من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
دعِي مَاذَا علمت سأتقيهوَلَكِن بالمغيب نبئيني
على أَن ذَا هُنَا زَائِدَة بعد مَا الموصولة. وَهَذَا مخالفٌ لكَلَام سِيبَوَيْهٍ فيهمَا فَإِن مَا عِنْده فِي الْبَيْت استفهامية وذَا اسْم مركب مَعهَا جعلا بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد. وَهَذَا نَص كَلَامه: وَأما إجراؤهم ذَا مَعَ مَا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد فَهُوَ قَوْلك: مَاذَا رَأَيْت فَتَقول: خيرا كَأَنَّك قلت: مَا رَأَيْت فَلَو كَانَت ذَا لَغوا لما قَالَت الْعَرَب: عَمَّا ذَا تسْأَل ولقالوا: عَم ذَا تسْأَل وَلَكنهُمْ جعلُوا مَا وذَا اسْما وَاحِدًا كَمَا جعلُوا مَا وَإِن حرفا وَاحِدًا حِين قَالُوا: إِنَّمَا. وَمثل ذَلِك: كَأَنَّمَا وحيثما فِي الْجَزَاء وَلَو كَانَ ذَا بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي ذَا الْموضع الْبَتَّةَ لَكَانَ الْوَجْه فِي مَاذَا رَأَيْت إِذا أَرَادَ الْجَواب أَن يَقُول: خير وَقَالَ الشَّاعِر: وَسَمعنَا بعض الْعَرَب يَقُوله:
دعِي مَاذَا علمت سأتقيهوَلَكِن بالمغيب نبئيني
ف الَّذِي لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع وَمَا لَا يحسن أَن تلغيها. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: قَالَ بَعضهم: ذَا مَعَ مَا شيءٌ وَاحِد وَمَوْضِع مَاذَا نصب ب علمت وَهِي الاستفهامية على مَا حكى سِيبَوَيْهٍ. وَحكى السيرافي أَن مَاذَا فِي الْبَيْت بِمَعْنى الَّذِي وَعلمت صلَة وحذفت الْهَاء العائدة وماذا فِي مَوضِع نصب بدعي وَالتَّقْدِير: دعِي الَّذِي علمت فَإِنِّي سأتقيه.
وَهُوَ أصح معنى مِمَّا حكى سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ جعلهَا استفهامية مَنْصُوبَة بعلمت الْوَاقِع بعْدهَا وَهُوَ فاسدٌ من طَرِيق الْمَعْنى. وَيُمكن أَن يكون مَنْصُوبًا بإضمار فعل يدل عَلَيْهِ سأتقيه كَأَنَّهُ قَالَ: دعِي كل شَيْء سأتقي مَاذَا علمت سأتقيه. اه. وَقد خَفِي على الأعلم ظُهُور كَون مَا فِي الْبَيْت استفهامية فَزعم أَنَّهَا مَوْصُولَة قَالَ: الشَّاهِد فِيهِ جعل مَاذَا اسْما وَاحِدًا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَالْمعْنَى دعِي الَّذِي عَلمته فَإِنِّي سأتقيه لعلمي مثل الَّذِي علمت وَلَكِن نبئيني بِمَا غَابَ عني وعنك مِمَّا يَأْتِي بِهِ الدَّهْر أَي: لَا تعذليني فِيمَا أبادر بِهِ الزَّمَان من إِتْلَاف مَالِي فِي وُجُوه الفتوة وَلَا تخوفيني الْفقر. اه. وَالْمَفْهُوم من تَقْرِيره أَن التَّاء من علمت مَكْسُورَة. قَالَ النّحاس: وَهِي رِوَايَة أبي الْحسن وَأما رِوَايَة أبي إِسْحَاق فَهِيَ بِضَم التَّاء. قَالَ النّحاس: ف إِذا هُنَا لَا تكون بِمَعْنى الَّذِي لِأَنَّهُ لَا يجوز دعِي مَا الَّذِي علمت. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: لَا يكون ذَا هُنَا إِلَّا بِمَنْزِلَة اسْم مَعَ مَا وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو من إِحْدَى ثَلَاث جِهَات: إِمَّا أَن تكون مَا صلَة وَذَا بِمَعْنى الَّذِي وَهَذَا لَا يجوز)
لِأَن ذَا لَا يكون بِمَعْنى الَّذِي إِلَّا مَعَ مَا وَمن الاستفهاميتين وَكَذَا اسْتعْملت. وَإِمَّا أَن يكون مَا بِمَعْنى الَّذِي وَذَا بِمَعْنى الَّذِي فَتكون مَا مفعولة وَذَا مُبْتَدأ وَعلمت صلَة وَيبقى الْمُبْتَدَأ بِلَا خبر. فَإِن قلت: أضمر هُوَ فكأنك قلت: دعِي الَّذِي هُوَ الَّذِي علمت. فَهَذَا قَبِيح. وَهَذَا الَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَالَّذِي لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع لِئَلَّا يلْزم أَن تحذف هُوَ مُنْفَصِلَة. الثَّالِث: أَن تكون مَا مَعَ ذَا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد. اه.
وَلَا يخفى أَنه لم يعين معنى مَاذَا بعد هَذَا الترديد هَل هِيَ اسْتِفْهَام أَو مَوْصُول. وَذهب ابْن عُصْفُور إِلَى أَن مَا استفهامية وذَا مَوْصُولَة وَقَالَ: لَا يكون مَاذَا مَفْعُولا لدعي لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ الصَّدْر. وَلَا لعَلِمت لِأَنَّهُ لم يرد أَن
يستفهم عَن معلومها مَا هُوَ. وَلَا لمَحْذُوف يفسره سأتقيه لِأَن علمت حينئذٍ لَا مَحل لَهُ. بل مَا اسْتِفْهَام مُبْتَدأ وَذَا مَوْصُول خبر وَعلمت صلَة وعلق دعِي عَن الْعَمَل بالاستفهام. اه. وَلَا يخفى أَن هَذَا مبنيٌّ على رِوَايَة كسر التَّاء من علمت وَأما على رِوَايَة ضمهَا فَلَا اسْتِفْهَام إِذْ الْمَعْنى: دعِي مَا عَلمته أَنا وخبريني مَا جهلته. وَأورد عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامه أَن قَوْله لم يرد أَن يستفهمها عَن معلومها لازمٌ لَهُ إِذا جعل مَاذَا مُبْتَدأ وخبراً. ودعواه تَعْلِيق دعِي مردودةٌ لِأَنَّهَا لَيست من أَفعَال الْقُلُوب فَإِن قَالَ: إِنَّمَا أردْت أَنه قدر الْموقف على دعِي فاستأنف مَا بعده رده قَول الشَّاعِر: وَلَكِن فَإِنَّهَا لَا بُد أَن يُخَالف مَا بعْدهَا مَا قبلهَا والمخالف هُنَا دعِي فَالْمَعْنى دعِي كَذَا وَلَكِن افعلي كَذَا. وعَلى هَذَا فَلَا يَصح اسْتِئْنَاف مَا بعد دعِي لِأَنَّهُ لَا يُقَال من فِي الدَّار فإنني أكْرمه وَلَكِن أَخْبرنِي عَن كَذَا. اه. وَذهب أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة إِلَى أَن مَاذَا بِمَعْنى شَيْء نكرَة. قَالَ: وَلَا يجوز أَن أجعَل ذَا فِي تَأْوِيل الَّذِي لِأَنَّهَا لم تجىء فِي تَأْوِيل الَّذِي إِلَّا فِي الِاسْتِفْهَام. وَهَا هُنَا لَيْسَ معنى اسْتِفْهَام وَلَكِن معنى مَا وذَا بِمَعْنى شَيْء فَيكون بِمَعْنى اسْم وَاحِد فَيكون تَقْدِيره: دعِي شَيْئا علمت وَيكون علمت صفة لماذا. وَالشَّاهِد على هَذَا القَوْل أَن مَا وَذَا إِنَّمَا جَاءَت بِمَعْنى شَيْء وَاحِد فِي الِاسْتِفْهَام والاستفهام نكرَة وَهِي هَا هُنَا أَيْضا مُبْهمَة فحملتها على النكرَة الَّتِي جَاءَت فِي الِاسْتِفْهَام. اه. وَعلمت هُنَا بِمَعْنى عرفت وَلِهَذَا تعدى إِلَى مفعول وَاحِد. والنبأ: الْخَبَر. وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي مَا عرف قَائِلهَا وَالله أعلم بِهِ. وَزعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي أَنه من قصيدة للمثقب الْعَبْدي مطْلعهَا:
أفاطم قبل بَيْنك متعينيومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني
)
وَهَذَا لَا أصل لَهُ وَإِن كَانَ الروي وَالْوَزْن شَيْئا وَاحِدًا فَإِن قصيدة المثقب الْعَبْدي قد رَوَاهَا جماعةٌ مِنْهُم الْمفضل الضَّبِّيّ فِي المفضليات وَمِنْهُم أَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ وَفِي ذيل أَمَالِيهِ وَلم يُوجد الْبَيْت فِيهَا وَلم يعزه إِلَيْهِ أحدٌ من خدمَة كتاب سِيبَوَيْهٍ وهم أدرى بِهَذِهِ الْأُمُور. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع