من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُمر لَهُ فرجةٌ كحل العقال
على أَن مَا نكرةٌ مَوْصُوفَة بجملة تكره النُّفُوس. فَحكم على كَونهَا نكرَة بِدُخُول رب عَلَيْهَا وَحكم بِالْجُمْلَةِ صفة على قِيَاس نكرَة رب من أَنَّهَا
مَوْضُوعَة لتقليل نوعٍ من جنس فَلَا بُد أَن يكون الْجِنْس مَوْصُوفا حَتَّى تحصل على النوعية. وَقد أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه مرَّتَيْنِ لذَلِك قَالَ: رب لَا يكون بعْدهَا إِلَّا نكرَة. وأنشده. قَالَ الأعلم: اسْتشْهد بِهِ على أَن مَا نكرةٌ بِتَأْوِيل شَيْء وَلذَلِك دخلت عَلَيْهَا رب لِأَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا نكرَة. وَلَا تكون مَا هُنَا كَافَّة لِأَن فِي تكره ضميراً عَائِدًا عَلَيْهَا وَلَا يضمر إِلَّا الِاسْم. وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي لَهُ عائدٌ عَلَيْهَا. وَالْمعْنَى: رب شَيْء تكرههُ النُّفُوس من الْأُمُور الْحَادِثَة الشَّدِيدَة وَله فُرْجَة تعقب الضّيق والشدة كحل عقال الْمُقَيد.
والفرجة بِالْفَتْح فِي الْأَمر وبالضم فِي الْحَائِط وَنَحْوه. اه. وَمثله فِي إِيضَاح الشّعْر لأبي عَليّ قَالَ فِيهِ: مَا اسمٌ منكور يدل على ذَلِك دُخُول رب عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن تكون كَافَّة كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لِأَن الذّكر قد عَاد إِلَيْهَا من قَوْله لَهُ فُرْجَة فَلَا يجوز مَعَ رُجُوع الذّكر أَن تكون حرفا فالهاء فِي قَوْله تكره مُرَادة وَالتَّقْدِير: تكرههُ النُّفُوس. وفرجةٌ مُرْتَفعَة بالظرف وَمَوْضِع الْجُمْلَة جر. اه. وَقَوله: وَمَوْضِع الْجُمْلَة جرٌ أَي: على الوصفية لِلْأَمْرِ وَلَا اعْتِبَار بلام التَّعْرِيف لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ شَارِح الْمُحَقق للْجِنْس. وَفِي كَون الْجُمْلَة صفة نظر إِذْ الْوَصْف على كَلَامه إِنَّمَا هُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور لَا غير لِأَنَّهُ جعل فُرْجَة فاعلهما. وَإِنَّمَا كَانَ يتَّجه لَو جعل فُرْجَة مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره كَمَا هُوَ ظَاهر صَنِيع الشَّارِح الْمُحَقق فِي قَوْله: لَهُ فُرْجَة صفى الْأَمر. وَبِمَا سقَاهُ من قَول الأعلم وَأبي عَليّ
علم ضعف قَول من ذهب إِلَى مَا فِي الْبَيْت: كافةٌ مهيئة لدُخُول رب على الْجمل كَمَا فِي الْآيَة. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل: وَكَونهَا اسْما أولى لِأَن الضَّمِير الْعَائِد على الْمَوْصُوف حذفه سَائِغ وَمن الْأَمر تَبْيِين لَهُ. وَإِذا جعلت مَا مهيئة كَانَ قَوْله من الْأَمر وَاقعا موقع الْمَفْعُول بتقديره تكره النُّفُوس شَيْئا من الْأَمر. وَحذف الْمَوْصُوف وإبقاء الصّفة جاراً ومجروراً فِي مَوْضِعه قَلِيل. انْتهى. وَقد ناقشه الشَّارِح الْمُحَقق بعد نقل كَلَامه بِالْمَعْنَى بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون مَا مهيئة أَن يكون من الْأَمر وَاقعا موقع الْمَفْعُول حَتَّى يرد مَا ذكر لجَوَاز أحد أَمريْن: أَحدهمَا: يجوز بقوله أَن تكون من مُتَعَلقَة بنكرة وَهِي للتَّبْعِيض كَمَا فِي)
أخذت من الدَّرَاهِم أَي: أخذت من الدَّرَاهِم شَيْئا. فَكَذَا مَعْنَاهُ تكره من الْأَمر شَيْئا.
ثَانِيهمَا: تضمين تكره معنى تشمئز وتنقبض بِدَلِيل رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ وَغَيره: رُبمَا تجزع النُّفُوس من الْأَمر فَإِن تجزع لازمٌ لَا يَقْتَضِي مَفْعُولا بِهِ. وَبَقِي وَجه ثَالِث وَهُوَ جَوَاز كَون من زَائِدَة عِنْد الْأَخْفَش والكوفيين. وَتبع ابْن الْحَاجِب شَارِح اللّبَاب الفالي قَالَ: لَا يتَعَيَّن كَون مَا مَوْصُوفَة إِذْ قيل إِنَّهَا كافةٌ مهيئة لدُخُول رب على الْجمل وَلَكِن الأولى جعلهَا مَوْصُوفَة لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه حملٌ لرب على بَابه الْكثير وَهُوَ كَونهَا غير مَكْفُوفَة. وَالثَّانِي: أَن تكره لَا بُد لَهُ من مفعول حينئذٍ وَتَقْدِيره: شَيْئا من الْأَمر وَلَكِن حذف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة الصّفة مقَامه ضَعِيف. اه.
وَقَول الْخَوَارِزْمِيّ فِي التخمير: لَا يجوز قَول مَا كَافَّة لِئَلَّا تبقى من التبيينية لَا معنى لَهَا يمْنَع كَونهَا حينئذٍ تبيينية. وَيُجَاب بِأحد الْأَوْجه الثَّلَاثَة.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: يجوز أَن تكون مَا كَافَّة وَالْمَفْعُول الْمَحْذُوف اسْما ظَاهرا أَي: قد تكره النُّفُوس من الْأَمر شَيْئا أَي: وَصفا فِيهِ. أَو الأَصْل من الْأُمُور أمرا وَفِي هَذَا إنابة الْمُفْرد عَن الْجمع. وَفِيه وَفِي الأول إنابة الصّفة غير المفردة عَن الْمَوْصُوف إِذْ الْجُمْلَة بعده صفة لَهُ. اه. وَقد أورد الْبَيْت فِي التفسيرين عِنْد قَوْله تَعَالَى: رُبمَا يود الَّذين كفرُوا على أَن بَعضهم قَالَ: مَوْصُوفَة بجملة يود كَمَا وصف مَا فِي الْبَيْت وَكَأَنَّهُ جعل الْعَائِد ضميراً مَنْصُوبًا أَي: يوده الَّذين كفرُوا. وَفِيه أَن مَفْعُوله مَضْمُون قَوْله تَعَالَى: لَو كَانُوا مُسلمين أَي: الْإِسْلَام أَو هُوَ الْمَفْعُول بِجعْل لَو مَصْدَرِيَّة. وَقَوله: لَهُ فُرْجَة قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الفرجة بِالْفَتْح: مصدرٌ يكون فِي الْمعَانِي وَهِي الخلوص من شدَّة وَالضَّم فِيهَا لُغَة. قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ لَك فُرْجَة وفرجة أَي: فرج. وَزَاد الْأَزْهَرِي فُرْجَة بِالْكَسْرِ. وَحكى الثَّلَاثَة صَاحب الْقَامُوس أَيْضا. وَقَوله: كحل العقال صفة فُرْجَة أَي: فُرْجَة سهلة سريعة كحل عقال الدَّابَّة. والعقال بِالْكَسْرِ: هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ يَد الدَّابَّة عِنْد البروك أَو الْوُقُوف ليمنعها من الذّهاب وَيكون ربطه كأنشوطة وَهِي عقد التكة حلهَا سهلٌ. وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: مَوضِع الْكَاف من قَوْله كحل العقال يجوز فِيهِ ضَرْبَان: أَحدهمَا أَن يكون نصبا وَالْآخر أَن يكون جراً: كَقَوْلِك: مَرَرْت برجلٍ مَعَه صقرٌ صائدٌ بِهِ. اه.
وَأَرَادَ النصب على الحالية من الْمَجْرُور بِمن بعد وَصفه بقوله: لَهُ فُرْجَة. وَأَرَادَ الْخَفْض على الوصفية لِلْأَمْرِ بِجعْل اللَّام للْجِنْس بِدَلِيل التنظير. وَهَذَا بعيد والقريب أَن تكون صفة لفرجة وَهُوَ أحد وَجْهي مَا جوزه فِي الْحجَّة قَالَ مَوضِع الْكَاف يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن تكون فِي مَوضِع نصب على الْحَال من لَهُ)
وَالْآخر: أَن تكون فِي مَوضِع رفع صفة لفرجة. اه. وَأَرَادَ بقوله لَهُ ضمير الْأَمر الْمَجْرُور بِاللَّامِ.
وَالْبَيْت الشَّاهِد قد وجد فِي أشعار جماعةٍ وَالْمَشْهُور أَنه لأمية بن أبي الصَّلْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا تسعةٌ وسبعةٌ وَسَبْعُونَ بَيْتا ذكر فِيهَا شَيْئا من قصَص الْأَنْبِيَاء: دَاوُد وَسليمَان ونوح ومُوسَى. وَذكر قصَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق ﵉ وَزعم أَنه هُوَ الذَّبِيح وَهُوَ قولٌ مشهورٌ للْعُلَمَاء. وَهَذِه أَبْيَات من القصيدة إِلَى الْبَيْت الشَّاهِد قَالَ:
يَا بني إِنِّي نذرتك للهـ شحيطاً فاصبر فدى لَك خَالِي
فَأجَاب الْغُلَام أَن قَالَ فِيهِ:كل شَيْء لله غير انتحال
أبتي إِنَّنِي جزيتك باللهـ تقياً بِهِ على كل حَال
فَاقْض مَا قد نذرت لله واكففعَن دمي أَن يمسهُ سربالي
وَاشْدُدْ الصفد أَن أحيد من السكين حيد الْأَسير ذِي الأغلال
إِنَّنِي آلم المحز وَإِنِّيلَا أمس الأذقان ذَات السبال
وَله مديةٌ تخيل فِي اللحم هذامٌ جليةٌ كالهلال
بَيْنَمَا يخلع السرابيل عَنهُفكه ربه بكبش جلال
قَالَ: خُذْهُ وَأرْسل ابْنك إِنِّي للَّذي قد فعلتما غير قالي
والدٌ يَتَّقِي وَآخر مولودٌ فطَارَا مِنْهُ بسمع معال
هَكَذَا رَوَاهُ جَامع ديوانه مُحَمَّد بن حبيب: من الشَّرّ بدلٌ من الْأَمر وَقَالَ: قَوْله: جزيتك بِاللَّه مَعْنَاهُ أطعمتك بِاللَّه. وَقَوله: غير انتحال أَي: غير كذبٍ وادعاءٍ بل هُوَ حقٌّ. والسربال: الْقَمِيص. والصفد: الْحَبل الَّذِي يرْبط بِهِ. وَقَوله: أَن أحيد أَي: خشيَة أَن أحيد مضارع حاد عَنهُ أَي: مَال عَنهُ وَعدل. وَقَوله: لَا أمس الأذقان إِلَخ قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: يَقُول: لم أمسس ذقني إِنِّي لَا أجزع وَلَا أمنعك. وذقن الْإِنْسَان: مجمع لحييْهِ وَأَصله فِي الْجمل يحمل الثقيل فَلَا يقدر على النهوض فيعتمد بذقنه على الأَرْض. والسبال: جمع سبة وَهِي عِنْد الْعَرَب مقدم اللِّحْيَة. وَقَوله: وَله مديةٌ هِيَ بِضَم الْمِيم: السكين. قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: تخيل فِي اللَّحْم: تمْضِي فِيهِ من الْخُيَلَاء. وهذام بِضَم الْهَاء بعْدهَا ذال مُعْجمَة: القاطعة السريعة من الهذم وَهُوَ الْقطع وَالْأكل فِي سرعَة. قَالَ أَبُو عبيد: سيفٌ هذام أَي: قَاطع. وجلية: مجلوة. وكبش جلال بِضَم الْجِيم بِمَعْنى جليلٍ وعظيم. وَسمع بِالْكَسْرِ: الذّكر الْجَمِيل. يُقَال: ذهب سَمعه فِي النَّاس.)
والمعال بِضَم الْمِيم: الْمُرْتَفع أَي: صَار لَهما شرفاً يذكران بِهِ. وَأُميَّة هَذَا شاعرٌ جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَوجد أَيْضا فِي قصيدةٍ رَوَاهَا الْأَصْمَعِي لأبي قيس الْيَهُودِيّ وَقيل: هِيَ لِابْنِ صرمة الْأنْصَارِيّ ومطلعها:
سبحوا للمليك كل صباحٍطلعت شمسه وكل هِلَال
وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح الشواهد للمفصل: وجدت قَوْله رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر الْبَيْت فِي أبياتٍ لأبي قيس صرمة بن أبي أنس من بني عدي بن النجار وَوجد أَيْضا فِي أَبْيَات لحنيف بن عُمَيْر الْيَشْكُرِي قَالَهَا لما قتل مُحكم بن الطُّفَيْل يَوْم الْيَمَامَة وَهِي:
يَا سعاد الْفُؤَاد بنت أَثَالطَال ليلِي بفتنة الرِّجَال
إِنَّهَا يَا سعاد من حدث الدهر عَلَيْكُم كفتنة الرِّجَال
إِن دين الرَّسُول ديني وَفِي القوم رجالٌ على الْهدى أمثالي
أهلك الْقَوْم مُحكم بن طفيلورجالٌ لَيْسُوا لنا بِرِجَال
رُبمَا تجزع النُّفُوس من الْأُمر لَهُ فرجةٌ كحل العقال
وحنيف أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَلَا تعرف لَهُ صُحْبَة. وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: هُوَ مخضرم ذكره المزرباني وروى لَهُ هَذِه الأبيات عمر بن شبة وَوجد أَيْضا فِي أبياتٍ لأعرابي.
وَهِي:
يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَهْوَالوَكثير الهموم والأوجال
اصبر النَّفس عِنْد كل ملمٍّإِن فِي الصَّبْر حِيلَة الْمُحْتَال
لَا تضيقن بالأمور فقد يَكشف غماؤها بِغَيْر احتيال
قد يصاب الجبان فِي آخر الصف وينجو مقارع الْأَبْطَال
وَرَوَاهَا صَاحب الحماسة البصرية لحنيف بن عُمَيْر الْمَذْكُور وَقيل أَنَّهَا لنهار ابْن أُخْت مُسَيْلمَة الْكذَّاب لَعنه الله. ونسبها الْعَيْنِيّ لأمية بن أبي الصَّلْت. وَهَذَا لَا أصل لَهُ. وَقَوله: يَا قَلِيل العزاء هُوَ بِالْفَتْح بِمَعْنى الصَّبْر والتجلد. وَقَوله: اصبر النَّفس أَي: احبسها. والملم: الْحَادِث من حوادث الدَّهْر وَهُوَ اسْم فَاعل من ألم إِذا نزل. وغماؤها: مبهمها ومشكلها وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة يُقَال: أَمر غمةٌ أَي: مُبْهَم ملتبس. وَيُقَال: صمنا بالغمى بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا وصمنا للغماء على فعلاء بِالْفَتْح وَالْمدّ إِذا غم الْهلَال على النَّاس وستره عَنهُ غيمٌ وَنَحْوه. وصحفه)
الْعَيْنِيّ فَقَالَ: عماؤها بِالْعينِ الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم للضَّرُورَة. والعماء فِي اللُّغَة: السَّحَاب الرَّقِيق سمي بذلك لكَونه يعمي الْأَبْصَار عَن رُؤْيَة مَا وَرَاءه. وَأَرَادَ بهَا مَا يحول بَين النَّفس ومرادها.
هَذَا كَلَامه.
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: أخرج ابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: هربت من الْحجَّاج فَسمِعت أَعْرَابِيًا ينشد:
يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَهْوَالوَكثير الهموم والأوجال
إِلَى آخر الأبيات. فَقلت: مَا وَرَاءَك يَا أَعْرَابِي فَقَالَ: مَاتَ الْحجَّاج فَلم أدر بِأَيِّهِمَا أفرح: أبموت الْحجَّاج أم بقوله فُرْجَة لِأَنِّي كنت أطلب شَاهدا لاختياري الْقِرَاءَة فِي سُورَة الْبَقَرَة: إِلَّا من اغترف غرفَة بِالْفَتْح. انْتهى. وَقد رويت قصَّة أبي عَمْرو بن الْعَلَاء هَذِه على وجوهٍ مُخْتَلفَة مِنْهَا رِوَايَة الصَّاغَانِي فِي الْعباب قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء وَكَانَ قد هرب من الْحجَّاج إِلَى الْيمن يَقُول: كنت مختفياً لَا أخرج بِالنَّهَارِ فطال عَليّ ذَلِك فَبينا أَنا قاعدٌ وَقت السحر مفكراً سَمِعت رجلا ينشد وَهُوَ مارٌّ:
رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُمر لَهُ فرجةٌ كحل العقال
وَمر خَلفه رجلٌ يَقُول: مَاتَ الْحجَّاج قَالَ أَبُو عَمْرو: فَمَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا كنت أفرح أبموت الْحجَّاج أم بقوله: فُرْجَة بِفَتْح الْفَاء وَكُنَّا نقُوله بضَمهَا. اه.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة قَالَ: يحْكى عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه كَانَ لَهُ غُلَام ماهر فِي الشّعْر فوشي بِهِ إِلَى الْحجَّاج فَطَلَبه ليشتريه مِنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ وكلمني فِيهِ قلت: إِنَّه مُدبر. فَلَمَّا خرجت قَالَ الواشي: كذب. فهربت إِلَى الْيمن خوفًا من شَره فَمَكثت هُنَاكَ وَأَنا إمامٌ يرجع إِلَيّ فِي الْمسَائِل عشر سِنِين فَخرجت ذَات يَوْم إِلَى ظَاهر الصَّحرَاء فَرَأَيْت أَعْرَابِيًا يَقُول لآخر: أَلا أُبَشِّرك قَالَ: بِلَا. قَالَ: مَاتَ الْحجَّاج فأنشده:
رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُمر فُرْجَة كحل العقال
وأنشده بِفَتْح الْفَاء من فُرْجَة. قَالَ أَبُو عَمْرو: لَا أَدْرِي بِأَيّ الشَّيْئَيْنِ أفرح أبموت الْحجَّاج أم بقوله فُرْجَة بِفَتْح الْفَاء وَنحن نقُول فُرْجَة بضَمهَا وَهُوَ خطأ.
وتطلبت ذَلِك زَمَانا فِي استعمالاتهم.
قَالَ أَبُو عَمْرو: وَكنت بقوله: فُرْجَة أَشد مني فَرحا بقوله: مَاتَ الْحجَّاج. اه. كَذَا سَاق الْحِكَايَة.
وَفِي قَوْله فِي آخرهَا: وَهُوَ خطأ نظرٌ لَا يخفى. وَالْمَشْهُور أَن سَبَب هروب أبي عَمْرو إِلَى الْيمن طلب الْحجَّاج مِنْهُ شَاهدا من كَلَام الْعَرَب لقرَاءَته: غرفَة بِالْفَتْح فَلَمَّا تعذر عَلَيْهِ هرب إِلَى)
الْيمن. وَلم تحضرني الْآن هَذِه الرِّوَايَة. روى السَّيِّد المرتضى ﵀: فِي أَمَالِيهِ الْغرَر والدرر عَن الصولي أَن منشداً أنْشد إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس وَهُوَ فِي مَجْلِسه فِي ديوَان الضّيَاع: رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر الْبَيْت قَالَ: فَنكتَ بقلمه سَاعَة ثمَّ قَالَ:
ولرب نازلةٍ يضيق بهَا الْفَتىذرعاً وَعند الله مِنْهَا الْمخْرج
كملت فَلَمَّا استحكمت حلقاتهافرجت وَكَانَ يَظُنهَا لَا تفرج
فَعجب من جودة بديهته. اه. وَأنْشد بعده: لأمرٍ لَا يسود من يسود
على أَن مَا هُنَا لإِفَادَة التَّعْظِيم. ويسود بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يَجْعَل سيداً. وَهَذَا عجزٌ وصدره: وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السّبْعين بعد الْمِائَة من بَاب الْمَفْعُول فِيهِ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع