تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الأربعمائة

فيه ٢٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الأربعمائة

فَقلت لَهُ والرّمح يأطر مَتنهتأمّل خفافاً إنّني أَنا ذلكا

على أَن الْإِشَارَة فِيهِ من بَاب عَظمَة الْمشَار إِلَيْهِ أَي: أَنا ذَلِك الْفَارِس الَّذِي سَمِعت بِهِ. نزل بعد دَرَجَته ورفعة مَحَله منزلَة بعد الْمسَافَة. وَكَذَا القَوْل فِي قَوْله ﷿: آلم ذَلِك الكتابُ.

وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل نقلا عَن ابْن عَبَّاس وَتَبعهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف قَالَا: قد يَأْتِي اسْم الْإِشَارَة الْبعيد بِمَعْنى الْقَرِيب كَمَا يكون ذَلِك بِمَعْنى هَذَا. قَالَ تَعَالَى: آلم ذَلِك الكتابُ.

وَقَالَ خفاف بن ندبة.

تأمّل خفافاً إنّني أَنا ذلكا أَي: هَذَا. وَأقرهُ أَبُو الْوَلِيد الْقرشِي فِي شرح الْكَامِل وَقَالَ: وَأقرب متأوّلاً من ذَا وَذَاكَ فِي قَول خفاف وَأولى بالتأويل أَن يُرِيد أَي: أَنا خفاف فكنى عَنهُ بقوله أَنا ذَلِك كَمَا يَقُول لَك الْقَائِل: أَنْت زيد فَتَقول لَهُ: أَنا ذَلِك الَّذِي تُرِيدُ. انْتهى.

وَالْبَيْت من أَبْيَات لخفاف بن ندبة الصَّحَابِيّ وَهِي:

فَإِن تَكُ خيلي قد أُصِيب عميدهافإنّي على عمدٍ تيمّمت هَالكا
نصبت لَهُ علوى وَقد خام صحبتيلأبني مجداً أَو لأثأر هَالكا
لدن ذرّ قرن الشّمس حتّى رَأَيْتهمْسرَاعًا على خيل تؤمّ المسالكا
فلمّا رَأَيْت الْقَوْم لَا ودّ بَينهمشريجين شتّى مِنْهُم ومواشكا
تيمّمت كَبْش الْقَوْم لمّا رَأَيْتهوجانبت شبّان الرّجال الصّعالكا
فجادت لَهُ يمنى يديّ بطعنةٍكست متنتيه أسود اللّون حالكا
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أقول له والرمح يأطر متنه»
أَنا الْفَارِس الحامي حَقِيقَة وَالِديبِهِ تدْرك الأوتار قدماً كذلكا

قَوْله: إِن تَكُ خيلي الخ أَرَادَ بِالْخَيْلِ هُنَا الفرسان. والعميد: السَّيِّد الَّذِي يعمد أَي: يقْصد أَي: إِن قتل سيد الفرسان. وروى: صميمها والصميم: الشريف والخالص.

وَأَرَادَ بِهَذَا السَّيِّد الَّذِي قتل ابْن عَمه وَهُوَ مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الشريد وَهُوَ أَخُو صَخْر والخنساء الصحابية الشاعرة. وتيممت: قصدت. وَمَالك هُوَ ابْن حمَار. وَهُوَ سيد بني شمخ بن فَزَارَة.)

وَكَانَ من خَبره أَن خفاف بن ندبة غزا مَعَ مُعَاوِيَة بن عَمْرو مرّة وفزارة فَعمد ابْنا حَرْمَلَة: دُرَيْد وهَاشِم المريان عمد مُعَاوِيَة فاستطرد لَهُ أَحدهمَا فَحمل عَلَيْهِ مُعَاوِيَة فطعنه فِي عضده وَحمل الآخر على مُعَاوِيَة فطعنه مُتَمَكنًا فَلَمَّا تنادوا:

قتل مُعَاوِيَة قَالَ خفاف: قتلني الله إِن بَرحت مَكَاني حَتَّى أثأر بِهِ فَحمل على مَالك الْمَذْكُور فطعنه فَقتله. وَإِنَّمَا تيَمّمه لِأَنَّهُ عدل مُعَاوِيَة.

وَقَوله: نصبت لَهُ علوى الخ ويروى: وقفت لَهُ علوى وَهُوَ بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالقصر: اسْم فرس خفاف أوردهُ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود.

وخام بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بِمَعْنى ارْتَدَّ. يُقَال: أخام الرجل يَده عَن الطَّعَام إِذا رفع يَده عَنهُ.

والصحبة: مصدر صَحبه يَصْحَبهُ. وَأَرَادَ بِهِ الْأَصْحَاب. وَالْمجد: الشّرف. وأثأر هَالكا أَي: آخذ بثأر هَالك يَعْنِي مُعَاوِيَة.

وَقَوله: لدن ذرّ قرن الخ يُقَال: ذَر قرن الشَّمْس ذروراً بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من بَاب قعد: طلعت. وقرنها: أول مَا يظْهر مِنْهَا. ولدن: ظرف لقَوْله نصبت لَهُ علوى.

وَقَوله: شريجين: مثنى شريج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَآخره جِيم حَال من الْقَوْم أَي: صنفين. وشتى ومواشكا: يدل من شريجين. وشتى: جمع شتيت كجرحى جمع جريح.

ومواشك: اسْم فَاعل بِمَعْنى مسرع. يَعْنِي رَأَيْت الْقَوْم قسمَيْنِ: فريق مِنْهُم رَجَعَ وتشتت عَن مُعَاوِيَة قبل قَتله كَمَا يَأْتِي فِي خبر مَقْتَله وفريق هارب مسرع بعد قَتله.

وَقَوله: تيممت كَبْش الخ هُوَ جَوَاب لما. وكبش الْقَوْم: رئيسهم وسيدهم. وَإِنَّمَا جَانب الشَّبَاب وَلم يقتل مِنْهُم لأَنهم لَيْسُوا بكفء لمعاوية. والصعالك: جمع صعلوك وَالْقِيَاس الصعاليك وهم الْفُقَرَاء.

وَقَوله: فجادت لَهُ أَي: لمَالِك. والمتنة: مثل الْمَتْن كَمَا جَاءَ بِهِ فِي الْبَيْت بعده.

قَالَ ابْن فَارس: المتنان: مكتنفا الصلب من العصب وَاللَّحم. ومتنت الرجل متْنا

من بَابي وضر وَقتل إِذا ضربت مَتنه. وَأَرَادَ بأسود اللَّوْن الدَّم. والحالك: الشَّديد السوَاد.

وَقَوله: وَقلت لَهُ الخ مَعْطُوف على جَادَتْ والعاطف هُوَ الْوَاو لَا الْفَاء كَمَا فِي الشَّرْح. وَالضَّمِير لمَالِك وَجُمْلَة وَالرمْح يأطر مَتنه: حَال من الْهَاء وَحَملَة تَأمل خفافاً مقول القَوْل. ويأطر: يحنو ويثني. يُقَال: أطره أطراً من بَاب ضرب إِذا عطفه وَمِنْه إطار المنخل. وَمَتنه مفعول يأطر أَي:)

يعْطف ظهر مَالك.

وَتَأمل فعل أَمر خطاب لمَالِك من تَأَمَّلت الشَّيْء إِذا تدبرته وَهُوَ إعادتك النّظر فِيهِ مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى تعرفه. وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وفاءين كغراب: اسْم الشَّاعِر.

وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك ليعرفه أَنه هُوَ الَّذِي قَتله.

روى الْأَخْفَش فِي شرح ديوَان الخنساء أَن خفافاً لما قَالَ لَهُ ذَلِك قَالَ مَالك: أَنْت ابْن ندبة يُرِيد أَنْت ابْن جَارِيَة سَوْدَاء يعيره بذلك.

وَقَوله: إِنَّنِي أَنا ذَلِك اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَل أَنْت مِمَّا يتَأَمَّل إِنَّمَا أَنْت ابْن ندبة فَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي أَنا ذَلِك الشجاع الَّذِي سَمِعت بِهِ. وَأَنا إِمَّا تَأْكِيد للياء كَمَا تقدم وَجهه فِي الشَّرْح فِي بَابه وَإِمَّا مُبْتَدأ خَبره لَك وَالْجُمْلَة خبر إِنَّنِي وَالْألف فِي ذَلِك للإطلاق وَكَذَلِكَ فِي جَمِيع هَذِه القوافي.

وَقَوله: أَنا الْفَارِس الخ اسْتِئْنَاف نحوي وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام لَا علاقَة لَهُ بِمَا قبله معنى ابْتَدَأَ بِهِ وَحَقِيقَة وَالِده هُنَا: أَخذ ثأر ابْن أَخِيه لِأَنَّهُ يحِق على وَالِده أَن يَأْخُذ ثأر مُعَاوِيَة. قَالَ عَامر بن الطُّفَيْل قَاتله الله:

لقد علمت عليا هوَازن أنّنيأَنا الْفَارِس الحامي حَقِيقَة جَعْفَر
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

وجعفر هَذَا أَبُو جده لِأَنَّهُ عَامر بن الطُّفَيْل بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب.

وَقَوله: بِهِ تدْرك الأوتار الخ أَي: إِنَّمَا تدْرك الأوتار بالحمي بِالدَّال عَلَيْهِ الحامي لَا بِغَيْرِهِ. أَو الضَّمِير رَاجع للحامي يُقَال: حميت الْمَكَان من النَّاس حمياً من بَاب رمى وحمية بِالْكَسْرِ إِذا منعته عَنْهُم. والحماية اسْم مِنْهُ.

وتدرك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والأوتار: جمع وتر بِالْكَسْرِ وَهُوَ الثأر والذحل أَي: الحقد.

وَقَوله: قدماً كَذَلِك أَي: كَذَلِك تدْرك الأوتار قدماً بِكَسْر الْقَاف. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال قدماً كَانَ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ اسْم من الْقدَم جعل اسْما من أَسمَاء الزَّمَان.

وروى صَاحب الأغاني كَذَا:

أَنا الْفَارِس الحامي الْحَقِيقَة وَالَّذِيبِهِ أدْرك الْأَبْطَال قدماً لذلكا
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أقول له والرمح يأطر متنه»

وَزَاد بعده وَهُوَ:

وَإِن ينج مِنْهَا هاشمٌ فبطعنةٍكسته نجيعاً من دم الْجوف صائكا

)

وخفاف بن ندبة هُوَ خفاف بن عُمَيْر بن الْحَارِث بن الشريج بن ريَاح ابْن يقظة بن عصية بن خفاف بن امْرِئ الْقَيْس بن بهثة بن سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة ابْن خصفة.

وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنى الْخَفِيف يُقَال: رجل خفاف وخفيف بِمَعْنى كطوال وطويل. والخف بِالْكَسْرِ بِمَعْنى الْخَفِيف أَيْضا.

وَعُمَيْر: مصغر عَمْرو. والشريد اسْمه عَمْرو. ورياح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا مثناة تحتية. ويقظة هُوَ ضد النّوم. وَعصيَّة: مصغر عَصا. وبهثة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة. وسليم بِالتَّصْغِيرِ.

وَأما ندبة فَهُوَ اسْم أمه كَانَ سباها الْحَارِث بن الشريد حِين أغار على بني الْحَارِث بن كَعْب فَوَهَبَهَا لِابْنِهِ عُمَيْر فَولدت لَهُ خفافاً وَكَانَت امْرَأَة سَوْدَاء. كَذَا فِي الأغاني.

وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الْأَنْسَاب: ندبة هِيَ بنت الشَّيْطَان بن قنان بن سَلمَة ابْن وهب بن عبد الله بن ربيعَة بن كَعْب. انْتهى.

وَقَالَ صَاحب الْعباب: ندبة هَذِه كَانَت سَوْدَاء حبشية وَهِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الدَّال بعْدهَا بَاء مُوَحدَة مَأْخُوذ من قَوْلهم: رجل ندب أَي: فِي الْحَاجة وَامْرَأَة ندبة. وَفرس ندب أَي: مَاض. وَندب مثل شجع شجاعة أَي: خف فِي الْعَمَل.

وقنان بِفَتْح الْقَاف بعْدهَا نونان خفيفتان.

وخفاف بن ندبة مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَشهد فتح مَكَّة وَكَانَ مَعَه لِوَاء بني سليم واللواء الآخر مَعَ الْعَبَّاس بن مرداس. وَشهد حنيناً والطائف وَثَبت على إِسْلَامه فِي الرِّدَّة وَبَقِي إِلَى زمن عمر بن الْخطاب وكنيته أَبُو خراشة. وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يهاجي الْعَبَّاس بن مرداس وَله يَقُول الْعَبَّاس:

أَبَا خراشة أمّا كنت ذَا نفرٍفإنّ قومِي لم تأكلهم الضّبع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أبا خراشة أما كنت ذا نفر»

وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ.

وخفاف هُوَ أحد فرسَان قيس وشعرائها الْمَذْكُورين. قَالَ الْأَصْمَعِي: خفاف ودريد بن الصمَّة أشعر الفرسان وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب أَي: سودانهم لِأَنَّهُ كَانَ أسود حالكاً وَهُوَ الْقَائِل:

كِلَانَا يسوّده قومهعلى ذَلِك النّسب المظلم
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة « كلانا يسوده قومه»

يَعْنِي: السودَان.)

وأغربة الْعَرَب هم: عنترة بن شَدَّاد وسليك بن السلكة وَأَبُو عَمْرو بن الْحباب وخفاف بن ندبة وَهِشَام بن عقبَة بن أبي معيط.

وَأما مُعَاوِيَة الْمَذْكُور فَهُوَ ابْن عمر خفاف وَهُوَ أَخُو الخنساء الصحابية وأخو صَخْر. وَقد قتل روى هِشَام عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عُمَيْر ابْن الْحَارِث بن الشريد يَأْخُذ بيد ابنيه صَخْر وَمُعَاوِيَة فِي الْمَوْسِم فَيَقُول: أَنا أَبُو خيري مُضر فَمن أنكر ذَلِك فليغير فَمَا يُغير ذَلِك عَلَيْهِ أحد.

وَهَذَا خبر مقتل مُعَاوِيَة.

روى صَاحب الأغاني عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: إِن مُعَاوِيَة وافى عكاظ فِي موسم من مواسم الْعَرَب فَبَيْنَمَا هُوَ يمشي بسوق عكاظ إِذْ لَقِي أَسمَاء المرية وَكَانَت جميلَة وَزعم أَنَّهَا كَانَت بغياً فَدَعَاهَا إِلَى نَفسه فامتنعت عَلَيْهِ وَقَالَت: أما علمت أَنِّي عِنْد سيد الْعَرَب هَاشم بن حَرْمَلَة فأغضبته فَقَالَ: أما وَالله لأقارعنه عَنْك.

قَالَت: شَأْنك وشأنه. فَرَجَعت إِلَى هَاشم فَأَخْبَرته بِمَا جرى فَقَالَ هَاشم: لَا نريم أَبْيَاتنَا حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من جهده.

قَالَ: فَلَمَّا خرج الشَّهْر الْحَرَام وتراجع النَّاس من عكاظ خرج مُعَاوِيَة غازياً يُرِيد بني مرّة وَبني فَزَارَة فِي فرسَان أَصْحَابه من سليم حَتَّى إِذا كَانَ بمَكَان يدعى الْحَوْزَة أَو الجوزة وَالشَّكّ من أبي عُبَيْدَة سنح لَهُ ظَبْي فتطير مِنْهُ وَرجع فِي أَصْحَابه فَبلغ ذَلِك هَاشم بن حَرْمَلَة فَقَالَ: مَا مَنعه من الْإِقْدَام إِلَّا الْجُبْن.

قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي السّنة الْمُقبلَة غزاهم حَتَّى إِذا كَانَ فِي ذَلِك الْمَكَان سنح لَهُ ظَبْي وغراب فتطير فَرجع وَمضى أَصْحَابه وتخلف فِي تِسْعَة عشر فَارِسًا مِنْهُم لَا يُرِيدُونَ قتالاً إِنَّمَا تخلف من عظم الْجَيْش رَاجعا إِلَى بِلَاده فَوَرَدُوا مَاء وَإِذا عَلَيْهِ بَيت شعر فصاحوا بأَهْله فَخرجت إِلَيْهِم امْرَأَة فَقَالُوا: مِمَّن أَنْت قَالَت: امْرَأَة من جُهَيْنَة أحلاف لبني سهم بن مرّة بن غطفان.

فَوَرَدُوا المَاء فانسلت فَأَتَت هَاشم بن حَرْمَلَة فَأَخْبَرته أَنهم غير بعيد وعرفته بِعدَّتِهِمْ وَقَالَت: لَا أرى إِلَّا مُعَاوِيَة فِي الْقَوْم فَقَالَ: يَا لكاع أمعاوية فِي تِسْعَة عشر رجلا شبهت وأبطلت قَالَت: بل قلت الْحق وَإِن شِئْت لأصفهم لَك رجلا رجلا. قَالَ: هَاتِي.

قَالَت: رَأَيْت فيهم شَابًّا عَظِيم الجمة جَبهته قد خرجت من تَحت مغفره صبيح الْوَجْه عَظِيم الْبَطن على فرس غراء. قَالَ: نعم هَذِه صفة مُعَاوِيَة وفرسه السَّمَاء.

قَالَت: وَرَأَيْت رجلا شَدِيد الأدمة شَاعِرًا ينشدهم. قَالَ: ذَلِك خفاف بن ندبة.)

قَالَت: وَرَأَيْت رجلا لَيْسَ يبرح وَسطهمْ إِذا نادوه رفعوا لَهُ أَصْوَاتهم. قَالَ: ذَلِك عَبَّاس الْأَصَم.

قَالَت: وَرَأَيْت رجلا طَويلا يكنونه أَبَا حبيب ورأيتهم أَشد شَيْء لَهُ توقيراً قَالَ: ذَاك نُبَيْشَة بن حبيب.

قَالَت: وَرَأَيْت شَابًّا جميلاً لَهُ وفرة حنسة. قَالَ: ذَلِك الْعَبَّاس بن مرداس.

قَالَت: وَرَأَيْت شَيخا لَهُ ضفيرتان فَسَمعته يَقُول لمعاوية: بِأبي أَنْت أطلت الْوُقُوف. قَالَ: ذَلِك قَالَ: فَنَادَى هَاشم فِي قومه وَخرج وَزعم أَن المري لم يخرج إِلَيْهِم إِلَّا فِي عدتهمْ من بني مرّة.

قَالَ: فَلم يشْعر السلميون حَتَّى طلعوا عَلَيْهِم فثاروا إِلَيْهِم فلقوهم فَقَالَ لَهُم خفاف: لَا تنازلوهم رجلا رجلا فَإِن خيلهم تثبت للطراد وَتحمل ثقل السِّلَاح وخيلكم قد أنهكها الْغَزْو وأصابها الحفاء.

قَالَ: فَاقْتَتلُوا سَاعَة فَانْفَرد هَاشم ودريد ابْنا حَرْمَلَة لمعاوية فاستطرد لَهُ أَحدهمَا فَشد مُعَاوِيَة عَلَيْهِ وشغله واغتره الآخر فطعنه فَقتله. وَاخْتلفُوا أَيهمَا استطرد لَهُ وَأيهمَا قَتله وَكَانَت بِالَّذِي استطرد لَهُ طعنة طعنه إِيَّاهَا مُعَاوِيَة وَيُقَال: هُوَ هَاشم وَقَالَ آخَرُونَ: بل دُرَيْد أَخُو هَاشم.

قَالَ: وَشد خفاف بن ندبة على مَالك بن حمَار سيد بني شمخ بن فَزَارَة فَقتله.

وَلما دخل الشَّهْر الْحَرَام من السّنة الْمُقبلَة خرج صَخْر أَخُو مُعَاوِيَة حَتَّى أَتَى بني مرّة فَوقف على ابْني حَرْمَلَة فَإِذا أَحدهمَا بِهِ طعنة فِي عضده زعم خفاف فِي شعره أَنه هَاشم.

فَقَالَ صَخْر: أيكما قتل أخي مُعَاوِيَة فسكتا فَلم يحيرا إِلَيْهِ شَيْئا. ثمَّ قَالَ الصَّحِيح للجريح: مَا لَك لَا تجيبه فَقَالَ: وقفت لَهُ فطعنني هَذِه الطعنة فِي عضدي

وَشد أخي عَلَيْهِ فَقتله فأينا قتلت أدْركْت ثأرك إِلَّا أَنا لم نسلب أَخَاك.

قَالَ: فَمَا فعلت فرسه السَّمَاء قَالَ: هَا هِيَ تِلْكَ خُذْهَا. فَأَخذهَا فَرجع فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل غزاهم صَخْر وَهُوَ على فرسه السَّمَاء فَقَالَ: أَخَاف أَن يعرفوني ويعرفوا غرَّة السَّمَاء فيتأهبوا. فحمم غرتها.

فَلَمَّا أشرف على الْحَيّ رأوها فَقَالَت فتاة مِنْهُم: هَذِه وَالله السَّمَاء فَنظر هَاشم فَقَالَ: السَّمَاء غراء وَهَذِه بهيم فَلم يشعروا إِلَّا وَالْخَيْل عَلَيْهِم فَاقْتَتلُوا فَقتل صَخْر دريداً وَأصَاب)

بني مرّة فَقَالَ:

وَلَقَد قتلتكم ثَنَاء وموحداًوَتركت مرّة مثل أمس الْمُدبر
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وَلَقَد دفعت إِلَى دريدٍ طعنةًنجلاء تزغل مثل عطّ المنحر
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة

تزغل: تخرج الدَّم قطعا قطعا. قَالَ: والزغلة: الدفعة الْوَاحِدَة من الدَّم وَالْبَوْل.

وَقَالَ صَخْر أَيْضا فِيمَن قتل من بني مرّة:

قتلت الخالدين بِهِ وبشراًوعمراً يَوْم حوزة وَابْن بشر
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وَمن شمخٍ قتلت رجال صدقٍوَمن بدرٍ فقد أوفيت نذري
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
ومرّة قد صبحناها المنايافروّينا الأسنّة غير فَخر
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وَمن أفناء ثَعْلَبَة بن سعدٍقتلت وَمَا أبيئهم بِوتْر
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ثمَّ إِن هَاشم بن حَرْمَلَة خرج غازياً فَلَمَّا كَانَ بِبِلَاد جشم بن بكر بن هوَازن نزل منزلا وَأخذ صفنا وخلا لِحَاجَتِهِ بَين شجر وَرَأى غفلته قيس بن الأمرار الْجُشَمِي فَتَبِعَهُ وَقَالَ: هَذَا قَاتل مُعَاوِيَة لَا نجت نَفسِي إِن نجا فَلَمَّا قعد لِحَاجَتِهِ تكمن لَهُ بَين الشّجر حَتَّى إِذا كَانَ خَلفه أرسل عَلَيْهِ معبلةً فَقتله.

فَقَالَت الخنساء فِي ذَلِك:

فدَاء الْفَارِس الجشميّ نَفسِيوأفديه بِمن لي من حميم
خصصت بهَا أَخا الأمرار قيسافَتى فِي بَيت مكرمةٍ كريم
أفدّيه بكلّ بني سليمٍبظاعنهم وبالأنس الْمُقِيم
كَمَا من هاشمٍ أَقرَرت عَيْنيوَكَانَت لَا تنام وَلَا تنيم

انْتهى كَلَام الأغاني.

وروى الْأَخْفَش فِي ديوَان الخنساء عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن قيسا كَانَ رجلا رَاعيا فَأَغَارَ عَلَيْهِ هَاشم بن حَرْمَلَة فَأَخذهُم وَقَالَ: أتيتكم بِهَذَا الرَّاعِي وغنمه. فاغتفله الرَّاعِي فَرَمَاهُ فَقتله.

وللخنساء مراث كَثِيرَة فِي أَخِيهَا مُعَاوِيَة وصخر.

وَالسَّمَاء الَّتِي هِيَ اسْم فرس مُعَاوِيَة هِيَ بِلَفْظ السَّمَاء خلاف الأَرْض.

وَقد روى ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا خبر مقتل مُعَاوِيَة

على غير هَذَا الْوَجْه الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَن الأغاني تَرَكْنَاهُ لطوله وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فلينظره فِي بَاب أَيَّام الْعَرَب)

من العقد الفريد. وَالله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»