من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهلهوأقعد فِي أفيائه بالأصائل
على أَن الْكُوفِيّين جوزوا أَن يكون الِاسْم الجامد الْمُعَرّف بِاللَّامِ مَوْصُولا كَمَا قَالُوا فِي هَذَا: إِن التَّقْدِير لأَنْت الَّذِي أكْرم أَهله لكنه مَوْصُول غير مُبْهَم كَسَائِر الْأَسْمَاء الموصولة. وَعند الْبَصرِيين اللَّام غير مَقْصُود قَصده والمضارع صفة لَهُ. وَفِيه أُمُور: الأول: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله فَإِن صَنِيعه يُوهم أَن الْبَيْت عِنْد الْكُوفِيّين بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ بَاطِل لم يقل بِهِ أحد وَإِنَّمَا الْمَوْصُول مَفْهُوم من اسْم الْجِنْس الْمُعَرّف بِاللَّامِ إِذا وَقع بعده فعل أَو ظرف أَو مجرور.
الثَّانِي: قَوْله لكنه مَوْصُول غير مُبْهَم لم يَنْقُلهُ أحد عَنْهُم وَلَو كَانَ قَوْلهم لما رد بِهِ البصريون عَلَيْهِم كَمَا يَأْتِي.
الثَّالِث: كَون الْجَواب عِنْد الْبَصرِيين بِجعْل اللَّام للْجِنْس وَالْجُمْلَة المضارعية صفة للبيت غير منحصر فِيهِ عِنْدهم كَمَا يَأْتِي أَيْضا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن الِاسْم الْمُعَرّف بِاللَّامِ يُوصل كَالَّذي وَاسْتَدَلُّوا بقوله: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله ورد البصريون عَلَيْهِم بِأَنَّهُ لَا يجوز ذَلِك لِأَن الِاسْم الظَّاهِر يدل على معنى مَخْصُوص فِي نَفسه وَلَيْسَ كَالَّذي لِأَنَّهُ لَا يدل على معنى مَخْصُوص إِلَّا بصلَة توضحه لِأَنَّهُ مُبْهَم وَإِذا لم يكن فِي مَعْنَاهُ فَلَا يجوز أَن يُقَام مقَامه.
وَأما الْبَيْت الْمَذْكُور فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْبَيْت خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ أَنْت وَأكْرم خَبرا آخر.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْبَيْت مُبْهما لَا يدل على مَعْهُود وأكر وَصفا لَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ:
لأَنْت بَيت أكْرم أَهله كَمَا تَقول: إِنِّي لأمر بِالرجلِ غَيْرك وَمثلك وَخير مِنْك. انْتهى.
وَاقْتصر الْخفاف فِي شرح الْجمل على الخبرية فَقَالَ: لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون خَبرا ثَانِيًا لأَنْت وَيكون قَوْله: أَنْت الْبَيْت تَعْظِيمًا لَهُ أَي: الْبَيْت الْمُعظم بِمَنْزِلَة قَوْلك: أَنْت الرجل أَي: الرجل الْعَظِيم.)
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح سقط الزند: أكْرم أَهله عِنْد الْكُوفِيّين صلَة للبيت وَعند الْبَصرِيين جملَة فِي مَوضِع الْحَال أَو فِي مَوضِع خبر مُبْتَدأ مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا أكْرم أَهله وَلَو ظهر النصب فِي هَذِه الْحَال لَقلت: مكرماً أَهله أَنا لِأَنَّهَا تصير حَالا جرت على غير من هِيَ لَهُ فَيلْزم ظُهُور الْفَاعِل الْمُضمر وَالْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي قَوْله: لأَنْت الْبَيْت من معنى التَّعْظِيم كَمَا أَن الْعَامِل يَا جارتا مَا أَنْت جَاره مَا فِي قَوْله: مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم. انْتهى.
وَأَجَازَ ابْن الْأَنْبَارِي أَن يكون أكْرم أَهله صلَة لموصول مَحْذُوف لَا للبيت كَأَنَّهُ قَالَ: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله لَكِن الْمَوْصُول حذف ضَرُورَة.
وَهَذَا الْوَجْه جَار على مَذْهَب الْكُوفِيّين إِذْ يجيزون حذف الْموصل دون صلته فِي غير ضَرُورَة وَهَذَا يأباه البصريون.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَنَّهَا تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول. وَنَظِيره: أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد.
فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة قيل: لم تكن الصِّلَة كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك.
فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة.
فَأَما من تَأَول قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله على تَقْدِير: لأَنْت الْبَيْت الَّذِي أكْرم أَهله وَحذف الْمَوْصُول فَلَيْسَ فِي الْبَيْت دلَالَة على هَذَا الَّذِي تَأَوَّلَه وَذَلِكَ أَنه يجوز أَن يكون أكْرم أَهله جملَة مستأنفة معطوفة على الأولى وَلم يحْتَج إِلَى حرف الْعَطف لما فِي الثَّانِيَة من ذكر مَا فِي الأولى كَقَوْلِه تَعَالَى: أُولَئِكَ أصحابُ النَّار هُم فِيهَا خالدُون.
وَيجوز أَن يكون قَوْله: لأَنْت الْبَيْت على جِهَة التَّعْظِيم فَأجرى عَلَيْهِ اسْم الْجِنْس لهَذَا كَمَا تَقول: أَنْت الرجل تُرِيدُ بِهِ الْكَمَال وَالْجَلد فَكَذَلِك يكون المُرَاد بِالْبَيْتِ.
أَلا ترى أَنهم قد يَقُولُونَ: لَهُ بَيت وَشرف: وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكون أكْرم أَهله فِي مَوضِع)
حَال مِمَّا فِي الْبَيْت من معنى الْفِعْل كَمَا أَن علما فِي قَوْلك: أَنْت الرجل علما وفهماً ينْتَصب عَمَّا فِي الرجل من معنى الْكَمَال. وكما أَن جَارة فِي قَوْله: يَا جارتا مَا أَنْت جَاره ينْتَصب عَمَّا فِي مَا أَنْت من معنى التَّعْظِيم كَأَنَّهُ قَالَ: كملت فِي جال علمك وبذك غَيْرك.
فَإِن قلت: فَهَل يجوز أَن يكون الْبَيْت بَدَلا من أَنْت وَيكون أكْرم فِي مَوضِع خبر
الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا أبدل الْبَيْت من أَنْت: أَنْت أكْرم أَهله أَو الْبَيْت أكْرم أَهله قلت: إِن قِيَاس قَول سِيبَوَيْهٍ عِنْدِي أَنه لَا يجوز هَذَا.
أَلا ترى أَنه لم يجز فِي قَوْلهم: بِي الْمِسْكِين كَانَ الْأَمر بدل الْمِسْكِين من الْيَاء. وَإِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يذكر لضرب من التَّبْيِين فَإِذا لم يفد ذَلِك لم يستجز.
والمتكلم فِي غَايَة التَّخْصِيص والتبيين فَلم يحْتَج لذَلِك فِيهِ إِلَى بدل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالمخاطب فِي هَذَا كالمتكلم. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ بجملته.
وَقَوله: لعمري اللَّام للابتداء وعمري: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره قسمي. أقسم بعمره.
وَجُمْلَة: لأَنْت الْبَيْت الخ جَوَاب الْقسم. وَأكْرم فعل مضارع وَأَهله مفعول.
وَكتب بعض من عاصرناه فِي حَاشِيَته على شرح الْقطر للفاكهي: كَأَن الدَّاعِي للكوفيين على جعل الْبَيْت اسْما مَوْصُولا أَنه لَا يَصح الْإِخْبَار بِهِ عَن أَنْت على الظَّاهِر بجعله اسْما مُعَرفا بأل.
وَيُمكن أَن يُجَاب بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي: أَنْت صَاحب الْبَيْت وَنَحْوه.
وَقَوله: أكْرم فعل مضارع لِأَن الصِّلَة لَا تكون إِلَّا جملَة. فَمَا فِي بعض النّسخ من ضَبطه على صِيغَة أفعل التَّفْضِيل وإضافته إِلَى أَهله لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. هَذَا كَلَامه.
وَهُوَ من ضيق العطن وَعدم الِاطِّلَاع على الْمَعْنى فَإِن الْبَيْت مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته وَالْخطاب لَهُ فَإِن الشَّاعِر وَهُوَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد أَن تغزل بِأَبْيَات خَاطب دَار حبيبته.
قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح أشعار الهذليين: قَوْله: لعمري لأَنْت الْبَيْت الخ هَذَا رُجُوع من أبي ذُؤَيْب إِلَى ذكر الْبَيْت لتعظيم شَأْن أَهله. وَأَشَارَ بقوله: وأقعد فِي أفيائه إِلَى مَا كَانَ يَنَالهُ مِنْهُم فيدوم لذَلِك ملازمته لَهُ وحبه وإكرامه لسكانه.
قَالَ: ويروى: وأجلس فِي أفيائه. وَلَا فضل بَين أقعد وأجلس فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ لكل مِنْهُمَا من)
التَّصَرُّف مَا يستبد بِهِ دون صَاحبه.
أَلا ترى أَنه لَا يُقَال مَعَ الْقيام إِلَّا الْقعُود وَأَنه يُقَال للزمن: هُوَ مقْعد وَبِه قعاد وَلَا يبْنى لَهُ من الْجُلُوس مثل ذَلِك وَأَنه حُكيَ عَن أَعْرَابِي يصف رجلا: هُوَ كريم النّحاس جميل الْجلاس.
وَيُقَال: فلَان الجليس بِمَعْنى النديم وهم جلساء الْملك. وَلم يكثر لهَذَا الْمَعْنى مثل هَذَا الْبناء من الْقعُود وَإِن كَانَ الْخَلِيل قد حكى: قعيد الرجل: جليسه. ونظائر هَذَا فِي اللُّغَة كَثِيرَة.
وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا فَلَا بَأْس أَن تشرح فَإِن فِيهَا شَوَاهِد وَهِي هَذِه:
أساءلت رسما الدّار أم لم تسائلعَن السّكن أم عَن عَهده بالأوائل
لمن طللٌ بالمنتضى غير حَائِلعَفا بعد عهدٍ من قطارٍ ووابل
عَفا بعد عهد الحيّ مِنْهُم وَقد يرىبِهِ دعس آثَار ومبرك جامل
وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينهجنى النّحل فِي ألبان عوذٍ مطافل
مطافيل أبكارٍ حديثٍ نتاجهايشاب بماءٍ مثل مَاء المفاصل
رَآهَا الْفُؤَاد فاستضلّ ضلالهنيافاً من الْبيض الحسان العطابل
فَإِن وصلت حَبل الصّفاء فدم لَهَاوَإِن صرمته فَانْصَرف عَن تجامل
لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله............ الْبَيْت
وَمَا ضربٌ بَيْضَاء يأوي مليكهاإِلَى طنفٍ أعيا براقٍ ونازل
تهال الْعقَاب أَن تمرّ بريدهوَتَرْمِي دروءٌ دونه بالأجادل
تنمّى بهَا اليعسوب حتّى أقرّهاإِلَى مألفٍ رحب المباءة عاسل
فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ قامةًوَتِسْعين باعاً نالها بالأنامل
تدلّى عَلَيْهَا بالحبال موثّقاًشَدِيد الوصاة نابلٌ وَابْن نابل
إِذا لسعته النّحل لم يرج لسعهاوحالفها فِي بَيت نوبٍ عوامل
فحطّ عَلَيْهَا والضّلوع كَأَنَّهَامن الْخَوْف أَمْثَال السّهام النّواصل
فشرّجها من نطفةٍ رجبيّةٍسلاسلةٍ من ماءٍ لصبٍ سلاسل
بماءٍ شنان زعزعت مَتنه الصّباوجادت عَلَيْهِ ديمةٌ بعد وابل
ويأشبني فِيهَا الألاء يلونهاوَلَو علمُوا لم يأشبوني بطائل
)
وَلم أنّ مَا عِنْد ابْن بجرة عِنْدهَامن الْخمر لم تبلل لهاتي بناطل
فَتلك الَّتِي لَا يبرح الْقلب حبّهاوَلَا ذكرهَا مَا أرزمت أمّ حَائِل
وحتّى يؤوب القارظان كِلَاهُمَاوينشر فِي الهلكي كليبٌ لِوَائِل
قَوْله: أساءلت رسم الدَّار الخ المساءلة: مفاعلة تكون من اثْنَيْنِ وَهَذَا اتساع على عَادَتهم.
والسكن: جمع سَاكن مثل تَاجر وتجر. وَتَقْدِيره أساءلت رسم الدَّار عَن السكن أم عَن عَهده بالوائل أم لم تسائل إِذا جعلت عَن السكن مُتَعَلقَة بِالْفِعْلِ الأول.
خَاطب نَفسه على طَرِيق التحزن والتوجع فَقَالَ: أباحثت رسم الدَّار فَمَا وقفت عَلَيْهَا عَن أَخْبَار سكانها كَيفَ انتقلوا وَإِلَى ايْنَ صَارُوا أَو عَن مُدَّة عَهده بهم ومذ كم ارتحلوا وَمَتى سَارُوا أَو لَا.
وَالسُّؤَال عَن السكن أنفسهم غير السُّؤَال عَن مُدَّة الْعَهْد بهم فَلهَذَا فرق. والأوائل هم السكن وَلَكِن فخم شَأْنهمْ بِأَن أعَاد اسمهم الظَّاهِر وَلم يقل عَن عَهده بهم ودعته القافية إِلَيْهِ أَيْضا.
وَحسن ذَلِك لما لم يهجنه التكرير اخْتِلَافهمَا.
وَيجوز أَن يُرِيد بالسكن الْوَحْش الَّتِي استبدلتها من قطانها قبل وَتلك الْحَالة من الدَّار مِمَّا يزِيد
يعزّ عليّ أَن يرى عوض الدّمىبحافاته هامٌ وبومٌ وهجرس
وَقَوله: لمن طلل الخ هَذَا وَجه آخر من التحزّن كَأَنَّهُ استنكر أَن تكون دَارهم بالحالة الَّتِي رَآهَا فَجعل سُؤَاله سُؤال من لَا يثبتها تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ. والمنتصي: ملتقى الواديين حَيْثُ يناصي أَحدهمَا صَاحبه.
وَقَالَ الْبَاهِلِيّ: المنتصي: مَوضِع. وروى أَبُو عَمْرو: المنتضي بالضاد مُعْجمَة وَقَالَ: هُوَ مَوضِع.
وَقَوله: غير حَائِل قَالَ الْبَاهِلِيّ: أَرَادَ عَفا بعد عهد من قطار ووابل وَلم يمر حول. وَالْمَشْهُور أَن يُقَال: أحَال الشَّيْء. إِذا أى عَلَيْهِ حول
إِلَّا أَن بَعضهم حكى أَن حَال لُغَة فِيهِ.
وَيجوز أَن يكون حَائِل بِمَعْنى متغير يُقَال: حَال الشَّيْء واحتال إِذا تغير كَأَنَّهُ كَانَ دارس الْبَعْض بَاقِي الْبَعْض فَلم يعد ذَلِك تغيراً كَامِلا وَمَتى كَانَت الرسوم بِهَذِهِ الصّفة ذكرت العهود أَشد وجددت الغموم أجد.
وَلذَلِك تمنى بعض الشُّعَرَاء شُمُول الدُّرُوس عَلَيْهَا ليستريح مِنْهَا فَقَالَ:
أَلا لَيْت الْمنَازل قد بلينافَلَا يرمين عَن شزن حَزينًا
وَقَوله: بعد عهد يجوز أَن يريج بعد إِلْمَام وَيجوز أَن يكون مصدر عهِدت الرَّوْضَة إِذا أَتَى عَلَيْهَا الْعَهْد وَهُوَ كل مطر بعد مطر وَجمعه عهاد.
وَقَوله: عَفا بعد عهد الْحَيّ الخ ابْتَدَأَ يبين كَيفَ عَفا وَالْمعْنَى: عَفا الطلل وَالْمَكَان بعد أَن كَانَ للحي فِيهِ عهد.
والعهد: الْمنزل الَّذِي لَا يزالون إِذا بعدوا عَنهُ يرجعُونَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ تركُوا النُّزُول بِهِ وفارقوه فَعَفَا يُرِيد عَفا مِنْهُم بعد عَهدهم أَي: بعد أَن كَانُوا يعهدونه وَقد بَقِي من آثَارهم ومبارك إبلهم مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَنه ربعهم.
والدعس: شدَّة الْوَطْء. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ تتَابع الْآثَار. والجامل: اسْم للْجمع يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث كَالْإِبِلِ وَإِن كَانَ من لفظ الْجمل.
وَقَوله: عَفا غير نؤي الخ عفت آثَار الدَّار وانمحت إِلَّا نؤياً لَا يستبان مِنْهَا وأقطاعاً من خوص الْمقل تمزقت لقدمها فتفرقت فِي الساحات وَكَثُرت بترديد الرِّيَاح لَهَا..
والنؤي: حاجز يمْنَع بِهِ السَّيْل عَن الْبَيْت والطفي واحدتها طفية. وَمعنى عَفا: درس. وعفت فِي المعاقل: كثرت. وَهَذَا من الأضداد يُقَال: عَفا الْمَكَان إِذا درس عفاءً وعفواً وعفته الرِّيَاح عفاء وعفواً. وَعَفا الشَّيْء عفوا: كثر وعفوته أَنا. والمعاقل: جمع المعقل وَهُوَ هَا هُنَا الْمنزل الَّذِي نزلوه وحفظوا مَا لَهُم فِيهِ. وَالْعقل: الْحِفْظ.
وَقَوله: وَإِن حَدِيثا مِنْك الخ ترك وصف الدَّار ودروسها وَعطف إِلَى خطابها يغازلها. يَقُول: إِن حلاوة حَدِيثك لَو تفضلت بِهِ حلاوة الْعَسَل مشوباً بِاللَّبنِ. والجنى أَصله الثَّمر المجتنى فاستعاره. والعوذ: الحديثات النِّتَاج وَاحِدهَا عَائِذ.
ومطافل: جمع مطفل وَهِي الَّتِي مَعهَا طفلها. وَإِنَّمَا نكر قَوْله حَدِيثا مِنْك ليبين أَن موقع كَلَامهَا مِنْهُ على كل وَجه ذَلِك الْموقع. وَدلّ بقوله: لَو تبذلينه على تمنعها وَتعذر ذَلِك من جِهَتهَا.
وَقَوله: مطافيل أبكار الخ مطافيل بدل من قَوْله عوذ مطافل وَأَشْبع فِي الْفَاء للزومها فَحدثت الْيَاء. والأبكار: الَّتِي وضعت بَطنا وَاحِدًا لِأَن ذَلِك أول نتاجها فَهِيَ أبكار وَأَوْلَادهَا أبكار ولبنها أطيب وأشهى فَلذَلِك خصّه وَجعله مزاجاً.
ويشاب صفة لألبان أَي: مشوبة بِمَاء متناه فِي الصفاء. وَقيل فِي المفاصل إِنَّهَا الْمَوَاضِع الَّتِي ينْفَصل فِيهَا السهل من الْجَبَل حَيْثُ يكون الرضراض فَيَنْقَطِع المَاء بِهِ ويصفو إِذا جرى فِيهِ.)
وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عَمْرو. وَاعْترض عَلَيْهِ فَقيل: هلا قَالَ بِمَاء من مياه المفاصل وَمَاله يُشبههُ بِهِ وَلَا يَجعله مِنْهُ فَقيل: هَذَا كَمَا يُقَال مثل فلَان لَا يفعل كَذَا وَالْمرَاد أَنه فِي نَفسه لَا يفعل لِأَنَّهُ أثبت لَهُ مثل يَنْتَفِي ذَلِك عَنهُ.
أَلا ترى أَنه لَو جعل ذَلِك لنظيره لَكَانَ الْمَدْح لَا يعلق بِهِ وَقد علم أَن الْقَصْد إِلَى مدح. وعَلى هَذَا قد حمل قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شَيْء.
وَقَالَ أَبُو نصر: أَرَادَ بالمفاصل مفاصل الْجَبَل حَيْثُ يقطر الوشل وَذَلِكَ أصفى من مياه المناقع والعيون.
وَقيل: أَرَادَ يشاب بِمَاء كالدمع صفاء فالمفاصل شؤون الرَّأْس وَهِي تسمى مفاصل ومواصل والدمع مِنْهَا يخرج. وَهَذَا كَمَا يُقَال: جئْتُك بخمرة كَمَاء الْعين وأصفى من الدمع فالتشبيه حَاصِل فِي هَذَا الْوَجْه وَهُوَ عِنْدِي حسن وَالْمرَاد بِمَاء الْعين الدمع لَا غير.
وَقَالَ أَبُو سعيد: مَاء المفاصل الدَّم وَأَرَادَ بِالْمَاءِ الْخمر وَشبههَا بِهِ. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَاء المفاصل مَاء اللَّحْم الَّتِي شبه حمرته بحمرته. وعهدة هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِمَا.
وَقَوله: رَآهَا الْفُؤَاد الخ أضَاف الرُّؤْيَة إِلَى الْفُؤَاد تَحْقِيقا لِلْأَمْرِ لِأَن الْعين رائد الْقلب فَكَأَنَّهَا أدْركْت بِالْعينِ أَولا ثمَّ تؤولت بالفكر فِي محاسنها ثَانِيًا فَتمكن الْحبّ بِإِعَادَة النّظر وَبسط الْفِكر.
وَقَوله: فاستضل ضلاله قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ كَمَا يُقَال: جن جُنُونه. وكشف هَذَا أَن للنَّفس شَهْوَة فِي المستحسنات قد تضل بهَا عِنْدهَا فتسمى تِلْكَ الشَّهْوَة ضلالا لكَونهَا سَببا فِيهِ ثمَّ إِذا غلب عَلَيْهَا شَيْء يستتبع تِلْكَ الشَّهْوَة قيل استضل ضلال فلَان أَي: طلب مِنْهُ أَن يضل فضل.
وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ استزيد ضلاله أَي: زيد ضلاله ضلالا كَأَنَّهُ لما تفكر فِي محاسنها وَقَالَ الْأَخْفَش: هَذَا كَمَا يُقَال: خرجت خوارجه وَالْمعْنَى دواخله فسماها بِمَا آلت بِهِ فَكَذَلِك أَرَادَ استضل رشاده فَقَالَ: ضلاله لرجوعه إِلَيْهِ. وَمثله: يدعونَ حمساً وَلم يرتع لَهُم فزع أَي: لم يرتع أَمنهم. وَهَذَا كثير.
وَقَوله: نيافاً نصب على الْحَال. والنياف: الطَّوِيلَة المشرفة وَمِنْه أناف
على كَذَا أَي: أشرف.
والعطابل: جمع عطبول بِحَذْف الزِّيَادَة مِنْهُ كَأَنَّهُ كَانَ عطبلاً وَهِي الطَّوِيلَة الْأَعْنَاق.)
وَقَوله: فَإِن وصلت حَبل الخ يسْأَل عَن موقع هَذَا الْكَلَام مِمَّا قبله وَعَن زهده المسرف فِي هَذَا الْبَيْت بعد ضلاله المفرط فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم وَكَيف وَجه التئامهما على تقاربهما وَهل يجوز أَن يتجلد فِي هَذَا ثمَّ يَقُول بعقبه: لعمري لأَنْت الْبَيْت أكْرم أَهله وَالْجَوَاب أَن هَذَا وفْق مَا تقدمه وَغير مُخَالف لَهُ لكنه أظهر الاستسلام لَهَا ولرأيها فَإِن وصلت حبله دَامَ على مصافاتها لَا يُشْرك أحدا فِي ودها وَإِن صرمت وده وقف عِنْد محدودها فِي الِانْصِرَاف ومرسومها لَا يسْتَعْمل مُنْكرا وَلَا يتعاطى رفثاً وَلَا هجراً.
وَهَذَا من الْآدَاب المحمودة فِيمَا يجْرِي عَلَيْهِ المتحابان. وَيدل على مَا قُلْنَا إِن أَبَا ذُؤَيْب أَمر نَفسه بالدوام إِن رَأَتْ الْوَصْل والدوام على الْوَصْل زِيَادَة عَلَيْهِ وثبات فِيهِ وبالانصراف عَنْهَا على أجمله إِن رَأَتْ الصرم إِلَى أَن ترى غَيره. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَمَا أظهر زهداً فِيهَا.
وَقَوله: وَمَا ضرب بَيْضَاء الخ عاود وصف الْمَرْأَة. وَالضَّرْب: الشهدة وَيُقَال: استضرب الْعَسَل إِذا خثر فصلب. وَهُوَ ضرب وضريب. وَالْعَسَل فِي لغتهم مُؤَنّثَة فَلذَلِك قَالَ بَيْضَاء.
وَقَوله: يأوي مليكها أَرَادَ بِهِ اليعسوب وَهُوَ قَائِد النَّحْل وأضاف المليك إِلَى الْعَسَل توسعاً وَإِنَّمَا هُوَ مليك النَّحْل المعسلة. والطنف بِفَتْح الطَّاء وَضمّهَا: حيد نَادِر من الْجَبَل. وَالْمعْنَى: مَا عسل بَيْضَاء يأوي نحلهَا إِلَى أنف من الْجَبَل يعيي الراقي إِلَيْهِ والنازل مِنْهُ.
وَقَوله: تهال الْعقَاب الخ قَالَ الْبَاهِلِيّ: الريد: شِمْرَاخ فِي الْجَبَل. وَقَالَ أَبُو نصر: الريد: مَا نتأ من الْجَبَل فَخرج مِنْهُ حرف. والدروء: جمع الدرء وَهُوَ الحيد يدْفع مَا يلاقيه. وَمِنْه تدارأ الرّجلَانِ إِذا تدافعا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ الْأنف المعوج. وَالْمعْنَى: أَن ذَلِك الْجَبَل تهاب الْعقَاب من الْمُرُور بحرفه لإشرافه وعلوه واعوجاج أَطْرَافه وأنوفه.
وَقَوله: تنمى بهَا اليعسوب الخ ضمير بهَا للنحل وَلم يجر لَهَا ذكر لِأَنَّهُ يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالقصة.
يَعْنِي أَن اليعسوب يرْتَفع بالنحل حَتَّى يسكنهَا فِي مجمع لَهَا ألفته وَاسع ذِي عسل.
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن النَّحْل تتبع قائدها فتطير بطيرانه وَترجع بِرُجُوعِهِ. والمباءة: مرجع الْإِبِل ومبيتها الَّذِي تتبوأ فِيهِ وتأوي إِلَيْهِ فاستعاره هَا هُنَا.
وَقَوله: أقرها إِلَى مألف عداهُ بإلى لِأَنَّهُ فِي معنى آواها وألجأها وهم يحملون النظير فِي التَّعْدِيَة)
على النظير والنقيض على النقيض كثيرا.
وَقَوله: فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ الْبَيْتَيْنِ الضَّمِير الْمُؤَنَّث فِي نالها وَعَلَيْهَا للخلية المفهومة من الْمقَام وفاعل نالها. شَدِيد الوصاة وَجُمْلَة تدلى: حَال بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير: نالها بالأنامل شَدِيد الوصاة نابل وَابْن نابل متدلياً عَلَيْهَا بالحبال. وَيكون موثقًا حَالا من الضَّمِير فِي تدلى.
وَيجوز أَن تكون جملَة تدلى اعتراضاً بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وَيحسن الِاعْتِرَاض أَنه تَفْسِير لنيل المشتار للعسل كَيفَ كَانَ وعَلى أَي وَجه توصل.
وروى تَقْدِيم بَيت تدلى عَلَيْهَا على بَيت فَلَو كَانَ حبلاً وَبِه يحسن الانتظام وَيصير قَوْله فَلَو كَانَ حبلاً من ثَمَانِينَ قامة وَاقعا فِي موقعه وبياناً لحذق المشتار وَحسن تَأتيه فِيمَا يعانيه حَتَّى لَا يمْتَنع عَلَيْهِ شاق منيع. وَعَلِيهِ يكون شَدِيد الوصاة فَاعل تدلى وموثقاً حَال.
قَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَ بشديد الوصاة الشَّديد الْحفاظ بِمَا أوصِي بِهِ. قَالَ أَبُو نصر: بَيَانه شَدِيد عِنْد الوصاة لَا يسترخي فِيهَا وَلَا يتجوز.
وَقَوله: نابل وَابْن نابل أَي: حاذق وَابْن حاذق يَعْنِي أَنه ورث صناعته عَن أسلافه ثمَّ نَشأ عَلَيْهَا وبرع فِيهَا.
وَقَوله: فَلَو كَانَ حبلاً تَقْدِيره: لَو كَانَ الْحَبل الَّذِي تدلى بِهِ حبلاً طوله ثَمَانُون قامة وَتسْعُونَ باعاً.
وَالْمعْنَى تدلى عَلَيْهَا وَلَو كَانَت أشق مِنْهَا مطلباً وَأبْعد منالاً لاحتال فِيهَا حَتَّى ينالها بِيَدِهِ.
وَقَوله: إِذا لسعته النَّحْل الخ يرْوى: إِذا لسعته الدبر وَهُوَ كالنحل وزنا وَمعنى.
يَقُول: إِذا لسعت النَّحْل هَذَا المشتار لم يخف لسعها وَلم يبال بهَا ولازمها فِي بَيتهَا حَتَّى قضى وطره من معسلها. وَمعنى لم يرج لم يخف من قَول الله تَعَالَى: إنّهم كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً.
وكما وضعُوا الرَّجَاء مَوضِع الْخَوْف وضعُوا الْخَوْف مَوضِع الرَّجَاء.
وَقَوله: وحالفها قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: صَار حليفها فِي بَيتهَا وَهِي نوب. وَلم يرد حالفها فِي بَيت غَيرهَا.
وروى أَبُو عَمْرو: وخالفها بِالْخَاءِ مُعْجمَة. قَالَ: يُرِيد جَاءَ إِلَى عسلها من وَرَائِهَا لما سرحت فِي المراعي. والنوب: النَّحْل وَلَا وَاحِد لَهُ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ جمع نوبي سَموهَا بذلك لسوادها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ جمع نَائِب كعائذ وعوذ. يُرِيد أَنَّهَا تخْتَلف وتجيء وَتذهب أَي: تنتاب المراعي ثمَّ تعود. وعوامل أَي:)
وَقَوله: فحط عَلَيْهَا الخ يَقُول: انحدر المشتار على الخلية وَالْقلب يجب والحشاء تضطرب خوفًا مِمَّا يكابده فِي التدلي حَتَّى كَأَن ضلوعه سِهَام لَا نصال لَهَا رمي بهَا فطاشت وقلقت.
والسهم الناصل: الَّذِي سقط نصله أَو قلق يُقَال: نصلت السهْم إِذا ركبت عَلَيْهِ النصل وأنصلته فنصل إِذا نزعت نصله.
وَقَوله: فشرجها من الخ أَي: جعل الْعَسَل شريجين أَي: خليطين بالمزاج الَّذِي صبه عَلَيْهَا وكل وَاحِد من الخليطين شريج. والنطفة: المَاء.
وَإِنَّمَا نَسَبهَا إِلَى رَجَب لِأَن رَجَب وجمادى كَانَا فِي زمانهم من شهور الشتَاء. والسلاسلة بِالضَّمِّ: الَّتِي تتسلسل فِي الْحلق لصفائها وعذوبتها وسهولة صفاء مدخلها.
وَجعلهَا من مَاء لصب بِكَسْر اللَّام وَهُوَ شقّ فِي الْجَبَل ليدل على أَنَّهَا من مَاء الْمَطَر وَأَنه تنقل فِي مضايق الطّرق وتقطع بمدارج الشقوق والنقر فتزيل الكدورة عَنهُ وتسلسل فِي جريه ومروره حَتَّى تناهى فِي مقره وربد بِالرِّيحِ فِي مستنقعه فَقَوله: سلاسل صفة لماء لصب وَأَرَادَ بِهِ رقته وَسُرْعَة مره فِي مجاريه من المسايل والمناقع.
وَقَوله: بِمَاء شنان الخ رِوَايَة الْأَصْمَعِي بتنوين مَاء وإجراء شنان وَصفا لَهُ. قَالَ أَبُو نصر: وَهُوَ أحب إِلَيّ. والشنان بِضَم الْمُعْجَمَة: الْبَارِد ينشن من الْجَبَل انشناناً. وَمِنْه شن عَلَيْهِ الْغَارة.
وروى أَبُو سعيد: بِمَاء شنان على الْإِضَافَة قَالَ: والشنان بِكَسْر الْمُعْجَمَة: جمع الشنة وَهِي الْقرْبَة الْخلق وَالْمَاء فِيهَا أبرد.
وَقَوله: زعزعت مَتنه أَي: أَعْلَاهُ. وَقَوله: وجادت عَلَيْهِ الخ الْقَصْد فِيهِ إِلَى تَكْثِير المَاء حَتَّى يكون أصفى.
وَقَوله: بأطيب من فِيهَا الخ هَذَا خبر مَا فِي قَوْله: وَمَا ضرب بَيْضَاء. وَإِذا جِئْت ظرف لطارقاً وَإِذا نَامَتْ ظرف لأشهى. وَالْمرَاد: وأشهى من فِيهَا إِذا نَامَتْ.
والمشار إِلَيْهِ بإذا نَامَتْ غير الْمشَار إِلَيْهِ بإذا جِئْت يدلك أَن الْوَقْت الَّذِي يَجِيء فِيهِ طَارق يجوز أَن يكون من أول اللَّيْل وَمن أوسطه وَآخره فَإِن الْوَقْت الَّذِي ينَام فِيهِ كلاب الأسافل يكون مَعْلُوما متميزاً عَن سَاعَات اللَّيْل.
وَقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ أول الصُّبْح لِأَن الْكلاب إِذا تحرّك النَّاس تنام وتسكن وَمثله قَول أبي ذُؤَيْب فِي أُخْرَى: الوافر)
بأطيب من مقبّلها إِذا مَادنا العيّوق واكتتم النّبوح
وَقيل الأسافل مُرَاد بِهِ أسافل الْحَيّ لِأَن مَوَاشِيهمْ لَا تبيت بل لَهَا مباءة على حِدة فرعاتها لَا ينامون إِلَّا آخر من ينَام لِأَن مِنْهُم من يربق وَمِنْهُم من يحلب وكلابهم تحرس مَعَهم فَلَا تنام إِلَّا وَقَالَ الْبَاهِلِيّ: الحواء يكون فِيهِ الْوُجُوه والأسافل يكون فِيهِ الرعاء. وَهَذَا كالبيان الأول.
وَقَالَ أَبُو سعيد: الأسافل سفلَة النَّاس وَيَعْنِي بهم هُنَا الرُّعَاة وَلَيْسَ يُرَاد بِهِ أسافل الْبيُوت.
وَقَالَ الْأَخْفَش: الرِّوَايَة كلاب المسافل يَعْنِي الْمَوَاضِع الَّتِي تسفل النَّاس فِيهَا. يُقَال: أتيت المسفل من مَكَّة وأتيت الْمُعَلَّى مِنْهَا وَهِي مسافلها ومعاليها وَالْمعْنَى على جَمِيع هَذِه الْوُجُوه أَن فمها أشهى مِمَّا وَصفه إِذا خلفت الأفواه وتغيرت.
وَقَوله: ويأشبني فِيهَا الخ يأشبني: يلطخني ويقذفني. يُقَال: أشبه بِشَيْء إِذا قذفه بِهِ. والألاء: اسْم مَوْصُول بِمَعْنى الَّذين. وَعلم هُنَا بِمَعْنى عرف يَقُول: لَو عرفُوا قصتي مَعهَا مَعَ تمنعها لم يَقُولُوا إِنِّي أصبت مِنْهَا طائلاً.
والطائل: مَا لَهُ فضل وَقدر. وَرُوِيَ: بباطل وَالْمعْنَى: لتحرجوا من قذفي بِالْبَاطِلِ ويلونها: يقربونها.
وَرُوِيَ: الألى لَا يلونها أَي: الغرباء دون أهل بَيتهَا.
وَقَوله: وَلَو أَن مَا عِنْد الخ ابْن بجرة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْجِيم: خمار مَعْرُوف كَانَ بِالطَّائِف.
والناطل هُنَا: جرعة من مَاء أَو لبن أَو نَبِيذ وَيَأْتِي بِمَعْنى الْمِكْيَال للخمر وَلَيْسَ مرَادا هُنَا.
وأبلغ من هَذَا:
وَقَوله: فَتلك الَّتِي لَا يبرح الخ مَا مَصْدَرِيَّة ظرفية وأرزمت بِتَقْدِيم الْمُهْملَة: حنت. والحائل: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْإِبِل.
والسقب: الذّكر. وَالْمعْنَى: تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي وصفتها هِيَ الَّتِي لَا يفارقني حبها وَذكرهَا أبدا.
وَقَوله: حَتَّى يؤوب القارظان الخ الْمَعْنى: لَا يفارقني حبها حَتَّى يكون مَا لَا يكون.
القارظان أَحدهمَا القارظ الْعَنزي وَهُوَ يذكر بن عنزة بن أَسد بن ربيعَة كَانَ يعشق ابْنَته فَاطِمَة خُزَيْمَة بن نهد فطلبها من أَبِيهَا فَلم يُزَوّجهَا ثمَّ خرج يذكر وَخُزَيْمَة يطلبان الْقرظ وَهُوَ ورق تدبغ بِهِ الْجُلُود الطائفية وَمَرا بقليب فاستقيا فَسَقَطت الدَّلْو فَنزل يذكر ليخرجها فَلَمَّا صَار فِي الْبِئْر مَنعه الْحَبل وَقَالَ: زَوجنِي فَاطِمَة.)
فَقَالَ: أما على هَذِه الْحَالة اقتساراً فَلَا أفعل وَلَكِن أخرجني حَتَّى أزَوجك. فَامْتنعَ وَجعل يسْأَله ويأبى حَتَّى هلك فِيهَا.
والقارظ الثَّانِي: رجل من النمر بن قاسط خرج يَبْغِي قرظاً فأبعد فنهشته حَيَّة فَقتلته فَضرب الْمثل بِرُجُوعِهِ فِيمَا لَا يكون.
قَالَ عمَارَة بن عقيل:
لأجزر لحمي كلب نَبهَان كَالَّذيدَعَا القاسطيّ حتفه وَهُوَ نازح
كَذَا ذكر الْمبرد أَن القاسطي أحد القارظين هَذَا لخصته من شرح أشعار الهذليين للْإِمَام المرزوقي.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: القارظ الثَّانِي: اسْمه هميم وَقيل عقبَة وَكَانَ من عنزة أَيْضا وَكَانَ يتصيد الوعول ويدبغ جلودها بالقرظ فَعرض لَهُ فِي بعض الْجبَال ثعبان فنفخه نفخة فَوَقع مِنْهَا مَيتا. انْتهى.
وَأما الميداني فِي مجمع أَمْثَاله فقد قَالَ: القارظ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ حَدِيث غير أَنه فقد فِي طلب الْقرظ واسْمه هميم. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
وَأنْشد بعده: وَلَقَد أمرّ على اللّئيم يسبّني وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين من بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع