ لم تعد هَا هَا هُنَا بعد أَنْتُم.
وَحدثنَا يُونُس أَيْضا تَصْدِيقًا لقَوْل أبي الْخطاب أَن الْعَرَب تَقول: هَذَا أَنْت تَقول كَذَا وَكَذَا. لم يرد بقوله هَذَا أَنْت أَن يعرفهُ نَفسه كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يُعلمهُ أَنه لَيْسَ غَيره. هَذَا محَال وَلكنه أَرَادَ أَن ينبهه كَأَنَّهُ قَالَ: الْحَاضِر عندنَا أَنْت إِذْ الْحَاضِر الْقَائِل كَذَا وَكَذَا أَنْت.
وَإِن شِئْت لم تقدم هَا فِي هَذَا الْبَاب قَالَ ﷿: ثمَّ أنتمْ هَؤُلَاءِ تَقتُلون أنفُسَكم.
هَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ ونقلناه بِطُولِهِ لِكَثْرَة فَوَائده.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي فَصله بَين هَا وَذَا بِالْوَاو وَنصب نِصْفَيْنِ على الْحَال. وَفِي هَذَا حجَّة لما أجَازه سِيبَوَيْهٍ من الْحَال فِي قَول ذِي الرمة:
ترى خلقهَا نصفٌ قناةٌ قويمةٌونصفٌ نقاً يرتجّ أَو يتمرمر
وَأطَال على الْمبرد فِي إبِْطَال جَوَازه فَإِنَّهُ قَالَ: سِيبَوَيْهٍ رفع نصف وَمَا بعده على الْقطع والابتداء وَلَو نصب على الْبَدَل أَو على الْحَال لجَاز.
وغلطه الْمبرد وَزعم أَن نصفا معرفَة لِأَنَّهُ فِي نِيَّة الْإِضَافَة فَكَأَنَّهُ قَالَ ترى خلفهَا نصفه كَذَا وَنصفه كَذَا.
وَالْحجّة لسيبويه أَنه نكرَة وَإِن كَانَ متضمناً لِمَعْنى الْإِضَافَة وَلَيْسَ من بَاب كل وَبَعض لِأَن الْعَرَب قد أدخلت عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام وثنته وَجمعته وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك فِي كل وَبَعض.
وصف امْرَأَة فَجعل أَعْلَاهَا فِي اللطافة كالقناة وأسفلها فِي امتلائه كالنقا المرتج المتمرمر أَي: يجْرِي بعضه فِي بعض. انْتهى.
وَمعنى الْبَيْت الشَّاهِد وَاضح.
وَنسبه الأعلم إِلَى لبيد وَكَذَلِكَ نسبه الأندلسي فِي شرح الْمفصل إِلَيْهِ. وَأَنا لم أره فِي ديوانه.
وَكَذَلِكَ قَالَ قبلي ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِنَّه لم يره فِي ديوانه. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده:
هَذَا صدر وعجزه:)
وبدا الَّذِي كَانَت نوار أجنّت على أَن هُنَا فِيهِ بِمَعْنى الزَّمَان أَي: لات حِين حنت فَهِيَ ظرف زمَان لأضافتها إِلَى الْجُمْلَة.
قد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ.
والحنين: نزاع النَّفس إِلَى شَيْء. ونوار اسْم امرأةٍ مَبْنِيّ على الْكسر فِي لُغَة الْجُمْهُور وَعند تَمِيم مُعرب لَا ينْصَرف. وأجنت بِالْجِيم بِمَعْنى أخفت وسترت وتاؤه وتاء حنت مكسورتان للوزن.
بَاب الْمَوْصُول
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع